قررت الحكومة المصرية بدء زيادة سنوية قدرها 15% على إيجارات الوحدات السكنية وغير السكنية الخاضعة للقانون القديم في مختلف المحافظات مع استحقاقات العام الجديد بما يرفع المدفوعات مجددًا ويعمق الضغوط المالية على ملايين المستأجرين.
وتأتي الزيادة بينما تواجه الأسر موجات متلاحقة من الغلاء وتراجعًا حادًا في القدرة الشرائية لتكشف انحياز السلطة إلى معالجة اختلال تاريخي بتحميل المستأجرين وحدهم فاتورة الأزمة دون ضمانات جادة تمنع الإفقار أو فقدان السكن.
زيادة تراكمية بلا حماية
وبموجب القانون رقم 164 لسنة 2025 ترتفع القيمة الإيجارية القانونية بنسبة 15% سنويًا طوال الفترة الانتقالية محسوبة على أجرة العام السابق ما يجعل الزيادة تراكمية ويضاعف أثرها كلما اقترب موعد انتهاء العقود القديمة.
ووفقًا للنص التشريعي تشمل الأحكام الأماكن المؤجرة للسكن والوحدات المؤجرة للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكن وفق قوانين الإيجارات القديمة بينما لا يمتد نطاقها بالطريقة نفسها إلى الشركات والأشخاص الاعتباريين الخاضعين لترتيبات قانونية أخرى.
وفي التفاصيل بدأت الأجرة الأساسية الجديدة من موعد استحقاق الأجرة الشهرية التالية لسريان القانون بعدما نُشر في أغسطس 2025 ولذلك ارتبط التطبيق العملي لدى المستأجرين بفاتورة سبتمبر التي حملت أول التزامات النظام الجديد.
أما الزيادة الدورية الأولى فتستحق بعد مرور عام على بدء الأجرة الجديدة وقد اعتبر محمد عطية الفيومي وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أنها تبدأ مع اكتمال السنة الأولى بنسبة 15% على القيمة السابقة.
وبالتالي لا تعني النسبة إضافة ثابتة إلى الأجرة الأصلية وإنما تُحتسب كل سنة على آخر قيمة مستحقة وهو ما يرفع العبء تدريجيًا ويجعل الأسر أمام مصروف متصاعد لا يقابله نمو مماثل في الأجور والمعاشات.
كما أن الوحدات السكنية بالمناطق المتميزة بدأت بأجرة تعادل 20 مثل القيمة القانونية وبحد أدنى 1000 جنيه بينما بلغت الزيادة الأساسية 10 أمثال في المناطق المتوسطة والاقتصادية بحدين أدنى قدرهما 400 و250 جنيهًا.
لزيادة الضغط نص القانون على رفع أجرة الأماكن غير السكنية المؤجرة للأشخاص الطبيعيين إلى 5 أمثال القيمة القانونية السارية ثم إخضاعها للزيادة السنوية نفسها بما يثقل أصحاب الورش والمتاجر والمهن الصغيرة بتكاليف متصاعدة.
وفي المقابل لم تربط الحكومة الزيادة بمستوى دخل المستأجر أو قيمة معاشه أو قدرته على الانتقال كما لم تمنح كبار السن وأصحاب الإعاقات ضمانات استثنائية واضحة تحول دون تحول العجز المالي إلى طريق للإخلاء.
فضلاً عن ذلك تحمل الزيادة خطر تراكم المتأخرات على الأسر التي عجزت عن استيعاب القفزة الأساسية السابقة إذ يصبح التأخر عن السداد مدخلًا لنزاع قضائي قد ينتهي بفقدان المسكن قبل انقضاء الفترة الانتقالية المعلنة.
عقود تنتهي بقوة القانون
ومن ناحية أخرى تنتهي عقود الوحدات السكنية بعد 7 سنوات من تاريخ نفاذ القانون في أغسطس 2025 ما يعني زوال الحماية القانونية في أغسطس 2032 ما لم يتفق المؤجر والمستأجر على إنهاء العلاقة قبل ذلك.
وبالنسبة للوحدات غير السكنية المؤجرة للأشخاص الطبيعيين حدد القانون مهلة أقصر تبلغ 5 سنوات لتنتهي في أغسطس 2030 وهو مسار يهدد أنشطة تجارية ومهنية استقرت لعقود وقد تعجز عن تحمل إيجارات السوق البديلة.
وعلى هذا الأساس يتبقى حاليًا نحو 6 سنوات للوحدات السكنية ونحو 4 سنوات لغير السكنية بعد انقضاء السنة الأولى لكن هذه المدد ليست حصانة مطلقة إذا وقع إخلال بالسداد أو تحقق سبب قانوني للإخلاء.
غير أن تقديم السنوات الانتقالية باعتبارها حماية اجتماعية يتجاهل أن المستأجر مطالب خلال الفترة نفسها بتحمل زيادات مركبة ثم البحث عن بديل في سوق منفلت الأسعار بينما تظل الوحدات الحكومية البديلة محكومة بشروط وأولويات وإجراءات غير مضمونة.
