أعلنت شركة باركن الإماراتية توقيع مذكرة تفاهم مع 3 شركات مصرية هي مدن مصر لإدارة الأصول والمرافق ومواصلات مصر وريدكون العقارية لاستكشاف إدارة المواقف الذكية في مصر، مع دراسة القاهرة الجديدة كنموذج مبدئي تمهيدًا للتوسع لاحقًا.

 

وتضع الخطوة خدمة يومية تمس حركة المواطنين ورسوم الانتظار واستخدام المجال العام أمام أسئلة صعبة، لأن الحكومة تواصل فتح قطاعات خدمية أمام رأس المال الأجنبي بينما لا تزال قواعد التسعير والرقابة وحماية البيانات والعائد العام غير معلنة للرأي العام.

 

وبحسب المذكرة، تدرس الأطراف التعاون في المواقف العامة والمواقف الذكية والمنشآت متعددة الطوابق، إلى جانب حلول التخطيط والتشغيل والتحصيل الرقمي وإدارة الإشغال، بما يجعل المشروع أقرب إلى إدارة مرفق حضري متكامل لا مجرد إنشاء ساحات لركن السيارات.

 

كما بحثت وزارة الإسكان مع باركن ومدن مصر حصر المواقف القائمة في القاهرة الجديدة ومساحاتها وطاقاتها وطبيعة استخدامها، ودراسة البنية الأساسية والتجهيزات المطلوبة، وهو ما يوضح أن النقاش يتصل بأصول ومواقع قائمة داخل مدينة مصرية وليست فرصة استثمارية معزولة.

 

ويقول الرئيس التنفيذي لباركن محمد عبدالله آل علي إن دخول مصر يمثل خطوة في مسار التوسع الإقليمي للشركة، مستندًا إلى خبرتها التشغيلية والتقنية في دبي، بينما تركز الشركة على البيانات والتحصيل والرقابة الرقمية بوصفها أدوات رئيسية لرفع كفاءة المواقف.

 

غير أن الإعلان لم يحدد حتى الآن قيمة استثمارات نهائية في مصر أو مدة عقود التشغيل المحتملة أو نسب تقاسم الإيرادات أو قواعد تحديد الرسوم، وهي تفاصيل جوهرية قبل اعتبار المشروع مكسبًا عامًا أو تقييم أثره على المواطنين والمدينة.

 

ومن ثم يظل الرقم الأوضح في الخطوة الحالية هو وجود 3 شركات مصرية ضمن مذكرة التفاهم، لا حجم الأموال التي ستدخل الاقتصاد، وهو فارق مهم لأن توقيع المذكرات لا يساوي تلقائيًا تدفقات استثمارية أو إنشاء أصول جديدة.

 

في المقابل، تتزامن الخطوة مع اعتماد الحكومة بصورة متزايدة على الشراكات الخارجية لتطوير المدن الجديدة والخدمات المرتبطة بها، ما يجعل السؤال أكبر من شركة واحدة، ويتعلق بالحد الفاصل بين جذب الخبرة الأجنبية وبين نقل إدارة مرافق الحياة اليومية إلى المستثمر.

 

من يملك قرار المواقف

 

وفي طرح سابق، يرى الدكتور أسامة عقيل أستاذ الطرق والمرور والمطارات بجامعة عين شمس أن معالجة أزمة الانتظار تتطلب إنشاء جراجات متعددة الطوابق وجراجات ذكية وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة، لكنه يربط ذلك بتخطيط عام واضح وتطبيق حازم للقانون.

 

ويكتسب هذا الطرح أهمية في حالة باركن، لأن قبول مشاركة شركة متخصصة لا يعني منحها حرية مطلقة في رسم سياسة المواقف، فالموقع والتسعير وأولوية السكان ومناطق المنع والاشتراكات كلها قرارات تمس المجال العام وتتطلب سلطة رقابية معلنة.

 

وبالتالي فإن جوهر المسألة ليس جنسية الشركة وحدها، بل طبيعة العقد الذي ستمنحه الجهات المصرية، وهل يقتصر على التشغيل الفني أم يمتد إلى تحديد الرسوم وإدارة البيانات وتحصيل العوائد والتوسع في مواقع جديدة دون رقابة مجتمعية كافية.

 

كما أن المواقف في المدن الجديدة أصبحت جزءًا من تخطيط الحركة وليست خدمة منفصلة، لأن أسعار الانتظار وعدد الأماكن ومواقعها تؤثر في استخدام السيارات الخاصة وفي الضغط على الشوارع وفي قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات والعمل.

 

لذلك يصبح واجب الحكومة أن تعلن قبل التنفيذ شكل الملكية ومدة التشغيل ونسب الإيرادات وضوابط زيادة الرسوم وآليات الشكاوى، بدل الاكتفاء بعبارات عامة عن الكفاءة والاستدامة، لأن المواطن هو الطرف الذي سيدفع ويستخدم الخدمة يوميًا.

 

وعلاوة على ذلك، فإن إدخال مستثمر أجنبي إلى منظومة ترتبط بالمجال العام يحتاج ضمانًا بأن الأولوية لن تتحول من تنظيم المرور إلى تعظيم حصيلة الرسوم، خصوصًا في مناطق مرتفعة الطلب يمكن أن تتحول فيها المواقف إلى مصدر دخل كبير.

