هاجم نقيب المهندسين السابق طارق النبراوي حكومة مصطفى مدبولي في مصر، وطالبها بالرحيل إذا فقدت ثقة المواطنين، بعد زيادة أسعار الكهرباء المنزلية بمتوسط 12%، معتبرا أن موجات الغلاء الأخيرة كشفت فشل الإدارة الحكومية.

 

وتأتي تصريحات النبراوي وسط ضغوط معيشية متراكمة تثقل الأسر المصرية، بينما تواصل الحكومة تحميل المواطنين كلفة أزمتها المالية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الإصلاح وبين واقع الأجور والأسعار والخدمات الأساسية.

 

وبحسب النبراوي، فإن مسؤولية زيادة الأسعار لا تقع على وزارة بعينها، وإنما تتحملها الحكومة بأكملها، باعتبار أن القرارات الاقتصادية تصدر ضمن توجه عام شاركت فيه مؤسساتها، وأفضى إلى ما وصفه بالوضع المرعب.

 

وأضاف النبراوي أن المصريين باتوا يواجهون زيادات متلاحقة في مختلف القطاعات، بينما تتغير المبررات الحكومية من أزمة إلى أخرى، بدءا من وباء كورونا، مرورا بحرب أوكرانيا وغزة، وصولا إلى التوترات الإقليمية الأخيرة.

 

وفي المقابل، تدافع الحكومة عن بعض إجراءاتها باعتبارها ضرورية لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة وتقليل الأعباء على الموازنة، غير أن هذا التبرير يصطدم لدى المواطنين بتراجع قدرتهم الشرائية وتكرار الزيادات خلال سنوات متقاربة.

 

وبالتالي، فإن أزمة الثقة التي يتحدث عنها النبراوي تتجاوز فاتورة الكهرباء نفسها، إذ ترتبط بتراكم قرارات ضاغطة يشعر المواطن معها بأنه الطرف الذي يدفع باستمرار تكلفة اختيارات لم يشارك في صنعها ولم ير نتائجها.

 

كما أن تطبيق زيادة الكهرباء أعاد النقاش بشأن قدرة الحكومة على تقديم سياسة اقتصادية تحمي الفئات الأقل دخلا، خصوصا أن رفع أسعار الطاقة ينتقل عادة إلى تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات، بما يوسع دائرة المتضررين.

 

ومن ثم، يصبح السؤال المطروح أبعد من حجم الزيادة الجديدة، ليتعلق بكيفية توزيع كلفة الأزمة، ولماذا تظل جيوب المواطنين الأداة الأسرع لسد فجوات مالية، بينما تتأخر مراجعة أولويات المشروعات العامة والإنفاق والاستدانة.

 

غير أن النبراوي ذهب إلى مستوى أكثر حدة، عندما اعتبر أن فقدان الحكومة ثقة الشعب يفرض عليها الرحيل، وهو طرح يعكس انتقال الانتقاد من الاعتراض على قرارات منفردة إلى التشكيك في قدرتها على الاستمرار.

 

غلاء يلتهم الثقة

 

أكد الخبير الاقتصادي مدحت نافع في انتقادات سابقة لرفع أسعار الكهرباء أن الحكومة مطالبة بتقديم ما يبرر الزيادات، منتقدا الاعتماد المتكرر على رفع الأسعار بوصفه أداة لمعالجة الاختلالات بدلا من تقديم حلول أكثر استدامة.

 

وعلاوة على ذلك، يعكس حديث نافع جوهر اعتراض النبراوي على أسلوب إدارة الأزمة، فالمشكلة ليست في تعديل تعريفة خدمة منفردة فقط، وإنما في غياب تفسير مقنع للمواطن يوضح الكلفة والبدائل ومبررات تحميلها للأسر.

 

وفي السياق نفسه، يثير تكرار رفع أسعار الخدمات تساؤلات بشأن الحدود الاجتماعية لبرامج الإصلاح، إذ لا يمكن فصل الأرقام الحكومية عن ملايين الأسر التي تعيد ترتيب إنفاقها شهريا بين الغذاء والكهرباء والمواصلات والتعليم والعلاج.

 

لذلك، فإن اعتبار الحكومة مسؤولة جماعيا عن زيادة الأسعار يعني، وفق طرح النبراوي، إسقاط حجة توزيع المسؤولية بين الوزارات، لأن مجلس الوزراء هو الجهة التي تعتمد السياسات العامة وتتحمل نتائجها أمام المواطنين مهما تعددت الجهات المنفذة.

 

وبناء على ذلك، تبدو أزمة الشفافية عنصرا مركزيا في انتقاد النبراوي، الذي استعاد لقاء سابقا لرئيس الوزراء مع مفكرين وإعلاميين، قال إنه حمل وعودا بالاستماع إلى المقترحات وفتح مساحة أوسع للحوار حول أزمات البلاد.

 

لكن النبراوي يرى أن تلك الوعود لم تتحول إلى استجابة ملموسة، بعدما طرحت خلال اللقاء أفكار لمراجعة بعض المشروعات المكلفة وإعادة ترتيب الأولويات، دون أن يلمس المشاركون، بحسب روايته، تغييرا يتناسب مع حجم الأزمة.

 

وفوق ذلك، تتضاعف حساسية قرارات الأسعار عندما تصدر بعد رسائل رسمية أو توقعات تمنح المواطنين انطباعا بالاستقرار، لأن تراجع الثقة لا ينتج فقط عن حجم الأعباء وإنما عن المفاجآت المتكررة وغياب القدرة على التخطيط.

 

وبهذا المعنى، يتحول الغلاء من أزمة اقتصادية إلى اختبار للحكم الرشيد، فالمواطن الذي لا يجد تفسيرا واضحا أو نتائج ملموسة للقرارات يصبح أقل استعدادا لتقبل إجراءات جديدة مهما قدمت الحكومة من مبررات مالية.

