كشفت غرفة شركات السياحة المصرية ارتفاع أسعار برامج العمرة في مصر بنحو 15%، بما يقارب 5 آلاف جنيه للمعتمر، بعد إلزام الشركات بتوفير الإعاشة خلال الإقامة بالسعودية، ما يهدد بتراجع الطلب بين محدودي الدخل.
ويأتي القرار بينما تسحق موجات الغلاء القدرة الشرائية للمصريين، فتتحول العمرة تدريجيًا من شعيرة متاحة لشرائح شعبية إلى رحلة باهظة، فيما تكتفي الجهات المصرية بالمفاوضات المتأخرة بدل حماية المواطنين من زيادات مفاجئة لم يستعدوا لها.
زيادات تهدد المعتمرين
بدايةً، ربطت السلطات السعودية توثيق عقود العمرة وإصدار التأشيرات عبر منصة نسك بالتعاقد المسبق على الوجبات، ما جعل الإعاشة بندًا إجباريًا لا يستطيع المعتمر رفضه، حتى إذا كان يفضل تدبير طعامه بنفسه وبتكلفة أقل.
وبحسب التقديرات الأولية، تتراوح الزيادة المنتظرة بين 12% و15%، بينما تبدأ تكلفة الوجبات من نحو 30 ريالًا للفرد يوميًا، وهو مبلغ يتضاعف وفق مدة البرنامج وعدد الوجبات ومستوى المطاعم المتعاقدة مع الشركات.
وفي المقابل، لا يتحمل المعتمر تكلفة الطعام وحدها، إذ تشمل فاتورته تذاكر الطيران والسكن والتنقل والتأشيرة والتأمين والرسوم الإدارية، بما يجعل إضافة 5 آلاف جنيه ضربة جديدة لميزانية أنهكتها الأسعار وتراجع قيمة الجنيه.
إضافةً إلى ذلك، قد ترتفع كلفة بعض البرامج بأكثر من المتوسط المعلن، خصوصًا مع اختلاف مدد الإقامة ونوعية الوجبات ومواقع تقديمها، وعدم وجود سعر موحد يمنع المبالغة أو يتيح للمواطن مقارنة العروض قبل التعاقد.
ومن جانبه، قال وجيه القطان، عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة، إن البرامج بعد إضافة الإعاشة ستبدأ من نحو 38 ألف جنيه، موضحًا أن تكلفة الوجبات قد تتراوح بين 4 و8 آلاف جنيه وفق مدة الرحلة.
ووفقًا للقطان، ستقدم الشركات وجبتين يوميًا على الأقل، وهو ما يؤكد أن الزيادة ليست هامشية، بل بند مالي كامل يضاف إلى البرنامج، وقد يجعل سفر الأسرة المكونة من عدة أفراد بعيدًا عن قدراتها.
وبالتالي، فإن أسرة تضم 4 معتمرين قد تتحمل ما بين 16 و32 ألف جنيه مقابل الوجبات وحدها، قبل حساب الطيران والإقامة، وهي زيادة تكشف أن القرار لم يراع التفاوت الكبير بين دخول المواطنين.
علاوةً على ذلك، يضع الإلزام الشركات أمام إعادة تسعير برامج طرحت بالفعل، ما يفتح الباب لخلافات مع عملاء دفعوا مقدمات الحجز وفق أسعار سابقة، ثم وجدوا أنفسهم مطالبين بفروق لم تكن موجودة عند التعاقد.
وفي السياق نفسه، لا يبدو الاعتماد على بند داخل عقد طويل ضمانة كافية لحقوق المعتمر، ما لم تعلن مواصفات الوجبات ومواعيد تقديمها وجهات توريدها وآليات استرداد الأموال عند الإخلال بالخدمة أو تدني جودتها.
قرار مفاجئ وسوق مرتبك
غير أن الاعتراض الأساسي لا يتعلق بتوفير الطعام للمعتمرين، بل بتحويله إلى خدمة إجبارية وفرضها فجأة خلال موسم بدأت شركاته البيع، من دون مهلة انتقالية تمنح السوق والمواطنين فرصة ترتيب العقود والميزانيات.
كما أن تبرير الإجراء بمواجهة التسول والاصطفاف أمام أماكن الطعام الخيري يثير اعتراضًا إنسانيًا، لأن معالجة حالات محدودة لا تقتضي تحميل جميع المعتمرين تكلفة موحدة، ولا تسمح بالتعامل مع محدودي الدخل باعتبارهم مصدرًا للإحراج.
بدوره، حذر ناصر تركي، نائب رئيس الاتحاد المصري للغرف السياحية، من تزامن تطبيق الإعاشة مع ارتفاع تذاكر الطيران وزيادة تكاليف التأشيرة، مؤكدًا ضرورة معرفة المعتمر تفاصيل البرنامج والخدمات، وعدم الانخداع بالسعر المعلن وحده.
