يخيم على تونس في صيف 2026 مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه قضايا المعتقلين السياسيين مع تصاعد الجدل حول استقلال القضاء وحدود النشاط المدني، بالتزامن مع تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وفيما أعلن رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي إضرابه عن الطعام والدواء احتجاجًا على عزله وظروف احتجازه قبل أن يفك إضرابه لاحقًا.
وبرزت قضية المهندس غسان البوغديري، الناشط في أسطول الصمود المغاربي، بوصفها اختبارًا جديدًا لشفافية الإجراءات القضائية وقرينة البراءة. ويرتبط البوغديري بملفين منفصلين، أحدهما ناتج عن احتجاج أمام شركة شحن، والآخر يتعلق بتحقيق في شبهات مالية مرتبطة بتمويل الأسطول، وسط تحذيرات من الخلط بين القضيتين أو تحويل التتبع القضائي إلى إدانة مسبقة.
الغنوشي والبوغديري في الواجهة
وأعاد إعلان هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي دخوله في إضراب عن الطعام والدواء ملف المعتقلين السياسيين إلى صدارة المشهد التونسي، بعدما قالت إن قراره جاء احتجاجًا على فرض عزلة تامة عليه وظروف احتجازه، وسط تنديد حقوقي وسياسي متزايد.
ورغم فك الغنوشي إضرابه لاحقًا، فإن الواقعة كشفت استمرار الأزمة المرتبطة بمعاملة رموز المعارضة داخل السجون، كما أكدت أن قضايا الاحتجاز لم تعد ملفات فردية معزولة، بل أصبحت جزءًا من حالة الاستقطاب التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
وفي هذا المناخ، تبرز قضية المهندس غسان البوغديري، الذي ينظر إليه أنصاره باعتباره ناشطًا مدنيًا شارك في تحركات داعمة للقضية الفلسطينية، بينما تلاحقه السلطات في ملفين قضائيين مختلفين ينبغي الفصل بينهما قانونيًا وإعلاميًا.
يتعلق الملف الأول بشكوى قدمتها شركة متخصصة في الشحن بالموانئ التونسية، على خلفية تحرك احتجاجي نُظم أمام مقرها في مارس 2025، بعدما اتهمها البوغديري بتصدير بضائع إلى الاحتلال الإسرائيلي.
وقضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس في مايو 2026 بسجن البوغديري سبعة أشهر في هذه القضية. واستأنف الدفاع الحكم، ونظرت محكمة الاستئناف في الملف يوم 11 أغسطس، قبل أن تؤجل النظر فيه إلى يوم 14 من الشهر نفسه.
ولا تمثل الإدانة الابتدائية نهاية المسار القضائي، كما أن الاستئناف يتيح إعادة فحص الوقائع والأدلة ومناقشة المسؤوليات المنسوبة إلى المتهم. ومن ثم، لا يجوز تقديم الحكم الأول باعتباره نتيجة نهائية قبل استنفاد درجات التقاضي.
وتعود حساسية القضية إلى ارتباطها بتحرك احتجاجي، ما يطرح سؤالًا حول الحدود الفاصلة بين حق الأفراد في التعبير عن مواقفهم وممارسة الاحتجاج، وبين الأفعال التي قد تندرج تحت المسؤولية الجزائية إذا ثبتت بأدلة مادية واضحة.
ومن حق أي شركة ترى أنها تعرضت للضرر أن تلجأ إلى القضاء، لكن وجود احتجاج أمام مقرها لا ينبغي أن يتحول وحده إلى دليل على ارتكاب جريمة. ويظل المعيار الحاسم هو طبيعة الأفعال المثبتة والأدلة المقدمة إلى المحكمة.
كما يفترض ألا تؤثر مواقف البوغديري أو ارتباطه بالقضية الفلسطينية في تحديد مسؤوليته. فلا نشاطه المدني يمنحه حصانة من المحاسبة إذا ثبتت مخالفة القانون، ولا مواقفه المعارضة تكفي لإدانته أو تبرير استمرار احتجازه.
ملفان وشبهات غير محسومة
يختلف الملف الثاني جذريًا عن قضية شركة الشحن، إذ يتعلق بتحقيق قضائي في شبهات مالية تخص تسيير وتمويل أسطول الصمود المغاربي، ولا يرتبط مباشرة بالتحرك الاحتجاجي الذي صدر فيه الحكم الابتدائي بالسجن سبعة أشهر.
وفي مارس الماضي، أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بطاقات إيداع بالسجن بحق عدد من أعضاء الهيئة التسييرية للأسطول، بينهم غسان البوغديري، على خلفية شبهات مرتبطة بغسل الأموال والاستيلاء على أموال متأتية من التبرعات.
ولا تزال هذه الاتهامات، وفق المعطيات المنشورة، في مرحلة التحقيق، ولم تتحول إلى أحكام قضائية باتة. ولذلك يبقى جميع المتهمين متمتعين بقرينة البراءة، مهما كانت خطورة الشبهات أو حجم الاهتمام الإعلامي بالقضية.
وفي يوليو، رفض قاضي التحقيق طلب الإفراج عن البوغديري، ما أبقاه موقوفًا على ذمة الملف المالي. غير أن استمرار الإيقاف التحفظي لا يعني ثبوت الاتهامات، بل يظل إجراءً قضائيًا سابقًا للفصل النهائي في القضية.
