قاسم قصير
باحث وكاتب سياسيي من لبنان
بعد حوالي الشهر وثلاثة أسابيع تقريبا يكون قد مضت ثلاث سنوات على معركة طوفان الأقصى (السابع من أكتوبر)، وخلال هذه الفترة الصعبة شهدت المنطقة معارك كبرى في فلسطين وإيران ولبنان واليمن وتغيير سياسي ضخم في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، ولا تزال التفاعلات مستمرة إلى اليوم سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا. فالحروب لم تنته ولا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، والواقع الإقليمي يشهد متغيرات مهمة من خلال بروز أحلاف جديدة وأبرزها حلف مكة الجديد الذي جمع تركيا وباكستان والسعودية ويمكن أن تنضم إليه دول أخرى، ونحن على أبواب انتخابات غير تقليدية في الكيان الصهيوني وفي أمريكا قد تحمل مؤشرات مهمة على مستقبل الأوضاع في هذين البلدين، وبدأنا نشهد بعض المتغيرات في الواقع السياسي الدولي.
فأين نحن اليوم بعد مرور السنوات الثلاث؟ وإلى أين تتجه الأوضاع على مختلف الجبهات؟ وأي دور لقوى المقاومة في المرحلة المقبلة في مواجهة المتغيرات والتحديات الجديدة؟
رغم قسوة الحروب التي شنها العدو الإسرائيلي والأمريكي على قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وعلى إيران واليمن خلال السنوات الثلاث الماضية، ورغم أن هذه الحروب لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة، فإن المشروع الإسرائيلي- الأمريكي بإنهاء قوى المقاومة وتهجير الشعب الفلسطيني وإقامة الشرق الأوسط الجديد والذهاب لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى؛ لم يتحقق، فرغم الإنجازات العسكرية والأمنية التي حققتها أمريكا وإسرائيل باستهداف قادة المقاومة وقادة إيران، ورغم نجاح العدو الإسرائيلي بالتمدد في قطاع غزة وتدمير قسم كبير من القطاع واحتلال قسم من جنوب لبنان وتدميره والتمدد في جنوب سوريا، فإن قوى المقاومة لا تزال حاضرة في لبنان وفلسطين، والنظام الإيراني نجح في استيعاب الضربات القاسية التي تعرض لها وهو يهدد اليوم بالانطلاق من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم في مواجهة القوات الأمريكية. والتغيير الذي حصل في سوريا لم يكن لصالح العدو الإسرائيلي كما كان يشتهي البعض، بل تحولت سوريا إلى ساحة صراع جديدة بين المشروع الإسرائيلي والمشروع التركي، وأصبح الإسرائيليون ينظرون بقلق إلى تنامي الدور التركي في كل المنطقة.
فأين هي نقاط القوة ونقاط الضعف اليوم في مشروع المقاومة؟ وهل يمكن أن يكون تفاهم أو حلف مكة مدخلا لنظام إقليمي جديد في مواجهة المشروع الإسرائيلي بدلا من أن يكون سببا لصراعات جديدة في المنطقة تخدم المشروع الإسرائيلي- الأمريكي؟
عن نقاط القوة والضعف ودور المقاومة اليوم
خلال السنوات الثلاث الماضية وبعد معركة طوفان الأقصى التي زلزلت الكيان الصهيوني والمنطقة والعالم، واجهت قوى المقاومة حربا قاسية لا تزال مستمرة إلى اليوم في فلسطين ولبنان، وخلال هذه الحرب القاسية خسرت المقاومة عددا كبيرا من قادتها وكوادرها، وتراجعت قدرتها الصاروخية وفقدت قوة الردع التي نجحت في بنائها على مدار عشرين سنة تقريبا في قطاع غزة وجنوب لبنان، والأخطر أن العدو الصهيوني نجح في احتلال وتدمير قسم كبير من قطاع غزة وجنوب لبنان. وكان الهدف الأكبر كي وعي بيئة المقاومة من خلال تحميل المقاومة مسؤولية ما جرى، كي لا يعود الناس إلى تبني خيار المقاومة عبر جعل كلفة المقاومة كبيرة جدا.
لكن رغم هذه النتائج القاسية على المقاومة وبيئتها، فإن ما يمكن قوله اليوم أن خيار المقاومة لا يزال حاضرا بقوة في لبنان وفلسطين، وأن توسع الاحتلال في البلدين لم يؤد إلى نهاية المقاومة بل زيادة القناعة بأن لا بديل عنها في الأفق المنظور؛ في ظل فشل المفاوضات السياسية بين لبنان والكيان الصهيوني، وسقوط اتفاقية أوسلو عمليا في فلسطين على ضوء ما يقوم به العدو الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة.
وفي مقابل الخسارات المادية والعدد الكبير من الشهداء والجرحى والتضحيات الكبيرة في غزة ولبنان، فقد تحولت القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني إلى إحدى إهم القضايا الإنسانية والسياسية والشعبية على الصعيد الدولي، وبدأنا نشهد تأثير ذلك في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية في العديد من الدول. وفي المنطقة نحن أمام متغيرات كبرى من خلال دخول إيران واليمن في الصراع المباشر مع العدو الإسرائيلي، وفي ظل بروز تطورات إقليمية ودولية جديدة بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
وفي خلاصة المشهد فإن ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية جعل القضية الفلسطينية أمام تحديات جديدة، وهذا يفرض على قوى المقاومة قراءة كل المتغيرات ووضع استراتيجية جديدة للمرحلة المقبلة، عبر الاستفادة من كل المتغيرات وتحويل ما جرى إلى فرصة لإعادة تجميع كل القوى والدول المتضررة من المشروع الإسرائيلي- الأمريكي، وهذا يتطلب وقف الصراعات الداخلية أو البينية وخصوصا في اليمن، وفتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا، وبين كل القوى والحركات الإسلامية والقومية واليسارية والعلمانية، وتحويل حلف أو تفاهم مكة الجديد إلى حلف إقليمي واسع يجمع الدول العربية والإسلامية ويحقق التكامل فيما بينها، بدل أن يكون سببا لصراعات مذهبية أو قومية جديدة. ولا بد من العودة إلى الحوار التركي- الإيراني- العربي، والاستفادة من الدور الباكستاني الجديد وتراجع الرهان على القوة الأمريكية أو اتفاقات أبراهام والتطبيع مع الكيان الصهيوني.
خلال السنوات الثلاث الماضية خسرنا الكثير من القيادات وقدمنا عشرات آلاف الشهداء في فلسطين ولبنان واليمن وإيران وسوريا، وتعرضت بلادنا للتدمير والاحتلال، لكن الأهم أن عقولنا لم تتعرض للاحتلال وأن شعبنا أصبح أكثر وعيا بمخاطر هذا المشروع الإسرائيلي- الأمريكي. والمهمة اليوم هي كيف نقدم رؤية جديدة للصراع تستفيد من أخطاء الماضي ونجري مراجعات حقيقية لكل ما جرى، ونعيد بناء القوة القادرة على مواجهة هذا المشروع الاستعماري والإحلالي.
فهل نستطيع تحمل هذه المهمة الصعبة؟
يقول الله عز وجل: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" (الأحزاب: 72). صدق الله العظيم.

