تصاعدت أزمة عمال شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بمحافظة الإسكندرية، في أعقاب رد مديرية العمل بالمحافظة على الشكاوى الجماعية التي تقدم بها عدد من العاملين احتجاجًا على قرار إدارة الشركة وقف تشغيل الأقسام الإنتاجية وإغلاق أبواب المصنع أمامهم، إذ اعتبر العمال أن الرد لم يقدم إجابات حاسمة بشأن حقوقهم المالية خلال فترة توقف العمل، كما أعاد، بحسب شهاداتهم، طرح وجهة نظر إدارة الشركة في ملف العلاوة الخاصة وبدل غلاء المعيشة.

 

وقال أربعة من عمال الشركة، تحدثوا دون الكشف عن أسمائهم، إن الرد الذي تسلمه ممثل عن العمال لم يتضمن معالجة واضحة لجميع النقاط التي وردت في الشكاوى، مشيرين إلى أن بعض بنوده اكتفت بإعادة عرض ما سبق أن أعلنته إدارة الشركة بشأن العلاوات، من دون بيان موقف واضح من قانونية الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، ولا سيما قرار وقف التشغيل، وما يترتب عليه من آثار على أجور العاملين.

 

واعتبر أحد العمال أن رد المديرية "تحدث بلسان الشركة" في أجزاء منه، موضحًا أن العمال كانوا ينتظرون موقفًا أكثر وضوحًا من الجهة المختصة بشؤون العمل، خصوصًا فيما يتعلق بقرار إغلاق الشركة، ومدى أحقية العمال في الحصول على أجورهم كاملة خلال الفترة التي مُنعوا فيها من دخول أماكن العمل رغم استعدادهم للحضور وممارسة عملهم.

 

إغلاق الشركة لأجل غير مسمى


وتعود بداية الأزمة الحالية إلى السادس من أغسطس الجاري، عندما قررت إدارة شركة مصر العامرية للغزل والنسيج وقف تشغيل الأقسام الإنتاجية في الشركة "لأجل غير مسمى"، مبررة القرار بالحاجة إلى تنفيذ أعمال صيانة وإجراء جرد للمخازن.

 

وبالتزامن مع القرار، أُغلقت أبواب الشركة أمام العمال، في وقت كان فيه عدد من العاملين قد دخلوا في إضراب احتجاجًا على طريقة احتساب العلاوة الخاصة، وهو ما دفع العمال إلى الربط بين قرار وقف التشغيل والاحتجاجات العمالية التي شهدتها الشركة خلال الفترة السابقة.

 

ويرى عمال تحدثوا في وقت سابق أن قرار إغلاق الشركة جاء في سياق الضغط عليهم لإنهاء الإضراب، خاصة بعدما استمر الخلاف بينهم وبين الإدارة حول طريقة احتساب العلاوة الخاصة، بينما تتمسك الإدارة، وفق ما ورد في الشكاوى وشهادات العمال، باحتسابها بنسبة 12% من الأجر الأساسي، في حين يطالب العمال باحتسابها على أساس الأجر التأميني.

 

وبعد قرار الإغلاق، تقدم عدد من العاملين بشكاوي جماعية إلى مكتب العمل بالهانوفيل ومديرية العمل بسموحة، تضمنت اعتراضات على وقف تشغيل المصانع، إضافة إلى شكاوى تتعلق بعدم توفير وسائل نقل العمال في المواعيد والمحطات المحددة، رغم التزامهم بالحضور إلى أماكن العمل.

 

كما حرر العمال محاضر إثبات حالة بقسم شرطة العامرية، في محاولة لإثبات موقفهم من الأزمة وتأكيد استعدادهم للحضور إلى العمل وعدم امتناعهم عن أداء مهامهم.

 

العمال: أين حقوقنا خلال فترة الغلق؟


كان ملف الأجور خلال فترة توقف التشغيل في مقدمة النقاط التي أثارت اعتراض العمال على رد مديرية العمل.

 

وقال أحد العمال إن المديرية أشارت إلى استحقاق العاملين رواتبهم التي يقرها القانون كاملة عن فترة وقف التشغيل، استنادًا إلى كتاب صادر عن مديرية العمل بالإسكندرية بتاريخ العاشر من أغسطس/آب الجاري، إلا أن العمال لم يطلعوا على الكتاب الذي استند إليه الرد.

