واصل الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، عملياته العسكرية في مناطق متفرقة من جنوب لبنان، منفذا غارات جوية وقصفا مدفعيا وتفجيرات طالت بلدات ومواقع في أقضية صور وبنت جبيل والنبطية، في تصعيد جديد يعيد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار المعلن منذ 20 يونيو الماضي.

 

وتأتي الهجمات بينما لم تتمكن الهدنة من إنهاء العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أو دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب الكامل من المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة، ما يجعل الجنوب يعيش حالة معلقة بين وقف معلن للنار وعمليات عسكرية تتكرر بصورة شبه يومية، وسط مخاوف السكان من عودة المواجهة المفتوحة.

 

قصف يمتد عبر الجنوب

 

بدأ التصعيد خلال ساعات الليل عندما شن الطيران الحربي الإسرائيلي، بعد الساعة الثانية فجرا، سلسلة غارات على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتزامن مع تفجيرات قوية سمعت أصداؤها في عدد من القرى والبلدات المحيطة، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.

 

 

كما اخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية حاجز الصوت فوق مدينة صور وقرى القضاء، بينما امتدت العمليات إلى قضاء بنت جبيل، حيث نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في بلدتي حداثا والطيري، في استمرار لنمط التفجيرات الميدانية الذي تشهده المناطق القريبة من مواقع انتشار القوات الإسرائيلية.

 

وفي محافظة النبطية، تعرض مرتفع علي الطاهر لسلسلة غارات خلال الليل، كما استهدفت الضربات المنطقة الممتدة بين تلة الدبشة عند أطراف النبطية الفوقا ودوحة كفررمان، فيما طالت غارات أخرى الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا.

 

ومع ساعات صباح الجمعة، استهدف قصف مدفعي إسرائيلي متقطع أطراف بلدة ميفدون من جهة زوطر الشرقية، لتتسع بذلك رقعة العمليات من قضاء صور غربا إلى مناطق النبطية وبنت جبيل شرقا ووسطا، دون إعلان فوري عن وقوع قتلى أو مصابين نتيجة هجمات الجمعة.

 

ويحمل استهداف مرتفع علي الطاهر أهمية خاصة في مسار التصعيد، إذ يشرف الموقع على أجزاء واسعة من مدينة النبطية والطرق الرئيسية المؤدية إليها، وسبق أن تعرض لقصف إسرائيلي مكثف خلال الأسابيع الماضية، بينما تقول إسرائيل إن المنطقة تضم بنية عسكرية مرتبطة بحزب الله.

 

ولا تقتصر العمليات الإسرائيلية على الغارات الجوية، إذ أصبحت التفجيرات داخل البلدات والمناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية إحدى أدوات التحرك الميداني، بالتوازي مع القصف المدفعي وتحليق الطائرات والمسيرات، وهو ما يبقي قرى جنوبية عدة في حالة عدم استقرار أمني مستمر.

 

وتضع هذه التحركات سكان الجنوب أمام معضلة متجددة، خصوصا العائلات التي تحاول العودة إلى مناطقها بعد شهور من النزوح، إذ يؤدي تكرار القصف والتفجيرات إلى تعطيل العودة وإعادة الإعمار وإبقاء النشاط الاقتصادي والزراعي في عدد من القرى تحت تهديد مستمر.

 

هدنة هشة تحت النار

 

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 20 يونيو الماضي بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر من المواجهات الواسعة، وشهدت الأيام الأولى للهدنة هدوءا نسبيا، إلا أن المخاوف من انهيارها ظلت قائمة منذ البداية بسبب استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل أجزاء من جنوب لبنان.

 

وكانت الحرب الأخيرة قد اندلعت في 2 مارس، عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل بعد يومين من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران، قبل أن تتوسع المواجهة بسرعة إلى حرب شملت غارات إسرائيلية واسعة وعمليات برية داخل الأراضي اللبنانية.

 

وتشير أحدث البيانات المتداولة إلى أن الحرب منذ مارس أسفرت عن مقتل أكثر من 4 آلاف شخص في لبنان وإصابة نحو 12 ألفا، فيما كانت السلطات اللبنانية قد أعلنت خلال يونيو أن نحو 1.2 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب القتال.

