لم يكن فقدان البصر نهاية الطريق بالنسبة إلى الشاب المصري مارك مراد، بل تحول مع مرور الوقت إلى دافع لتطوير أداة تكنولوجية تساعد المكفوفين على التعامل مع العالم من حولهم بصورة أكثر استقلالية. فبعد تجربة شخصية قاسية عاشها مع شقيقته كارين، قرر مارك أن يبحث عن حل للمشكلات اليومية التي واجهتهما، مستعينًا بالبرمجة والذكاء الاصطناعي، حتى نجح في تطوير تطبيق أصبح يستخدمه آلاف الأشخاص في عشرات الدول.
القصة بدأت من معاناة أسرية لم تكن الأسرة تعرف في بدايتها كيف ستتعامل معها. ففي عام 2018، بدأ مارك يعاني مشكلات متزايدة في الرؤية، وأجرى سلسلة من الفحوصات داخل مصر وخارجها، لكن الأطباء لم يتمكنوا من الوصول إلى تشخيص قاطع في ذلك الوقت. كل ما عرفته الأسرة أن هناك حالة نادرة ومستعصية تصيب العصب البصري، وأنها قد تؤدي في النهاية إلى فقدان البصر، من دون أن يكون واضحًا متى سيحدث ذلك.
وبمرور السنوات، لم يعد الأمر مجرد احتمال طبي، وإنما أصبح واقعًا. وبحلول أواخر عام 2021، كان مارك وشقيقته كارين قد فقدا بصرهما تمامًا، لكن رحلة كل منهما نحو فقدان الرؤية كانت مختلفة؛ إذ تدهورت حالة كارين خلال نحو ستة أشهر، بينما استغرقت حالة مارك قرابة ثلاث سنوات.
صدمة داخل الأسرة
كانت الصدمة كبيرة بالنسبة إلى الأسرة، خصوصًا والدتهما ماريان موريس، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد لم تكن مستعدة له. فقد أصبح عليها أن تتعامل مع احتياجات طفلين فقدا بصرهما، في الوقت الذي كان فيه مستقبل الدراسة والعمل والحياة اليومية يبدو غامضًا.
وتروي الأسرة أن الأم كانت تعاني صعوبة في تقبل ما حدث، وكانت تخرج من المنزل بحجة قضاء بعض الحاجات حتى تتمكن من البكاء بعيدًا عن أبنائها، قبل أن تعود إلى منزل الأسرة في منطقة المنيل بالقاهرة.
لكن التحديات لم تتوقف عند الجانب النفسي، إذ سرعان ما ظهرت مشكلات أخرى تتعلق بالتعليم والحياة اليومية، خاصة بالنسبة إلى مارك الذي كان لا يزال في مرحلة الدراسة.
الدراسة تكشف مشكلة التكنولوجيا
واجه مارك صعوبات كبيرة في دراسة مواد مثل الفيزياء والكيمياء، بعدما اكتشف أن تطبيقات قراءة الشاشة التي يعتمد عليها المكفوفون لم تكن قادرة دائمًا على التعامل مع المحتوى البصري المعقد.
فالتطبيقات كانت تستطيع قراءة النصوص، لكنها كانت تتعثر عندما يتعلق الأمر بالرسوم البيانية والجداول والمعادلات والصور، وهي عناصر أساسية في العديد من المواد الدراسية.
أمام هذه المشكلة، حاول مارك التواصل مع مطوري تطبيقات خارج مصر، ممن يعملون على حلول تكنولوجية مشابهة، على أمل أن يجد أداة تساعده على تجاوز هذه العقبات. لكن محاولاته لم تلق استجابة، وهو ما دفعه إلى التفكير في تطوير الحل بنفسه.
من مستخدم للتكنولوجيا إلى مبرمج
لم يكن مارك في البداية مبرمجًا محترفًا، لكنه بدأ في تعلم البرمجة بنفسه من خلال الدروس التعليمية المتاحة على منصة يوتيوب، محاولًا تحويل المشكلة التي يعيشها إلى فكرة يمكن حلها باستخدام التكنولوجيا.
وبمرور الوقت، تطورت الفكرة من مجرد محاولة لمساعدة نفسه في قراءة المحتوى الدراسي إلى مشروع تكنولوجي يستهدف مساعدة المكفوفين على فهم البيئة المحيطة بهم والتفاعل معها.
وبحلول عام 2023، تمكن مارك من الوصول إلى تطبيق جاهز للعمل، ليبدأ بذلك فصل جديد في رحلته، لم يعد فيه مجرد شخص يحاول التكيف مع فقدان البصر، وإنما أصبح مطورًا يبحث عن حلول لمشكلات يواجهها ملايين الأشخاص من ذوي الإعاقة البصرية حول العالم.
