توقع صندوق النقد الدولي ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 177 مليار دولار خلال العام المالي الجاري المنتهي في يوليو 2027، مع زيادة خدمة الدين إلى 59 مليار دولار، بما يضع المالية المصرية أمام استحقاقات خارجية متصاعدة وضغوط تمويلية جديدة.

 

ويكشف هذا المسار كلفة سنوات من التوسع في الاقتراض تحت حكم السيسي، إذ تتراكم الالتزامات بينما يتحمل المواطن نتائج الأزمة عبر الضرائب ورفع أسعار الخدمات وتقليص الدعم، في وقت تظل فيه جدوى إنفاق جانب من القروض محل انتقاد واسع.

 

فاتورة السداد تتضخم

 

وبحسب تقديرات الصندوق، بلغ الدين الخارجي نحو 163 مليار دولار بنهاية العام المالي الماضي، وهو مستوى يقل عن تقديره السابق البالغ 178.3 مليار دولار، لكن الاتجاه المتوقع يعيد الدين للصعود خلال العام المالي الجاري.

 

وفي المقابل، تشير بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى أن الدين الخارجي سجل نحو 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026، بما يعكس استمرار كتلة ضخمة من الالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية ومخاطرها على موارد البلاد الدولارية.

 

وفوق ذلك، يتوقع صندوق النقد ارتفاع خدمة الدين الخارجي إلى نحو 59 مليار دولار خلال العام المالي الجاري، مقابل قرابة 54 مليارًا في العام السابق، ما يعني استنزاف جزء كبير من التدفقات الأجنبية قبل توجيهها للاستثمار والخدمات.

 

ومن ناحية أخرى، أظهرت بيانات البنك الدولي التزام مصر بسداد نحو 62.8 مليار دولار من الأقساط والفوائد خلال الفترة الممتدة من أبريل 2026 إلى مارس 2027، وهي فاتورة تكشف ضخامة الضغوط قصيرة الأجل على موارد النقد الأجنبي.

 

وفي السياق نفسه، تتوزع تلك الالتزامات على نحو 55.8 مليار دولار من أصل الديون وقرابة 7 مليارات دولار فوائد، إلى جانب ودائع وعملات أجنبية لدى البنك المركزي بقيمة تقارب 21.1 مليار دولار.

 

وعلى صعيد آخر، أعلن المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي محمد معيط أن مديونية مصر للصندوق بلغت 9.3 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، بعد حصول القاهرة على تمويلات جديدة مرتبطة بالمراجعة السابعة وبرنامج الصلابة والاستدامة.

 

وبالتوازي، أتاح استكمال المراجعة السابعة دفعات تمويلية جديدة لمصر، بينما أكد الصندوق استمرار مشكلات ارتفاع الدين والاحتياجات التمويلية واتساع حضور الدولة في الاقتصاد، وهي عوامل تضيق المساحة المتاحة أمام الموازنة وتضغط على النمو.

 

وعليه، تبدو المفارقة واضحة بين الحديث الرسمي المتكرر عن خفض مؤشرات الدين وبين استمرار الحاجة إلى قروض وتسهيلات جديدة لسداد التزامات قائمة، بما يضع الاقتصاد داخل دائرة اقتراض يعقبها سداد ثم اقتراض جديد.

 

الدين يزاحم المواطن

 

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن الموازنة المصرية أصبحت شديدة التأثر بأعباء الدين وفوائده، محذرًا من أن الاعتماد المتزايد على بيع الأصول ورفع الرسوم ينقل جانبًا كبيرًا من كلفة الأزمة مباشرة إلى المواطنين.

 

وبحسب عبد المطلب، فإن ارتفاع مصروفات الفوائد يحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد إلى القطاعات الاجتماعية والخدمية، بينما تصبح أهداف النمو أقل تأثيرًا في حياة المواطنين إذا ذهبت الإيرادات بصورة متزايدة لتغطية أعباء التمويل.

 

ومن ثم، لا يمكن التعامل مع رقم 177 مليار دولار باعتباره مؤشرًا حسابيًا مجردًا، لأن كل زيادة في الدين تحمل معها فوائد وأقساطًا مستقبلية تتنافس مع التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار العام على موارد الموازنة والعملات الأجنبية.

 

وبصورة أوسع، حذر صندوق النقد نفسه من أن ارتفاع الدين والاحتياجات التمويلية الكبيرة يواصلان تقييد الحيز المالي، رغم التحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية، ما يعني أن استقرار الأرقام الكلية لا يلغي حجم المخاطر المرتبطة بالمديونية.