 

مدارس أمام المونوريل

 

استشهد النبراوي خلال انتقاده للحكومة بمقترح طرح في لقاء رئيس الوزراء، مفاده أن تكلفة أحد أعمدة مشروع المونوريل يمكن أن توجه لبناء مدرسة، مطالبا بمراجعة أولوية المشروع أمام الاحتياجات الملحة في قطاع التعليم.

وفي هذا السياق، سبق للخبير التربوي كمال مغيث أن انتقد معالجة عجز المعلمين بحلول مؤقتة، مؤكدا أن مشكلات المدارس وأوضاع المدرسين تحتاج معالجة هيكلية وتمويلا حقيقيا، لا الاعتماد على ترتيبات محدودة الأجل وضعيفة المقابل.

 

كما أن أزمة التعليم لا تتوقف عند المعلمين، إذ تواجه المدارس منذ سنوات ضغوطا تتعلق بكثافة الفصول ونقص المنشآت، وهو ما يجعل المقارنة بين الإنفاق على البنية الأساسية الكبرى والخدمات اليومية موضع جدل متجدد.

 

ومن ناحية أخرى، لا يعني الاعتراض على ترتيب الأولويات رفض تطوير شبكات النقل، وإنما يطرح سؤالا عن توقيت المشروعات وحجم الاقتراض اللازم لها، ومدى قدرة الدولة على الموازنة بين البنية التحتية واحتياجات المواطنين الأكثر إلحاحا.

 

وفي المقابل، ترى الحكومة أن مشروعات النقل الحديثة جزء من تطوير المدن وتحسين الحركة وجذب الاستثمار، بينما يرد منتقدوها بأن الجدوى الاقتصادية ينبغي ألا تنفصل عن تكلفة التمويل ولا عن مستوى الخدمات العامة المتاحة للمواطنين.

 

ومن هنا، يكتسب حديث النبراوي عن استمرار العجز والديون والأسعار دلالته، إذ يعتبر أن تجاهل مقترحات مراجعة بعض المشروعات يؤكد أن جلسات الحوار لا تكفي ما لم تتحول الملاحظات المطروحة إلى سياسات قابلة للقياس.

 

وبالمثل، فإن الإنفاق على التعليم يمثل أحد المعايير التي يمكن للمواطن من خلالها تقييم الأولويات، لأن المدرسة خدمة يلمسها ملايين الأسر مباشرة، فيما تبقى فوائد بعض المشروعات الضخمة مؤجلة أو غير موزعة بالتساوي.

 

وعليه، يصبح اعتراض النبراوي موجها إلى نموذج اتخاذ القرار أكثر من مشروع بعينه، إذ يطالب ضمنيا بأن تسبق المشروعات الكبرى مناقشة علنية لجدواها وكلفتها وبدائلها، خاصة في أوقات ارتفاع الديون والأسعار.

 

احتقان تحت الإزالات

 

ربط النبراوي تراجع الثقة أيضا بوقائع احتجاج فردية عنيفة، مستشهدا بشاب أشعل النار في كشك كان يعيش من دخله، ومواطن اعتدى على مسؤول محلي أثناء تنفيذ إزالة لعقار كان يوفر له المأوى.

 

ومع رفضه الواضح للعنف، اعتبر النبراوي أن هذه الوقائع تكشف حجم الانسداد في العلاقة بين المواطن والإدارة، عندما يشعر المتضرر بأن قنوات الشكوى والحوار والتفاوض لا تمنحه فرصة حقيقية لحماية مصدر رزقه أو مسكنه.

 

وفي هذا الإطار، حذر الباحث العمراني إبراهيم عز الدين من التعامل مع الإخلاء القسري باعتباره واقعة عابرة، مشيرا إلى أن آثاره تمتد إلى الحقوق والسكن وسيادة القانون والعلاقة بين السكان وسياسات إعادة تشكيل المدن.

 

كذلك، تظهر خبرات الإخلاء ونزع الملكية أن التعويض والحوار المسبق وتوفير البدائل ليست تفاصيل إجرائية، وإنما عناصر أساسية لمنع تحول عمليات التطوير إلى مصدر صدام بين أجهزة الدولة والسكان المتأثرين بالمشروعات العامة.

 

وبناء عليه، فإن قراءة النبراوي للواقعتين لا تبرر الاعتداء أو إحراق الممتلكات، لكنها تحذر من النتائج التي قد تنشأ عندما تتراكم الأزمات المعيشية مع شعور المواطنين بانعدام القدرة على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم.

 

إلى جانب ذلك، تكشف الأزمة عن فجوة بين مفهوم الإدارة باعتبارها جهازا لتنفيذ القرارات ومفهومها بوصفها جهة لخدمة المواطنين، وهي فجوة تتسع كلما غاب الحوار أو ظهرت الإجراءات في صورة أوامر مفاجئة غير قابلة للنقاش.

 

ولهذا، فإن استعادة الثقة تتطلب أكثر من حملات إعلامية أو اجتماعات استماع، لأنها ترتبط بقدرة الحكومة على إظهار أن اعتراضات المواطنين يمكن أن تغير قرارا، وأن المسؤولية عن الخطأ يمكن تحديدها ومحاسبة أصحابها.

 

وأخيرا، تضع تصريحات طارق النبراوي حكومة مدبولي أمام اتهام مباشر بالفشل في حماية الثقة العامة، وتربط الغلاء والديون وضعف الشفافية وأولويات الإنفاق بالاحتقان الاجتماعي، معتبرة أن بقاء حكومة فقدت ثقة المواطنين يزيد الأزمة عمقا.