«سكرايب مي».. عين رقمية للمكفوفين
حمل التطبيق اسم «سكرايب مي»، وصُمم خصيصًا لمساعدة المكفوفين وضعاف البصر على فهم الأشياء المحيطة بهم من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومع تطور المشروع، لم يعد التطبيق يقتصر على مسح المستندات وقراءتها، وإنما أصبح قادرًا على الإجابة عن أسئلة المستخدمين في الوقت الفعلي اعتمادًا على الصور التي تلتقطها كاميرا الهاتف.
وبذلك يستطيع المستخدم توجيه الكاميرا نحو شيء أو مكان أو مستند، ثم الحصول على وصف أو إجابة تساعده على معرفة ما يوجد أمامه.
ويعمل التطبيق بنحو 20 لغة، من بينها اللغة العربية، وهو ما اعتبره مارك جانبًا مهمًا في المشروع، خصوصًا مع وجود نقص في بعض الخدمات المشابهة التي لا توفر دعمًا واسعًا للغات المختلفة.
من الهاتف إلى النظارات الذكية
ومع توسع المشروع، انتقل «سكرايب مي» من الهواتف الذكية إلى مرحلة أكثر تطورًا من خلال دمجه في النظارات الذكية التي تنتجها شركة ميتا.
وتمنح هذه الخطوة المستخدمين المكفوفين قدرة أكبر على الاستفادة من التطبيق أثناء الحركة، إذ لم يعد المستخدم مضطرًا إلى الإمساك بالهاتف طوال الوقت وتوجيه الكاميرا بنفسه.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة بالنسبة إلى المكفوفين الذين يعتمدون على العصا البيضاء أثناء التنقل، لأن استخدام النظارات يتيح إبقاء اليدين حرتين، وهو ما يجعل التكنولوجيا جزءًا أكثر سلاسة من الحركة اليومية.
كارين.. تجربة حقيقية للتطبيق في كينيا
ربما كانت أبرز اللحظات في قصة التطبيق بالنسبة إلى الأسرة عندما استخدمته كارين خلال رحلة إلى كينيا في يونيو الماضي.
كانت كارين، التي فقدت بصرها قبل خمس سنوات، في رحلة سفاري عندما بدأت تستفيد من التطبيق المدعوم بالذكاء الاصطناعي والمستخدم من خلال النظارات الذكية.
وبدلاً من أن تظل الحيوانات والمناظر المحيطة بها مجرد أشياء لا تستطيع رؤيتها، بدأ التطبيق يصف لها ما يحدث من حولها بصورة مستمرة، موضحًا تفاصيل الحيوانات، والمسافات التي تفصلها عنها، وما تقوم به في اللحظة نفسها.
ولم يكن الأمر بالنسبة إلى كارين مجرد الحصول على معلومات، وإنما منحها وسيلة لبناء صورة ذهنية متكاملة للمشهد الذي تعيشه.
وتصف كارين تجربتها بأنها شعرت في تلك اللحظة وكأنها استعادت قدرتها على الرؤية، مؤكدة أن الأمر بدا لها في البداية وكأنه شيء مستحيل، قبل أن يتحول إلى تجربة حقيقية جعلتها تشعر بأنها «ترى» ما حولها من خلال الوصف الصوتي.
التكنولوجيا تساعد في تفاصيل الحياة اليومية
ولا تقتصر استفادة كارين من التطبيق على الرحلات أو التجارب الاستثنائية، وإنما تستخدمه في عدد كبير من تفاصيل حياتها اليومية.
فالتطبيق يساعدها في العثور على فصلها الدراسي، والتعرف على المتاجر، واختيار الملابس، إلى جانب الاستعانة به في الدراسة والتعامل مع المواد التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
وهذه الاستخدامات تعكس تحول الذكاء الاصطناعي من تقنية متخصصة إلى أداة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة عندما تكون التطبيقات مصممة انطلاقًا من احتياجات المستخدمين أنفسهم.
مسابقات التكنولوجيا فتحت باب التوسع
ساعدت مشاركة مارك في عدد من المسابقات والفعاليات التكنولوجية على تطوير المشروع والانتقال به إلى مرحلة أوسع.
ومن بين هذه المشاركات هاكاثون تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي للأدوات المساعدة في عام 2024، وهي مبادرة أطلقتها شركة فودافون مصر بهدف دعم تطوير أدوات تكنولوجية تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة.
وساهمت هذه التجربة في مساعدة مارك على جذب شريك مؤسس، كما وفرت للمشروع فرصة للتوسع وتطوير خدماته، بحيث أصبح التطبيق يتجاوز فكرته الأولى المتعلقة بمسح الوثائق وقراءتها.
