تتجدد التوترات في جزيرة الوراق مع إعلان الأهالي تشكيل حركة «باقون في جزيرة الوراق»، بهدف تنظيم صفوف الرافضين لمغادرة منازلهم ومواجهة تداعيات تحويل الجزيرة إلى مجتمع عمراني جديد، بعد سبع سنوات من التجاذبات والصراع حول مصير الأرض والسكان.
ويأتي التحرك في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول مواد البناء، وتعطل خدمات إدارية ومدنية أساسية، وسط اتهامات للحكومة باستخدام الحصار الخدمي والتضييق العمراني لدفع الأهالي تدريجيًا إلى الرحيل، بينما يتمسك السكان بحقهم في البقاء والحصول على تطوير يحفظ ملكياتهم ولا ينتزعها منهم.
حركة جديدة لتنظيم الصمود
انطلقت حركة «باقون في جزيرة الوراق» وفق آلية تنظيمية مختلفة عن التحركات السابقة، إذ بدأ مؤسسوها بتشكيل نواة محدودة ومتماسكة قبل فتح الباب أمام انضمام باقي ملاك المنازل الراغبين في التمسك بالبقاء ورفض بيع ممتلكاتهم أو مغادرة الجزيرة.
وعقدت الحركة خلال أغسطس اجتماعًا شارك فيه نحو 60 عضوًا، ناقشوا خلاله تطورات الأزمة والمطالب المراد تقديمها إلى الجهات الحكومية، كما اتفقوا على صياغة لائحة موحدة تعبر عن احتياجات السكان وتضع إطارًا واضحًا للتفاوض مع جهاز تنمية مدينة الوراق الجديدة.
ومن المقرر تقديم المطالب إلى رئيس الجهاز، مع منحه مهلة لا تتجاوز أسبوعًا واحدًا للرد عليها بصورة واضحة وملموسة. ويعكس تحديد المهلة رغبة الحركة في الانتقال من الشكاوى المتفرقة إلى تحرك منظم يرتبط بجدول زمني ومطالب قابلة للمتابعة.
ويؤكد مؤسسو الحركة أن هدفهم ليس تعطيل تطوير الجزيرة، وإنما ضمان ألا يتحول المشروع إلى غطاء لإخلائها من سكانها الأصليين. ويرى الأهالي أن التنمية الحقيقية يجب أن تبدأ بتحسين ظروف معيشتهم وتوفير الخدمات، لا بتضييق الحياة عليهم حتى يصبح الرحيل خيارهم الوحيد.
وتسعى الحركة إلى توسيع عضويتها خلال المرحلة المقبلة لتضم مختلف مناطق الجزيرة، بما يسمح بتكوين جبهة شعبية قادرة على تمثيل الملاك والسكان في مواجهة القرارات التي تمس المنازل والأراضي وحق الأهالي في الاستقرار داخل مجتمعهم.
ويأتي تأسيس الحركة بعد سبع سنوات من النزاع المتواصل بين السكان والحكومة بشأن خطط تحويل الجزيرة إلى مدينة عمرانية جديدة. وخلال هذه السنوات، ظل الغموض يحيط بمصير الأهالي، وحدود التطوير، وآليات التعويض، والمناطق التي قد يسمح لهم بالبقاء داخلها.
ويخشى السكان أن يؤدي استمرار غياب المعلومات الرسمية المفصلة إلى فرض أمر واقع تدريجي، يبدأ بتعطيل البناء والخدمات وينتهي بإجبار الأهالي على قبول البيع أو الانتقال. لذلك يطالبون بضمانات مكتوبة تحفظ حقوقهم وتحدد مستقبلهم قبل تنفيذ أي إجراءات جديدة.
مطالب بالسكن والخدمات
يتصدر مطالب الحركة تخصيص مساحة مناسبة داخل الجزيرة لإقامة منطقة سكنية منظمة ومتكاملة المرافق لأهالي الوراق، بما يضمن استمرارهم في موطنهم وعدم نقلهم إلى مناطق بعيدة تقطع صلاتهم الاجتماعية ومصادر رزقهم وامتدادهم العائلي.
كما تطالب الحركة بالسماح بدخول مواد البناء إلى جميع مناطق الجزيرة بصورة شاملة ومنظمة، بعيدًا عن سياسة الانتقائية أو الموافقات الفردية. ويؤكد الأهالي أن منع مواد البناء يحرمهم من ترميم المنازل المتضررة وإصلاح ما يهدد سلامة أسرهم.
ويصف السكان القيود المفروضة على مواد البناء بأنها إحدى أبرز أدوات الضغط عليهم، إذ تؤدي مع مرور الوقت إلى تدهور حالة العقارات وتعذر صيانتها. وعندما يصبح المنزل غير صالح للسكن، يجد صاحبه نفسه أمام الاختيار بين البيع أو المغادرة.