 

ورغم وقف إطلاق النار، لم تتوقف الهجمات بصورة كاملة، إذ قال مسؤول أمني لبناني بعد أيام من بدء الهدنة إن الالتزام بها كان شبه كامل، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى قصف إسرائيلي وتحركات عسكرية في بعض المناطق، مع استمرار انتشار القوات الإسرائيلية داخل ما تعتبره منطقة أمنية في الجنوب.

 

واتضح حجم هشاشة التهدئة مجددا في 15 أغسطس، عندما قتلت غارات إسرائيلية 11 شخصا في جنوب لبنان، بينهم 3 أطفال، وأصابت 19 آخرين في بلدتي أنصار ودير الزهراني، في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ بدء وقف إطلاق النار.

 

وقالت إسرائيل حينها إنها كانت ترد على هجوم بطائرة مسيرة أدى إلى إصابة 3 جنود إسرائيليين، وإن الغارات استهدفت مواقع وبنية عسكرية لحزب الله، كما أعلنت مقتل أحد قادة قوة الرضوان، بينما انتقدت السلطات اللبنانية سقوط المدنيين واعتبرت الهجمات تهديدا لمسار تثبيت الاستقرار.

 

وأكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام عقب تلك الضربات أن المدنيين الذين قتلوا ليسوا أهدافا عسكرية، محذرا من أن استمرار الغارات يخيف السكان داخل منازلهم ويقوض محاولات تثبيت الوضع، بينما اعتبر الرئيس جوزيف عون أن التصعيد يوجه رسالة سلبية إلى المسار التفاوضي.

 

في المقابل، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنها تحتفظ بحرية التحرك ضد أي تهديد ترى أنه صادر عن حزب الله، وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد أعلن بعد بدء الهدنة أن القوات الإسرائيلية ستبقى داخل لبنان طالما اعتبرت ذلك ضروريا لأمن إسرائيل.

 

مفاوضات بلا ضمانات

 

أعلنت بيروت وتل أبيب في 26 يونيو اتفاق إطار برعاية أمريكية يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل انتشار الجيش اللبناني، إلى جانب معالجة ملف سلاح الجماعات المسلحة وفي مقدمتها حزب الله، ضمن مسار يفترض أن يقود إلى ترتيبات أمنية أكثر استقرارا.

 

لكن تنفيذ الاتفاق اصطدم منذ البداية بخلافات عميقة حول الانسحاب الإسرائيلي وسلاح حزب الله وترتيبات المنطقة الحدودية، فيما رفض الحزب المشاركة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، متهما الحكومة اللبنانية بتقديم تنازلات من دون الحصول على ضمانات واضحة لانسحاب القوات الإسرائيلية.

 

وعقد لبنان وإسرائيل بالفعل عدة جولات تفاوض، كان أحدثها في روما خلال أغسطس، إلا أن استمرار العمليات العسكرية يضع المسار كله أمام اختبار صعب، إذ يصبح الحديث عن تثبيت وقف النار أكثر تعقيدا بينما تستمر الغارات والتفجيرات والاحتلال العسكري لأجزاء من الجنوب.

 

وتزداد خطورة المشهد لأن استمرار الضربات المحدودة لا يعني بالضرورة بقاء التصعيد تحت السيطرة، فقد أظهرت المواجهات السابقة أن حادثا واحدا يسقط عددا كبيرا من القتلى أو يستهدف قوات أحد الطرفين يمكن أن يتحول إلى سلسلة من عمليات الرد والرد المضاد.

 

كما أن عودة الحرب المفتوحة ستضاعف معاناة مناطق جنوب لبنان التي لم تتعاف بعد من الدمار والنزوح، وستضع الدولة اللبنانية أمام أعباء إضافية تتعلق بإعادة الإعمار وتأمين السكان ونشر الجيش واستعادة النشاط الاقتصادي في بلدات تعرضت لأضرار واسعة خلال شهور القتال.

 

وفي المحصلة، تكشف غارات الجمعة أن وقف إطلاق النار الذي أوقف الجزء الأكبر من المواجهات لم يتحول بعد إلى استقرار حقيقي، وأن الجنوب اللبناني ما زال يعيش تحت تهديد الطائرات والقصف والتفجيرات، فيما يبقى نجاح المسار التفاوضي مرتبطا بوقف العمليات العسكرية وتنفيذ الانسحاب ومعالجة الملفات الأمنية التي فجرت الحرب من الأساس.