أعاد صندوق النقد الدولي في مصر الضغط باتجاه تشديد السياسة النقدية، بعدما ارتفع التضخم العام إلى 14.9% خلال يوليو، متوقعًا اقترابه من 17% بحلول سبتمبر 2026، بما يهدد بتجميد خفض الفائدة أو إعادتها إلى الصعود.
ويأتي هذا الضغط بينما تتحمل الأسر المصرية بالفعل آثار زيادات الوقود والكهرباء والخدمات وأسعار السلع، لتجد نفسها بين تضخم يلتهم الدخول وفائدة مرتفعة تكبح النشاط والاقتراض، فيما تظل جذور الأزمة المرتبطة بالإنتاج والديون والعملة بلا معالجة كافية.
وفي الوقت نفسه، أبقى البنك المركزي أسعار العائد عند مستويات مرتفعة، بعدما خفضها مرة واحدة خلال 2026 بواقع 1% في فبراير، لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، قبل أن يتوقف مسار التيسير النقدي خلال الأشهر التالية.
وبحسب المراجعة السابعة لبرنامج مصر، يتوقع صندوق النقد أن تزداد الضغوط السعرية مع انعكاس تعديلات أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يعيد التشديد النقدي إلى دائرة الخيارات المطروحة بعدما بدا سابقًا أن الاتجاه يسير نحو خفض تدريجي للفائدة.
وفي المقابل، لا يرى اقتصاديون تحدثوا عن التطورات الأخيرة أن ارتفاع التضخم الحالي يفرض تلقائيًا زيادة جديدة للفائدة، مؤكدين أن القرار يجب أن يتوقف على معرفة ما إذا كانت الموجة الحالية مؤقتة أم بداية لمسار تضخمي أكثر استمرارًا.
وفوق ذلك، فإن رفع الفائدة لا يعالج بصورة مباشرة ارتفاع أسعار الوقود أو الكهرباء أو السلع المستوردة، لأن هذه الضغوط تأتي أساسًا من جانب التكلفة، بينما تؤدي الفائدة الأعلى غالبًا إلى إضعاف الاستثمار وزيادة تكلفة التمويل على الشركات والأفراد.
ومن ناحية أخرى، تواجه الحكومة معضلة مضاعفة، لأن أي زيادة في أسعار العائد قد تساعدها على إبقاء أدوات الدين المحلية جذابة للمستثمرين، لكنها في الوقت ذاته ترفع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين وتضغط أكثر على الموازنة العامة.
وبالتالي، تحولت اجتماعات البنك المركزي المتبقية خلال 2026 إلى اختبار بين الحفاظ على عائد حقيقي موجب للجنيه وبين تجنب تحميل الاقتصاد تكلفة إضافية، خصوصًا بعدما تعطلت توقعات خفض الفائدة التي كانت مطروحة في بداية العام.
وعند هذه النقطة، تبدو معركة التضخم أبعد من مجرد قرار نقدي، لأن المواطن يدفع ثمن ارتفاع الأسعار عند الشراء، ثم يدفع بصورة غير مباشرة تكلفة الفائدة المرتفعة عندما تتراجع الاستثمارات وفرص العمل ويزداد عبء تمويل الموازنة.
التضخم يعطل خفض الفائدة
يرى منصف مرسي، العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث بشركة سي آي كابيتال، أن البنك المركزي لن يغير أسعار الفائدة على الأرجح في اجتماعه المقبل، لأن مستويات التضخم الحالية لا توفر سببًا كافيًا لرفع العائد فورًا.
ووفقًا لمرسي، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد المخاطر الرئيسية خلال الفترة المقبلة، لأن انتقال تكلفة الطاقة إلى الإنتاج والنقل والأسواق يمكن أن يحول موجة الأسعار الحالية من ارتفاع محدود إلى ضغط أكثر رسوخًا على التضخم.
