مع دخول الجيل زد إلى سوق العمل بوصفه أحدث الأجيال العاملة، ارتبط اسمه على نحو متزايد بـالاحتراق الوظيفي. ويرى البعض في ذلك دليلًا على أن هذا الجيل «لا يتحمل العمل»، لكن تفسيرًا آخر قد يكون أكثر دقة. فقد نشأ جيل كامل في ظل عدم استقرار اقتصادي، واضطرابات اجتماعية، وجائحة عالمية، وانتقال غير مسبوق إلى عالم العمل عن بُعد. وقد يقول الاحتراق الوظيفي لدى الجيل زد الكثير عن البيئة التي ورثها، أكثر مما يقول عن شخصيته.


جيل زد نشأ في عالم جعل عدم اليقين أمرًا طبيعيًا


يتشكل كل جيل بفعل أحداث تاريخية مؤثرة، ولا يختلف الجيل زد عن ذلك. فقد غيّرت جائحة كوفيد-19 مرحلة المراهقة وبدايات مرحلة البلوغ وتوقعات العمل. وتعلم أفراد هذا الجيل، على نحو خاص، التعاون عبر غرف الاجتماعات الافتراضية، وإجراء مقابلات العمل عبر Google Meet، وبدء مساراتهم المهنية عبر الإنترنت.


وبعيدًا عن الجائحة، نشأ الجيل زد أيضًا وسط تصاعد الاستقطاب السياسي وتغير المناخ، ما عزز بيئة أضحى فيها عدم اليقين جزءًا طبيعيًا من الحياة.


وقد تركت هذه التجارب أثرًا واضحًا. ووفقًا لنظرية الأجيال التي طرحها كارل مانهايم، تشكل الأحداث التي يعيشها الأشخاص خلال سنوات بلوغهم قيمهم وتوقعاتهم التي يحملونها إلى مرحلة الرشد. ووجد هاراري وزملاؤه عام 2023 أنه رغم تسجيل أفراد الجيل زد مستويات أقل من المرونة النفسية خلال الجائحة، أظهروا في المقابل انفتاحًا أكبر على التغيير، وهو أحد أقوى العوامل التي تتنبأ بالقدرة على التكيف.


وانعكس هذا الانفتاح نفسه على تفضيلاتهم بشأن التعليم والتدريب في بيئة العمل، إذ أظهروا ميلًا أكبر إلى أنماط التعلم الهجين والتدريب المهني المرن. ويشير ذلك إلى أن البيئات التي نشأوا فيها ما زالت تؤثر في توقعاتهم من العمل حتى اليوم.


كما أصبح الجيل زد أكثر صراحة في الحديث عن الصحة النفسية والاحتراق الوظيفي، وهو ما غيّر طريقة التعرف إلى هذه المشكلة. ومع تراجع الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، أصبح الأشخاص أكثر استعدادًا لوصف الإرهاق والتوتر والقلق بأنه «احتراق وظيفي» بدلًا من اعتباره علامة على الضعف.


وبالمقارنة مع جيل إكس وجيل الألفية، يسجل الجيل زد مستويات أقل من الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، بما يعكس مواقف أكثر تقبلًا تجاه تحديات الصحة النفسية.


لماذا يرفض الجيل زد اعتبار الإرهاق ثمنًا للنجاح؟


تؤثر هذه التحولات أيضًا في الطريقة التي يتعامل بها الجيل زد مع بيئة العمل. فقد أظهرت مراجعة بحثية تناولت الفروق بين الأجيال في مستويات الاحتراق الوظيفي أن أفراد الجيل زد يقدرون بدرجة أكبر الأمان النفسي، والتوازن بين العمل والحياة، والإرشاد المهني المنظم، والتواصل الشفاف.


ولا يبدو أفراد هذا الجيل مستعدين بالقدر نفسه لقبول العمل المفرط بصورة مزمنة باعتباره ثمنًا طبيعيًا للنجاح المهني. وفي المقابل، اعتادت بعض ثقافات العمل القديمة التعامل مع ساعات العمل الطويلة والتضحية بالحياة الشخصية باعتبارهما دليلًا على التفاني المهني، ما قد يجعل مطالب الجيل زد بالمرونة تبدو للبعض مؤشرًا على قلة الحافز أو حتى الاستحقاقية.


لكن الأبحاث تشير إلى أن الجيل زد ليس أقل حماسًا للعمل. بل يتحدى أفراده الافتراض القائل إن الإفراط المزمن في العمل يمثل معيارًا للالتزام.


ووفقًا لنموذج متطلبات العمل والموارد، الذي استند إليه تشن وزملاؤه عام 2023، يزداد احتمال الإصابة بالاحتراق الوظيفي عندما تتجاوز متطلبات العمل المستمرة الموارد المتاحة للعاملين.


بمعنى آخر، لا ينشأ الاحتراق الوظيفي ببساطة من عدم القدرة على تحمل الضغوط، بل قد يظهر عندما تتجاوز متطلبات بيئة العمل باستمرار مستوى الدعم والمرونة والموارد التي يحصل عليها الموظفون.