في السياق ذاته حذر عاطف مغاوري عضو مجلس النواب من أن فروق الأجرة الناتجة عن تصنيف المناطق راكمت مديونيات وصلت في بعض الحالات إلى 24 ألف جنيه معتبرًا أن مهلة السنوات تفقد معناها عند العجز عن السداد.
ومن ثم يصبح الإخلاء نتيجة محتملة قبل الموعد النهائي لأن استمرار العقد مشروط بالوفاء بالأجرة المتزايدة وهو ما يحول الزيادة من إجراء مالي إلى أداة ضغط صامتة تدفع الأفقر إلى المغادرة دون قرار طرد مباشر.
إلى جانب ذلك يمنح القانون المستأجر أولوية للتقدم للحصول على وحدة بديلة من الدولة بالإيجار أو التمليك لكنه يشترط إقرارًا بإخلاء الوحدة الأصلية عند التخصيص دون تقديم ضمان شامل بأن كل طالب سيحصل فعلًا على بديل ملائم.
وبالتوازي تخشى الأسر من أن تكون الوحدات البديلة بعيدة عن العمل والمدارس وشبكات الدعم العائلي بما يجعل الانتقال اقتلاعًا اجتماعيًا لا مجرد تغيير عنوان خاصة بالنسبة إلى المسنين والمرضى المقيمين في الأحياء القديمة منذ عقود.
كذلك لا تعالج البدائل الحكومية أزمة أصحاب الأنشطة الصغيرة بالوضوح نفسه إذ قد يؤدي فقدان المحل أو العيادة أو الورشة إلى ضياع مصدر الدخل بالتزامن مع تحمل تكلفة الانتقال والتجهيز وإعادة بناء قاعدة العملاء.
وبهذا تتحول المرحلة الانتقالية إلى عد تنازلي يضع الملايين بين زيادة سنوية لا تتوقف ونهاية عقد محددة سلفًا بينما تتنصل الدولة من بناء شبكة حماية سكنية تسبق الإخلاء بدل انتظار الكارثة ثم إدارتها بالطلبات والقرارات.
عدالة غائبة بين الطرفين
على الجانب الآخر يرى أحمد البحيري المستشار القانوني لرابطة ملاك الإيجار القديم أن الزيادات الحالية ما زالت أقل كثيرًا من القيمة السوقية مستشهدًا بوحدات في مصر الجديدة تبلغ أجرتها القانونية 2000 جنيه مقابل نحو 20 ألفًا بالسوق.
ومع ذلك فإن مظلومية الملاك الحقيقية لا تبرر نقل العبء كاملًا إلى مستأجرين لم يصنعوا التشريعات القديمة كما لا تعفي الحكومة التي أبقت الأزمة لعقود ثم اختارت حلًا صادمًا بعد انهيار الأجور وارتفاع التضخم.
في المقابل اعتبر المحامي وليد عيسى أن القانون أعاد بعض التوازن لحقوق المالك لكنه أقر بأن الزيادات تضع المستأجر محدود الدخل أمام أعباء إضافية وهي ملاحظة تكشف الثغرة الاجتماعية الأكبر في التشريع الحالي.
وعلاوة على ذلك حذر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من تهديد الحق في السكن واستبعاد ضمانات كافية لكبار السن وأصحاب المعاشات وذوي الإعاقة معتبرًا أن انتهاء العقود قد يفتح الباب أمام موجات تشريد واسعة.
وبناءً على ذلك كان ينبغي تصميم الزيادة وفق شرائح الدخل والقيمة الحقيقية للعقار وحالة المبنى مع دعم نقدي مباشر للفئات الأضعف ووقف الإخلاء حتى توفير بديل مناسب بدل تطبيق نسبة موحدة على أوضاع اجتماعية شديدة التفاوت.
وفوق ذلك تحتاج الدولة إلى ضبط سوق الإيجار الجديد الذي يعاني قفزات سعرية وعقودًا قصيرة وغياب الاستقرار لأن دفع المستأجر القديم إليه دون إصلاح شامل يعني استبدال أزمة تاريخية بأزمة أشد قسوة واتساعًا.
ومع اقتراب استحقاق الزيادة تتجدد المخاوف من أن تكون نسبة 15% حلقة جديدة في مسار تفكيك الحماية السكنية بينما تستمر الحكومة في تسويق الإخلاء المؤجل باعتباره توازنًا رغم غياب البدائل الكافية والضمانات القابلة للتنفيذ.
وأخيرًا لا تُقاس عدالة الإصلاح بإنصاف المالك على حساب المستأجر أو العكس بل بقدرة الدولة على حماية الملكية والسكن معًا أما فرض الزيادات ثم إنهاء العقود بلا شبكة أمان فهو إدارة للأزمة بمنطق الأقوى لا بالحق.