وبالتوازي مع ذلك، أصبح سعر الوقود عاملًا حاسمًا في مسار السياسة النقدية، إذ إن أي زيادات جديدة ستنتقل إلى تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، بما يعني أن البنك المركزي قد يجد نفسه مطالبًا بمواجهة تضخم لم يصنعه الطلب المحلي أساسًا.
وعلاوة على ذلك، فإن بقاء التضخم قرب 17% سيجعل خفض الفائدة أكثر صعوبة، لأن التيسير السريع قد يقلص العائد الحقيقي على المدخرات بالجنيه ويزيد حساسية المستثمرين تجاه تحركات العملة والأسعار خلال الشهور التالية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تثبيت الفائدة نفسها عند مستويات مرتفعة يحمل تكلفة واسعة، بدءًا من ارتفاع أعباء تمويل المصانع والشركات، وصولًا إلى زيادة فوائد الدين الحكومي، وهو ما يضغط على الإنفاق العام المتاح للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وفي ضوء ذلك، تبدو السلطة النقدية محاصرة بين خيارين مكلفين، فرفع الفائدة قد يبطئ الاقتصاد ويرفع كلفة الدين، بينما خفضها مبكرًا قد يضعف العائد الحقيقي للجنيه إذا استمر التضخم في الصعود خلال الأشهر المقبلة.
ومن زاوية مختلفة، يكشف توقف دورة خفض الفائدة هشاشة المسار الذي بُني على توقع استمرار تراجع التضخم، إذ أعادت زيادات الطاقة والتكاليف الخارجية فتح ضغوط الأسعار بعدما خفض البنك المركزي الفائدة تدريجيًا خلال دورة التيسير السابقة.
ولهذا، فإن اعتبار ارتفاع الأسعار مجرد موجة عابرة يظل رهينًا بما ستكشفه بيانات الأشهر المقبلة، خاصة أن انتقال صدمات الوقود إلى أسعار الغذاء والنقل والخدمات قد يستغرق وقتًا قبل أن يظهر كامل أثره على المستهلكين.
وفي النهاية، يرى مرسي أن مسار النفط سيظل عنصرًا رئيسيًا في تحديد القرار، ما يعني أن المصريين يواجهون أسعار فائدة مرتبطة جزئيًا بتطورات خارجية، إلى جانب قرارات محلية تتعلق بالطاقة والتسعير وسعر الصرف.
الدين يقيد قرار المركزي
ويقول محمد عبد الحكيم، رئيس قطاع البحوث بشركة بريميير القابضة، إن وصول التضخم إلى نحو 17% لا يفرض بالضرورة رفع الفائدة، معتبرًا أن العامل الأهم هو تحديد ما إذا كان الارتفاع مؤقتًا أم قابلًا للاستمرار.
وبحسب عبد الحكيم، فإن زيادة العائد قد تجعل أدوات الدين المصرية أكثر جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية، لكنها ترفع في المقابل تكلفة اقتراض الحكومة، وهو ثمن بالغ الحساسية في ظل الاحتياجات التمويلية الكبيرة وأعباء خدمة الدين المتراكمة.
وفي هذا السياق، كان البنك المركزي يستهدف قبل تصاعد الضغوط الأخيرة خفض أسعار الفائدة بنحو 5 إلى 6% خلال 2026، لكن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وبعض الخدمات أدى إلى تعطيل هذا المسار وإعادة الحسابات بشأن توقيت التخفيضات المقبلة.
ومن ثم، تكشف المعضلة حدود الاعتماد على الفائدة وحدها لمواجهة أزمة الأسعار، لأن تشديد السياسة النقدية قد يحافظ على جاذبية الجنيه، لكنه لا يخفض مباشرة تكاليف الطاقة ولا يزيد المعروض من السلع ولا يحسن كفاءة الإنتاج.
كما أن ارتفاع خدمة الدين الناتج عن زيادة الفائدة يعني انتقال جزء من كلفة مكافحة التضخم إلى الموازنة، وهو ما قد يضيق المجال أمام الإنفاق الاجتماعي، بينما المواطن الذي يفترض أن تحميه السياسة النقدية يتحمل أصلًا موجة غلاء متواصلة.