ومع استمرار التطوير، أصبح «سكرايب مي» أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع المستخدم والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بما تلتقطه الكاميرا، وهو ما وسّع نطاق استخدامه بشكل كبير.
آلاف المستخدمين في 140 دولة
بحسب المعلومات المتاحة عن المشروع، يستخدم التطبيق حاليًا آلاف الأشخاص في نحو 140 دولة، في مؤشر على اتساع نطاق الفكرة التي بدأت من تجربة شخصية داخل أسرة مصرية واجهت فقدان البصر.
كما أصبح التطبيق متاحًا على هواتف آيفون والهواتف التي تعمل بنظام أندرويد، إلى جانب دمجه في النظارات الذكية.
وتتوافر الخدمة بصورة مجانية، مع وجود مزايا إضافية ضمن اشتراك مدفوع تبلغ قيمته 20 دولارًا شهريًا أو 200 دولار سنويًا.
وتعكس هذه الصيغة محاولة للجمع بين إتاحة الخدمة الأساسية أمام أكبر عدد ممكن من المستخدمين، وتوفير خدمات متقدمة لمن يحتاجون إلى إمكانات إضافية.
الذكاء الاصطناعي كوسيلة للاستقلال
تكمن أهمية تجربة مارك في أنها لا تقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تقنية حديثة، وإنما باعتباره وسيلة لمعالجة مشكلات واقعية يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية.
فالمكفوف الذي يحتاج إلى معرفة محتوى ورقة أو قراءة لافتة أو التعرف على مكان أو فهم صورة أو معرفة ما يحدث أمامه، يمكن أن يحصل على مساعدة فورية من خلال الهاتف أو النظارات الذكية.
ويعني ذلك أن التكنولوجيا يمكن أن تقلل اعتماد المكفوفين على الآخرين في العديد من التفاصيل اليومية، وتمنحهم قدرًا أكبر من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات بأنفسهم.
كما أن قدرة التطبيق على التعامل مع الصور والبيئة المحيطة تفتح مجالات أوسع من مجرد قراءة النصوص، خصوصًا في التعليم والعمل والتنقل والتسوق والسفر.
قصة بدأت بالخوف وانتهت بالأمل
بالنسبة إلى أسرة مارك وكارين، لم تكن رحلة تطوير التطبيق منفصلة عن التجربة التي عاشوها، بل جاءت في قلب الأزمة نفسها.
ففي البداية، كانت الأسرة تواجه مستقبلًا مجهولًا، بعدما فقد طفلان بصرهما في سنوات قليلة، بينما كانت الأم تحاول استيعاب الصدمة والتعامل مع التغيرات الجديدة.
لكن مارك قرر أن يحول واحدة من أصعب التجارب التي واجهها إلى دافع للتعلم والعمل، فانتقل من البحث عن تطبيق يساعده إلى تعلم البرمجة بنفسه، ثم تطوير تطبيق يخدم أشخاصًا آخرين يواجهون المشكلة ذاتها.
وبعد سنوات قليلة، أصبح المشروع يستخدم في عشرات الدول، ووصل إلى النظارات الذكية، وأصبح قادرًا على تقديم وصف فوري للمستخدمين للمشاهد المحيطة بهم.
«بطلنا نقول مستحيل»
ويختصر والد مارك، مراد صدقي، التحول الذي شهدته الأسرة خلال السنوات الماضية، موضحًا أن ما وصل إليه أبناؤه اليوم كان يبدو قبل سنوات أمرًا يصعب تصديقه.
ويقول إن أحدًا لو أخبره قبل أربع سنوات بأن ابنه وابنته سيصلان إلى ما هما عليه الآن، ربما لم يكن ليصدق ذلك، لكن تطور الأحداث جعل الأسرة تعيد النظر في مفهوم المستحيل.
وبالنسبة إلى مارك وكارين، لم يعد فقدان البصر يعني فقدان القدرة على التعلم أو العمل أو اكتشاف العالم، بل أصبح جزءًا من رحلة قادتهما إلى تجربة جديدة تجمع بين التحدي الشخصي والابتكار التكنولوجي.
وهكذا تحولت معاناة شاب مصري كفيف من عقبة في حياته إلى مشروع تقني يتجاوز حدود تجربته الشخصية، ليقدم للمكفوفين وسيلة جديدة للتعرف على العالم من حولهم، بينما يثبت في الوقت نفسه أن التكنولوجيا، عندما تنطلق من احتياجات حقيقية، يمكن أن تتحول من مجرد أدوات إلى وسيلة تمنح أصحابها مزيدًا من الاستقلال والأمل.