 

وعند المقارنة، كانت مصر قد دخلت برنامجًا جديدًا مع صندوق النقد في 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، قبل توسيعه لاحقًا إلى 8 مليارات، في مؤشر على اتساع الحاجة للتمويل الخارجي بدلًا من تراجعها.

 

وفي الأثناء، تواصل الحكومة التعويل على الاستثمارات الأجنبية وتحويلات المصريين والسياحة وبرامج بيع الأصول لتوفير العملة الصعبة، لكن جزءًا مهمًا من هذه الموارد يجد طريقه سريعًا إلى سداد الديون والفوائد المتراكمة خلال آجال قصيرة.

 

ولذلك، ينعكس ضغط خدمة الدين على المواطن بطريقة غير مباشرة من خلال إجراءات زيادة الإيرادات وخفض النفقات، بما يشمل تحريك أسعار الوقود والكهرباء والرسوم، وهي إجراءات تصبح أشد قسوة عندما تتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

وعلى هذا الأساس، يتحول النقاش حول الدين من سؤال القدرة على سداد دفعة قريبة إلى سؤال أعمق يتعلق بقدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج موارد دولارية مستدامة تكفي للاستيراد والاستثمار والسداد دون الاعتماد المتكرر على الاقتراض.

 

نموذج اقتصادي مأزوم

 

ويقدم الخبير الاقتصادي هاني توفيق قراءة أكثر تفصيلًا، إذ يرى أن الخطر لا يقتصر على رقم الدين الخارجي وحده، وإنما يمتد إلى بنية الاقتصاد وعجزه عن توليد موارد كافية، مع تضخم أعباء خدمة الدين الداخلي أيضًا.

 

ووفقًا لتوفيق، فإن النظر إلى الاحتياطي النقدي أو التدفقات المؤقتة باعتبارها دليلًا كافيًا على سلامة الوضع قد يكون مضللًا، لأن المطلوب اقتصاد قادر على توليد العملة الأجنبية بصورة مستمرة من الإنتاج والتصدير والاستثمار الحقيقي.

 

وفي الوقت ذاته، يلفت توفيق إلى أن تغير أسعار العملات التي تتكون منها الديون يؤثر في القيمة المحسوبة بالدولار، وهو ما يفرض التمييز بين الزيادة الناتجة عن اقتراض جديد والزيادة المرتبطة بإعادة تقييم العملات المختلفة.

 

ومع ذلك، لا يغير هذا التفسير من حقيقة أن مصر مطالبة بتدبير عشرات المليارات من الدولارات سنويًا لخدمة التزاماتها الخارجية، وهي مسؤولية تضغط على ميزان المدفوعات وتزيد حساسية الاقتصاد لأي تراجع في موارد العملة الأجنبية.

 

أما أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، فيشير إلى تحسن بعض مؤشرات الدين عند قياسها بالنسبة إلى الناتج المحلي وارتفاع الاحتياطيات الدولية، مقدمًا قراءة أقل تشاؤمًا من منتقدي المسار الحالي للاقتصاد المصري.

 

لكن، حتى مع هذا التحسن النسبي، تبقى أرقام خدمة الدين هي الاختبار الأكثر صعوبة، لأن انخفاض النسبة إلى الناتج لا يوفر وحده الدولارات المطلوبة في مواعيد الاستحقاق ولا يمنع تأثر الموازنة بارتفاع الفوائد.

 

وبالمحصلة، تكشف التقديرات الجديدة أن أزمة الديون لا تقاس بحجم الرصيد فقط، بل بسرعة تراكم الاستحقاقات وقدرة الاقتصاد على خدمتها من موارده الحقيقية، لا من صفقات استثنائية أو قروض تستخدم لسداد قروض سابقة.

 

وأبعد من ذلك، تطرح زيادة الدين المتوقع إلى 177 مليار دولار سؤالًا عن حصيلة المشروعات التي جرى تمويلها بالاقتراض، ومدى قدرتها على توليد عائد دولاري يكفي لسداد تكلفتها بدلًا من تحميل الأجيال المقبلة أقساطًا وفوائد إضافية.

 

وفي النهاية، يظل الخطر الأكبر في استمرار النموذج نفسه دون تغيير جوهري، إذ تستدين الدولة لتغطية فجوات التمويل ثم تبحث عن استثمارات وبيع أصول وقروض جديدة لمواجهة الاستحقاقات، بينما يدفع المصريون الثمن في معيشتهم وخدماتهم ومستقبل مواردهم.