 

وبحسب العامل، فإن الإشارة إلى استحقاق الأجور لم تكن كافية بالنسبة لهم، إذ كانوا ينتظرون من المديرية تحديد الطبيعة القانونية لقرار وقف التشغيل، وما إذا كان توقف العمل قد جاء نتيجة ظرف قهري خارج عن إرادة الشركة أم نتيجة قرار إداري اتخذته الإدارة بإرادتها.

 

وأضاف أن العمال يريدون موقفًا صريحًا يحدد ما إذا كان بإمكان الإدارة خصم أي مبالغ من أجورهم خلال فترة الإغلاق، مؤكدًا أن العاملين، من وجهة نظرهم، لم يتوقفوا عن العمل بإرادتهم، وإنما وجدوا أبواب الشركة مغلقة أمامهم.

 

ويرى العمال أن هذه النقطة أساسية في النزاع، لأن الخلاف لا يتعلق فقط بموعد عودة التشغيل، وإنما يمتد إلى الآثار المالية المترتبة على قرار الإغلاق، خصوصًا بالنسبة لعمال يعتمدون على أجورهم الشهرية في تلبية احتياجاتهم الأساسية.

 

مستشار قانوني: الأجر مستحق دون انتقاص


وفي وقت سابق، أكد المستشار القانوني لدار الخدمات النقابية والعمالية، أشرف الشربيني، في تصريحات لـ"المنصة"، أن عمال مصر العامرية للغزل والنسيج يستحقون رواتبهم كاملة خلال فترة وقف التشغيل، معتبرًا أن السبب الذي أعلنت عنه الشركة لإغلاقها، والمتمثل في أعمال الصيانة والجرد، لا يمثل بالضرورة ظرفًا قهريًا خارجًا عن إرادة صاحب العمل.

 

وبحسب رؤيته القانونية التي نقلتها "المنصة"، فإن صيغة قرار الإغلاق وتزامنه مع الإضراب العمالي يثيران تساؤلات حول دوافع القرار، وما إذا كان الهدف منه الضغط على العمال بسبب استمرار احتجاجهم.


وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل إصرار العمال على أنهم كانوا على استعداد لمباشرة عملهم، وأن توقفهم لم يكن اختيارًا شخصيًا منهم، وإنما جاء بعد منعهم من دخول الشركة.

 

أزمة العلاوة تعود إلى الواجهة


إلى جانب أزمة الأجور، يمثل ملف العلاوة الخاصة محورًا رئيسيًا في الخلاف بين عمال العامرية للغزل وإدارة الشركة.

 

وقالت مديرية العمل، في ردها على الشكاوى، إن الشركة صرفت العلاوة الدورية المقررة طبقًا للقانون بنسبة 3% من الأجر التأميني، وبحد أدنى 250 جنيهًا، اعتبارًا من يناير الثاني 2026.

 

وأوضحت المديرية، بحسب الرد، أن الشركة قررت، "حرصًا على تحقيق المساواة بين العاملين بقطاع الغزل"، صرف علاوة إضافية بنسبة 12% من الأجر الأساسي اعتبارًا من يوليو 2026، على أن يتم ضم 7% منها إلى الأجر الأساسي.

 

غير أن هذا التفسير لم يقنع العمال، الذين يرون أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمجرد حصولهم على نسبة إضافية، وإنما بالأساس الذي تُحتسب عليه العلاوة.

 

وقال عامل ثانٍ إن ما جاء في رد المديرية بشأن العلاوة لم يقدم جديدًا بالنسبة لهم، معتبرًا أنه مجرد تكرار لما سبق أن أعلنته إدارة الشركة.

 

وأضاف أن العمال كانوا ينتظرون من المديرية أن تفحص اعتراضهم على طريقة احتساب العلاوة، بدلًا من الاكتفاء بعرض الإجراءات التي اتخذتها الإدارة.

 

ماذا يقول القانون بشأن العلاوة؟

 


ويستند العمال في اعتراضهم إلى القانون رقم 75 لسنة 2026، الذي أشاروا إلى أنه ينظم العلاوة الخاصة للعاملين، ويحدد طريقة احتسابها وضمها إلى الأجر الأساسي.