وتفرض طبيعة الاتهامات إجراء تحقيق جدي وشفاف، لأن حماية أموال المتبرعين وضمان نزاهة العمل الأهلي مسؤولية أساسية. وفي المقابل، لا تتعارض هذه المسؤولية مع ضمان حقوق الدفاع وعدم تحويل التحقيق إلى محاكمة إعلامية أو سياسية مسبقة.
ويحظى أسطول الصمود بتعاطف داخل تونس بسبب ارتباطه بدعم الفلسطينيين والحرب على غزة، في ظل إجماع شعبي واسع على مساندة القضية الفلسطينية يتجاوز الانقسامات الحزبية والفكرية التي تشهدها البلاد.
ولهذا يكتسب توقيف أحد أعضاء هيئته التسييرية بعدًا يتجاوز الاتهامات المالية في وعي الرأي العام، إذ يخشى مؤيدوه أن يكون نشاطه الداعم لفلسطين سببًا في استهدافه، بينما تؤكد طبيعة الملف المعلن أنه يتعلق بشبهات مالية.
ويضع هذا التعقيد مسؤولية أكبر على مؤسسات الدولة لإعلان الوقائع القانونية بوضوح، وتفسير أسباب الإجراءات المتخذة دون انتهاك سرية التحقيق، حتى لا يترك غياب المعلومات مساحة للشائعات أو الاتهامات المتبادلة.
كما يتطلب الأمر تجنب الخلط بين الملفين عند تناول القضية، فالحكم الصادر على خلفية الاحتجاج أمام شركة الشحن لا يثبت صحة الشبهات المالية، والتحقيق في تمويل الأسطول لا يشكل دليلًا على إدانة البوغديري في واقعة الاحتجاج.
أزمة ثقة واقتصاد مأزوم
تأتي قضية البوغديري ضمن سياق تونسي محتقن بدأ يتشكل بصورة أكثر حدة منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، وما أعقبها من إعادة ترتيب للعلاقة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة.
ويرى مؤيدو الرئيس أن هذه الإجراءات كانت ضرورية لتصحيح مسار فشل في تحقيق الاستقرار والتنمية ومواجهة الفساد، بينما يعتبر خصومه ومنظمات حقوقية أن البلاد شهدت تراجعًا في الضمانات الديمقراطية وتضييقًا على المعارضة والمجتمع المدني والإعلام.
ووثقت منظمات حقوقية خلال 2026 استمرار الضغوط على المعارضين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب تسجيل تراجع في مؤشرات استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، وتصنيف تونس ضمن الدول «الحرة جزئيًا».
ويرى المحامي والحقوقي صبري الثابتي أن المشكلة التي تكشفها قضية البوغديري تتجاوز الحكم المحتمل بالإدانة أو البراءة، وتتمثل في أزمة الثقة التي تحيط بمؤسسات الدولة، خصوصًا عندما ينقسم المجتمع حول دوافع كل ملاحقة قضائية.
ويؤكد الثابتي أن استقلال القضاء لا يقتصر على منع تدخل السلطة التنفيذية في الأحكام، بل يتطلب شعور المواطنين بأن القانون يطبق بالمعايير نفسها على الجميع، بصرف النظر عن هوية المتهم ومواقفه وعلاقاته.
كما يرى أن الأحكام ينبغي أن تكون واضحة ومعللة، وأن تحترم حقوق الدفاع وشفافية الإجراءات، لأن القضاء لا يعمل بمعزل عن المجتمع، ويحتاج إلى ثقة عامة لا يمكن بناؤها إلا بالإنصاف والمساواة والوضوح.
ويتفاقم هذا الاحتقان في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية تثقل كاهل التونسيين، بينها ارتفاع كلفة المعيشة والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وتعثر الاستثمار وضغوط المالية العامة، وهي أوضاع تجعل المجتمع أكثر حساسية تجاه قضايا الحرية والعدالة والكرامة.
وبلغ معدل البطالة 15.2 في المئة خلال 2025، فيما تشير التوقعات إلى وصول التضخم إلى نحو 6.5 في المئة خلال 2026، بما يضاعف الأعباء على الأسر ويقلص قدرة الدولة على احتواء الغضب الاجتماعي.
كما ارتفع العجز التجاري بنسبة 25 في المئة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، ليصل إلى 14.9 مليار دينار، أي نحو 5 مليارات دولار، مقابل 11.9 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وكان عجز ميزان الطاقة المحرك الأساسي لهذا الارتفاع، بعدما بلغ 7.9 مليارات دينار مقابل 6 مليارات في العام السابق، بينما ينخفض إجمالي العجز إلى 7 مليارات دينار عند استبعاد قطاع الطاقة.
وبين اعتقال رموز المعارضة والتحقيق مع ناشطين وتصاعد المؤشرات الاقتصادية السلبية، تبدو تونس أمام أزمة مركبة لا يمكن حلها بالإجراءات الأمنية والقضائية وحدها. فالاستقرار يتطلب قضاءً يحظى بالثقة، ومساحة آمنة للاحتجاج، واقتصادًا يمنح المواطنين أملًا حقيقيًا.