ولا تقتصر مطالب الحركة على الملف العمراني، بل تشمل إعادة تفعيل الخدمات الإدارية والمدنية التي يحتاج إليها السكان يوميًا، وفي مقدمتها تسجيل المواليد واستخراج شهادات الوفاة وتوفير التطعيمات وخدمات تنظيم الأسرة وإعادة تشغيل مكتب البريد.
ويمثل تعطيل هذه الخدمات عبئًا مضاعفًا على الأهالي، وخصوصًا كبار السن وأصحاب المعاشات والنساء والأطفال، إذ يضطرون إلى مغادرة الجزيرة والتنقل إلى مناطق أخرى لإنجاز إجراءات أساسية يفترض أن تتوافر بالقرب من محل إقامتهم.
وتطالب الحركة أيضًا بمعالجة الأزمات البيئية المتراكمة، ومنها مخلفات البناء المنتشرة في بعض المناطق. ويرى السكان أن ترك هذه المخلفات من دون رفعها يزيد تدهور البيئة المحلية، ويكشف تناقضًا بين الحديث الرسمي عن التطوير وإهمال أبسط متطلبات النظافة والسلامة.
وتكشف أزمة الخدمات عن فجوة عميقة بين المخططات الحكومية المعلنة واحتياجات السكان الفعلية، إذ تركز الجهات الرسمية على مستقبل الجزيرة بوصفها مشروعًا عمرانيًا، بينما يواجه الأهالي في حاضرهم صعوبات تتعلق بالصحة والبريد والتطعيمات وصيانة المنازل.
مستشفى أهلي وصدامات متكررة
ودفع تراجع الخدمات سكان الوراق إلى البحث عن حلول ذاتية تضمن استمرار الحياة داخل الجزيرة. وكان من أبرز هذه التحركات إنشاء مستشفى بتمويل أهلي كامل خلال العام الماضي، عقب هدم المرفق الصحي الوحيد ضمن الإجراءات المرتبطة بخطة التطوير.
ويعكس تمويل الأهالي للمستشفى حجم الفراغ الذي خلفه غياب الخدمات الرسمية، إذ تحمل السكان بأنفسهم الأعباء المالية والتنظيمية لتوفير رعاية صحية أساسية. كما يكشف تمسكهم بالبقاء وقدرتهم على تنظيم مواردهم في مواجهة التهميش الخدمي.
وفي ملف مواد البناء، رفضت حركة «باقون في جزيرة الوراق» مقترحًا أمنيًا يقضي بالسماح بإدخالها إلى مناطق محددة فقط، وبعد إجراء معاينات فردية. واعتبرت أن المقترح لا يضمن المساواة بين ملاك العقارات في مختلف أنحاء الجزيرة.
وتطالب الحركة بوضع آلية عامة وشفافة تسمح بإدخال مواد البناء وفق قواعد معلنة، بدلًا من إخضاع كل حالة لتقديرات منفصلة قد تفتح الباب أمام الانتقائية والتعطيل. كما تؤكد أن ترميم المنازل حق مرتبط بسلامة السكان وليس منحة أمنية.
وقد تسبب تفتيش المركبات بحثًا عن مواد البناء في تكرار الاحتكاكات بين الأهالي وقوات الأمن، وكان آخرها ما شهده محيط معدية القللي بحي وراق الحضر، حيث اندلعت مواجهات وتراشق بالحجارة وسقط عدد من المصابين.
وتشير هذه المواجهات إلى أن معالجة القضية أمنيًا تزيد الاحتقان بدلًا من حل الأزمة. فكل نقطة تفتيش أو منع لشحنة بناء تتحول إلى مصدر جديد للصدام، بينما تبقى الأسباب الأساسية ممثلة في غياب الحوار والضمانات والخدمات بلا معالجة.
ويخشى الأهالي أن تؤدي المواجهات المتكررة إلى تصوير مقاومتهم للتهجير باعتبارها مشكلة أمنية، بينما يؤكدون أن تحركاتهم ترتبط بحقوق السكن والملكية والخدمات. ومن هنا تسعى الحركة الجديدة إلى نقل الصراع من ردود الفعل الميدانية إلى التفاوض المنظم.
وبين حصار مواد البناء وتعطل المرافق وغموض مخططات التطوير، تتمسك حركة «باقون في جزيرة الوراق» برسالة واضحة مفادها أن سكان الجزيرة ليسوا عقبة أمام التنمية، وأن أي مشروع يتجاهل وجودهم وحقوقهم يتحول من تطوير عمراني إلى اقتلاع اجتماعي.
وتدخل أزمة الوراق بذلك مرحلة جديدة، عنوانها تنظيم الأهالي لمقاومة الضغوط المتصاعدة، ووضع الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما تطوير يحفظ السكان ويعيد الخدمات ويضمن حقهم في البناء، أو استمرار نهج التضييق الذي يفاقم الغضب ويدفع الجزيرة إلى مزيد من الصدام.