 

ووفق النص الذي استند إليه العمال، ينص القانون، بالنسبة للعاملين بالدولة من غير المخاطبين بأحكام قانون الخدمة المدنية، على منح علاوة خاصة بنسبة 15% من الأجر الأساسي، بحد أدنى 150 جنيهًا شهريًا، مع اعتبار هذه العلاوة جزءًا من الأجر الأساسي للعامل.

 

كما يتضمن القانون تنظيمًا يتعلق بالعاملين في شركات القطاعين العام والخاص، بحيث تحسب العلاوة الخاصة وفق الفرق بين النسبة المحددة في القانون والنسبة التي تحسب على أساسها العلاوة الدورية السنوية، مع ضم قيمة العلاوة الخاصة إلى الأجر الأساسي لكل عامل.

 

ويتمسك العمال بقراءة مختلفة لطريقة تطبيق هذه النصوص عن تلك التي تعتمدها إدارة الشركة، وهو ما جعل الخلاف حول العلاوة يتحول إلى نزاع متكرر بين الطرفين، ويدفع العمال في كل مرة إلى الاحتجاج للمطالبة بما يرونه حقًا قانونيًا لهم.

 

علاوة غلاء المعيشة.. ملف آخر للخلاف


ولم يتوقف اعتراض العمال على العلاوة الخاصة، إذ امتد إلى ما ورد في رد مديرية العمل بشأن علاوة غلاء المعيشة، التي تبلغ قيمتها 750 جنيهًا.

 

وانتقد عامل رابع ما اعتبره تمييزًا في التعامل مع عمال الشركة، قائلًا إن رد المديرية أشار إلى أن العاملين في الشركة ليسوا من المخاطبين بالقرار الخاص بعلاوة غلاء المعيشة.

 

وتساءل العامل عن سبب عدم استفادتهم من العلاوة، في الوقت الذي سبق أن حصل فيه عمال الشركة على علاوة غلاء معيشة في مناسبتين، وفق شهادته، فضلًا عن حصول عمال في شركات أخرى بقطاع الغزل والنسيج على العلاوة.

 

ويعكس هذا الاعتراض جانبًا آخر من الأزمة، إذ لا يقتصر النزاع على قيمة الزيادة التي يحصل عليها العامل، وإنما يتعلق أيضًا بتفسير القرارات والقوانين المنظمة للأجور ومدى انطباقها على العاملين في الشركات المختلفة.

 

من الإضراب إلى إغلاق الشركة


وقبل قرار وقف التشغيل، كان عمال مصر العامرية للغزل والنسيج قد دخلوا في إضراب عن العمل نهاية يوليو/تموز الماضي، احتجاجًا على طريقة احتساب العلاوة الخاصة.

 

وبحسب شهادات العمال، جاء الإضراب بعدما احتسبت الإدارة العلاوة بنسبة 12% من الأجر الأساسي، بدلًا من الأجر التأميني، وهو ما اعتبره العمال مخالفًا لما سبق أن تعهد به الرئيس التنفيذي للشركة، محمد عبد السلام، بشأن احتساب العلاوة على الأجر التأميني وضم 7% منها إلى الأجر الأساسي.

 

ومع استمرار الإضراب، تصاعدت حدة التوتر بين العمال والإدارة، قبل أن يصدر قرار وقف التشغيل وإغلاق أبواب الشركة في السادس من أغسطس.

 

ويرى العمال أن التسلسل الزمني للأحداث يمثل مؤشرًا مهمًا لفهم خلفية القرار، بينما تقول الشركة، بحسب ما ورد في القرار، إن الإغلاق مرتبط بأعمال الصيانة والجرد.

 

شهادات عن تهديدات خلال الإضراب


وتتضمن روايات العمال عن فترة الإضراب اتهامات بتعرض بعضهم لضغوط وتهديدات من أجل إنهاء الاحتجاج.

 

وقال عمال في شهادات سابقة إنهم تلقوا تهديدات بإبلاغ الأمن الوطني عنهم إذا لم ينهوا الإضراب، كما أشاروا إلى أن عددًا من المديرين نقلوا إليهم تهديدات بإغلاق الشركة في حال استمرار الاحتجاج.

 

ويرى العمال أن قرار الإغلاق الذي صدر لاحقًا جاء متسقًا مع تلك التهديدات، وهو ما يفسر، من وجهة نظرهم، سبب اعتراضهم على اعتبار توقف التشغيل إجراءً عاديًا مرتبطًا بأعمال الصيانة والجرد.