 

وبناءً على ذلك، فإن تجربة القاهرة الجديدة يجب أن تكون اختبارًا للشفافية بقدر ما هي اختبار للتكنولوجيا، بحيث تنشر الجهات المسؤولة مؤشرات الأداء والعائد وشكاوى المستخدمين وتغير الرسوم قبل التفكير في نقل النموذج إلى مدن أخرى.

 

وفي هذا السياق، لا يقدم الإعلان الحالي إجابات كافية بشأن حدود دور هيئة المجتمعات العمرانية بعد دخول باركن، ولا يوضح من سيتحمل تكاليف التطوير أو كيف ستوزع الأرباح، وهي فجوات تمنع تقييم المصلحة العامة بصورة مكتملة.

 

التكنولوجيا ليست ضمانة

 

وفي تصريحات سابقة، أكد الدكتور حسن مهدي أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس أن أنظمة النقل الذكي يمكن أن تحسن الأمان وتدعم التحصيل الإلكتروني وتتبع المركبات، كما شدد على ضرورة الإدارة المنظمة وعدم ترك منظومة النقل للفوضى.

 

لكن نقل هذا المنطق إلى المواقف يعني أن التقنية أداة وليست ضمانة للعدالة، لأن الكاميرات والمنصات الرقمية والتحصيل الآلي يمكن أن ترفع الكفاءة، لكنها قد تزيد العبء على المستخدم إذا غابت قواعد التسعير والاعتراض وحماية البيانات.

 

وفوق ذلك، فإن نموذج باركن يعتمد بصورة واسعة على البيانات والتطبيقات الرقمية والرقابة على الإشغال، ما يطرح أسئلة عن مكان تخزين بيانات المستخدمين ومن يملك حق الوصول إليها ومدة الاحتفاظ بها والجهة المصرية القادرة على مراجعة استخدامها.

 

ومن ناحية أخرى، يمكن للمواقف الذكية أن تقلل البحث العشوائي عن مكان للانتظار وتحد من التكدس وتوفر معلومات لحظية للسائقين، لكن نجاحها يحتاج دمجًا حقيقيًا مع النقل الجماعي وسياسات المرور وليس تحويل الشوارع إلى شبكة تحصيل رقمية.

 

ولهذا فإن تقييم المشروع يجب ألا يقتصر على عدد المواقف أو سرعة الدفع، بل يمتد إلى أثره على زمن الرحلات والزحام واستخدام النقل العام وقدرة السكان على تحمل الرسوم، مع نشر نتائج قابلة للقياس بعد المرحلة التجريبية.

 

كذلك ينبغي أن تكون العقوبات والتحصيل خاضعة لقواعد واضحة وقابلة للطعن، لأن الاعتماد على الأنظمة الآلية قد يوسع المخالفات دون مسار إنصاف سريع، بينما تصبح الشركة المشغلة في موقع يجمع بين الرصد والتحصيل وإدارة قاعدة بيانات واسعة.

 

وعليه لا يكفي استيراد تجربة دبي إلى القاهرة الجديدة كما هي، فاختلاف الدخول وأنماط الحركة وكثافة الشوارع والنقل العام يفرض تصميمًا محليًا، وإلا تحولت التكنولوجيا إلى نسخة مكلفة لا تستجيب لأولويات المدينة المصرية وسكانها.

 

ومن هنا تصبح الشفافية التقنية جزءًا من الحوكمة، بما يشمل نشر أسس احتساب الرسوم وضوابط استخدام البيانات ومستويات الخدمة ومؤشرات الأعطال والاستجابة للشكاوى، حتى لا تتحول كلمة ذكية إلى غطاء تجاري يصعب على المواطن مساءلته.

 

الاستثمار أم نقل السيطرة

 

وفي تقييم سابق للاستثمار الأجنبي، وضع الخبير الاقتصادي هاني توفيق معيارًا مهمًا يفرق بين ضخ أموال جديدة تزيد الطاقة الإنتاجية وتخلق فرص عمل مستدامة وبين مجرد نقل ملكية أصول قائمة، وهو تمييز ضروري عند مناقشة أي توسع أجنبي.

 

وفي حالة باركن، لا تعني المذكرة المعلنة حتى الآن بيع أصول مصرية للشركة، لكن غياب تفاصيل التمويل والتشغيل يجعل من المبكر وصف الخطوة بأنها استثمار مباشر كبير، لأن المطلوب معرفة الأموال الجديدة والأصول المنشأة وفرص العمل والعائد المحلي.

 

ومع ذلك، تكشف الخطوة عن اتجاه أوسع في إدارة الاقتصاد، حيث يجري تقديم المستثمر الأجنبي بوصفه حلًا سريعًا لتوفير التمويل والخبرة، بينما تتراجع مساحة النقاش العام حول البدائل المحلية وشروط التعاقد وحدود السيطرة على الخدمات الأساسية.

 

أخيرًا، تحتاج الحكومة إلى نشر الاتفاقات النهائية قبل بدء التشغيل، لأن التوسع الإماراتي في قطاعات متعددة يجعل كل عقد جديد جزءًا من صورة أكبر تتعلق بتوزيع النفوذ الاقتصادي، وليس مجرد صفقة فنية لتحسين أماكن انتظار السيارات.

 

وفي المحصلة، يمكن أن تقدم باركن خبرة تقنية حقيقية لمشكلة مزمنة، لكن قيمة المشروع ستقاس بمدى احتفاظ الدولة بقرار التسعير والرقابة والبيانات والعائد، وبقدرتها على منع تحول خدمة عامة إلى مساحة ربح مغلقة أمام المساءلة.