ووجد الباحثون أن احتراق موظفي الجيل زد يرتبط بعبء العمل المفرط، وساعات العمل الطويلة، ومحدودية الدعم المؤسسي. ويقدم نظام «996» مثالًا متطرفًا على ذلك، إذ يعمل الموظف من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً، ستة أيام أسبوعيًا. ويؤدي هذا النوع من العمل المفرط المزمن إلى زيادة الاحتراق الوظيفي والمساهمة في ارتفاع الضغوط النفسية.


ولا شك في أهمية استراتيجيات التعامل الفردية، مثل اليقظة الذهنية، ووضع الحدود الصحية، وإدارة التوتر، لكنها لا تستطيع أن تحل محل بيئات العمل الصحية القادرة على مواجهة أسباب الاحتراق الوظيفي.


ويمكن للمؤسسات الحد من الاحتراق الوظيفي عبر معالجة أسبابه بدلًا من مطالبة الموظفين بالتكيف معه. وتفيد المرونة، والقيادة الصحية، والتواصل الشفاف، والأمان النفسي، وأعباء العمل القابلة للإدارة جميع الموظفين، وليس أفراد الجيل زد وحدهم.


الجيل زد لا يريد عملًا أقل.. بل مسارات مهنية أكثر استدامة


يمكن للأبحاث أن ترصد الأنماط المرتبطة بالأجيال، لكنها لا تستطيع دائمًا التعبير عن الكيفية التي يشعر بها الأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب. لذلك طلب الباحثون من عدد من طلاب الجامعات المنتمين إلى الجيل زد وصف تجاربهم، مع استخدام الأحرف الأولى من أسمائهم لحماية هوياتهم.

 

وعندما سُئل أحد المشاركين عن أبرز التصورات الخاطئة حول الجيل زد في بيئة العمل، قال إن الناس يعتقدون أن هذا الجيل لا يريد العمل، مؤكدًا أن الحقيقة مختلفة. فهو يريد مسارات مهنية ذات معنى وقابلة للاستمرار، كما أنه أقل استعدادًا لقبول الاحتراق الوظيفي باعتباره جزءًا طبيعيًا من النجاح. وقد يبدو ذلك للبعض نقصًا في الالتزام، لكنه في الواقع يعكس تعريفًا مختلفًا لماهية المسار المهني الصحي.


وفي حديثه عن الأشياء التي يتمنى أن تفهمها الأجيال الأكبر سنًا بشأن الاحتراق الوظيفي، أشار مشارك آخر إلى أن أفراد الجيل زد يدخلون سوق العمل بعد قضاء ما بين 12 و16 عامًا أو أكثر في الدراسة. فالمدرسة تعلم الطلاب استيعاب المعلومات، بينما يتوقع منهم العمل إنتاج النتائج.


ويحاول أفراد الجيل زد أيضًا اعتماد استراتيجيات عملية لتجنب الاحتراق الوظيفي. فيركز أحد المشاركين على ترتيب المهام وفق أهميتها والوقت الذي تحتاج إليه، ويستخدم جدولًا زمنيًا لتجنب تحميل نفسه أكثر مما يستطيع، كما يضع حدودًا واضحة بين العمل والحياة الشخصية عبر تحديد أوقات تواصله وإتاحة الوقت لنفسه لاستعادة طاقته.


ويعمل مشارك آخر في شركة ناشئة تداخلت فيها حدود العمل والحياة الشخصية، فأصبحت ساعات العمل أشبه بـ«اقتراحات» بدلًا من كونها مواعيد محددة، مع وجود توقع ضمني بأن يكرس الموظفون أكبر قدر ممكن من وقتهم لتحقيق أهداف الشركة. ولمواجهة ذلك، يستفيد من مرونة العمل في الشركة، ويحرص على الخروج في نزهات قصيرة، والابتعاد عن المكتب، والحفاظ على تواصله الاجتماعي حتى خلال أيام الأسبوع.


وتدعم تجارب هؤلاء الطلاب ما تظهره الأبحاث حول الاحتراق الوظيفي. فالجيل زد لا يطلب عملًا أقل، بل يريد مسارات مهنية مستدامة.


وقد شكّل ما عاشه هذا الجيل من اضطرابات غير معتادة وحالة مستمرة من عدم اليقين توقعاته وفهمه لما يحتاج إليه لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل في بيئة العمل.


وبدلًا من رفض هذه الرؤية أو التقليل منها، تملك جهات العمل فرصة للتكيف والتعلم منها. وإذا كان الجيل زد يشكك في قواعد العمل التقليدية، فقد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان هذا الجيل بحاجة إلى التغيير، بل ما إذا كانت بيئة العمل مستعدة أخيرًا للتطور بالتوازي معه.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-now/202608/gen-z-burnout-is-a-workplace-story-not-a-character-flaw