وفوق هذا، فإن الحاجة إلى إبقاء المستثمر الأجنبي في أدوات الدين تجعل قرار الفائدة مرتبطًا بحركة الأموال قصيرة الأجل، وهو وضع يثير تساؤلات حول مدى قدرة السياسة الاقتصادية على بناء استقرار يعتمد على الإنتاج والتصدير بدل العوائد المرتفعة.
وفي المقابل، يرى عبد الحكيم أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة مع اتساع الفجوة التمويلية سيخلق سيناريو شديد الصعوبة، لأن البنك المركزي قد يضطر إلى التشديد في اللحظة نفسها التي تصبح فيها الحكومة أكثر احتياجًا إلى تمويل أقل تكلفة.
وبناءً على ذلك، تتحول الفائدة من أداة لكبح الأسعار إلى نقطة تقاطع بين التضخم وسعر الصرف والدين العام، حيث يمكن لأي قرار أن يخفف ضغطًا واحدًا لكنه يزيد ضغطًا آخر على الموازنة والقطاع الخاص ومستويات المعيشة.
وعليه، فإن الأزمة تكشف أن معالجة التضخم لا يمكن اختزالها في رفع العائد أو تثبيته، طالما ظلت تكاليف الإنتاج والطاقة والتمويل مرتفعة، واستمر الاقتصاد في تحمل آثار قرارات تزيد الأسعار قبل أن تظهر آثار سياسات زيادة المعروض.
الجنيه أمام اختبار جديد
ويرى محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن تجاوز التضخم مستوى 18% قد يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، ليس فقط لكبح الأسعار، وإنما أيضًا للحفاظ على جاذبية الجنيه في مواجهة الدولار.
وبحسب أنيس، فإن استقرار التضخم بين 16% و18% ثم اتجاهه للانخفاض قد يؤدي بدلًا من الرفع إلى إبقاء أسعار الفائدة الحالية مدة أطول، وهو سيناريو يعني استمرار تكلفة الاقتراض المرتفعة على الاقتصاد والموازنة معًا.
ومن جانب آخر، يستبعد أنيس عودة خفض الفائدة قبل تراجع التضخم إلى نحو 11% على الأقل، مرجحًا إمكانية الوصول إلى هذا المستوى خلال الربع الأول من 2027 إذا لم تظهر صدمات جديدة في الطاقة أو العملة.
وفي الأثناء، يمثل الحفاظ على عائد حقيقي موجب هدفًا أساسيًا لصناع القرار، لأن ارتفاع التضخم مع ثبات الفائدة يقلص المكاسب الفعلية لحائزي الجنيه، ويمكن أن يؤثر في توجهات المدخرين والمستثمرين واختيارهم بين العملة المحلية والدولار.
وعلى صعيد المواطنين، لا تبدو هذه المعادلات النظرية بعيدة عن الحياة اليومية، إذ إن استمرار الفائدة المرتفعة يرفع تكلفة شراء المنازل والسيارات وتمويل المشروعات، بينما يؤدي التضخم نفسه إلى تقليص القوة الشرائية للأجور والمعاشات والمدخرات.
وفي ظل ذلك، يظل احتمال رفع الفائدة قائمًا إذا تجاوز التضخم التوقعات أو تعرض الجنيه لضغط جديد، غير أن مثل هذه الخطوة ستعني عمليًا إضافة تكلفة أخرى إلى اقتصاد يعاني أصلًا من خدمة دين مرتفعة وتمويل باهظ.
وأخيرًا، تكشف دعوة صندوق النقد إلى التشديد أن السلطات المصرية تدخل الأشهر الأخيرة من 2026 بين ضغوط متعارضة، فيما يبقى المواطن الحلقة الأكثر تعرضًا للخسارة بين أسعار تتزايد وفائدة مرتفعة ودخل لا يلاحق سرعة ارتفاع تكاليف المعيشة.