وبناءً على تحذير تركي، تصبح الشفافية واجبًا على الشركات والجهات المنظمة، فلا يجوز عرض سعر أولي منخفض ثم إضافة الوجبات والرسوم لاحقًا، لأن تلك الممارسة تحاصر المواطن بعد دفع المقدم واقتراب موعد السفر.
ومن ناحية أخرى، تحمل التصريحات المتداولة عن حماية كرامة المعتمرين تناقضًا واضحًا، إذ لا تُصان الكرامة بإجبار المواطن على شراء وجبة محددة، بل بضمان قدرته على الاختيار ومنع استغلاله وتوفير مساعدة محترمة لمن يحتاج إليها.
وفوق ذلك، يطبق الإجراء على القادمين من مصر والهند وباكستان وبنجلاديش، وهي أسواق تضم أعدادًا كبيرة من محدودي الدخل، ما يفتح التساؤل عن سبب اختيار هذه الجنسيات تحديدًا وربطها بمشكلة التسول والطعام الخيري.
وعليه، كان يمكن اعتماد بدائل أقل قسوة، مثل قصر الإلزام على البرامج الفاخرة، أو توفير باقات اختيارية، أو تطبيقه تدريجيًا، أو إنشاء صندوق دعم للمعتمرين غير القادرين بدل فرض تكلفة إضافية على الجميع.
في الوقت ذاته، تسعى غرفة شركات السياحة إلى إرجاء التنفيذ أو جعله اختياريًا خلال الموسم الحالي، لكن تحركها جاء بعدما دخلت الشركات بالفعل في التزامات تسويقية ومالية، وهو ما يعكس غياب التنسيق المبكر بين الجهات المعنية.
المواطن يدفع الثمن
أما باسل السيسي، عضو الجمعية العمومية لغرفة شركات السياحة، فتوقع زيادة أسعار العمرة بين 10% و15% نتيجة سعر الريال وارتفاع الإقامة وتأخر التعاقدات، معتبرًا أن إصدار الضوابط مبكرًا كان سيساعد على توفير برامج اقتصادية أفضل.
وبحسب رؤية السيسي، لا تنفصل أزمة الإعاشة عن اضطراب أوسع في السوق، فالتأخير في إعلان القواعد يمنع الشركات من التفاوض المبكر مع الفنادق ومقدمي الخدمات، ثم تنتقل فروق الأسعار كاملة إلى المعتمر المصري.
لهذا، تتحمل وزارة السياحة والآثار مسؤولية الدفاع عن المتعاقدين المصريين، عبر ضمان عدم تعديل السعر بعد دفع مقدم الحجز، وإلزام الشركات بكشف تفصيلي للتكاليف، والتفاوض للحصول على مهلة تحمي البرامج المباعة سابقًا.
ومن ثم، لا يكفي إصدار بيانات تتحدث عن اتصالات ومقترحات، لأن آلاف المواطنين يحتاجون إلى قرار واضح يحدد مصير حجوزاتهم، ومن يتحمل فرق السعر، وما إذا كان يحق لهم الانسحاب واسترداد أموالهم دون خصومات.
بالمثل، يجب إخضاع المطاعم ومقدمي الإعاشة لرقابة حقيقية، حتى لا يتحول الإلزام إلى سوق مغلقة تستفيد منها جهات محددة، بينما يحصل المعتمر على وجبات رديئة لا تتناسب مع المبلغ المضاف إلى برنامجه.
إلى جانب ذلك، ينبغي إعلان السعر الفعلي للوجبة وتكلفة التوصيل والعمولات والضرائب بصورة منفصلة، لأن جمعها داخل باقة واحدة يحجب هامش الربح، ويمنع المواطن من معرفة ما يدفعه مقابل كل خدمة.
وفي ضوء الأزمة الاقتصادية، قد تؤدي الزيادة إلى ركود البرامج الاقتصادية وعزوف شريحة واسعة عن السفر، بينما تظل البرامج الفاخرة أقل تأثرًا، وهو ما يوسع الفجوة بين القادرين وغير القادرين على أداء الشعيرة.
رغم ذلك، تستطيع الجهات المنظمة تحقيق هدفها دون إقصاء الفقراء، عبر وضع حد أقصى للسعر، وتوفير وجبات اقتصادية اختيارية، وإعفاء الحجوزات السابقة، ومنح المعتمر حق اختيار عدد الوجبات ومقدم الخدمة وفق احتياجاته.
في المحصلة، لا يصح علاج التسول بفاتورة جماعية يدفعها ملايين المعتمرين المحتملين، ولا يجوز أن تتحول التنظيمات إلى بوابة جديدة للربح، بينما يغيب صوت المواطن الذي يمول الرحلة ويتحمل وحده نتائج القرارات المفاجئة.
وأخيرًا، تكشف زيادة 5 آلاف جنيه أن المعتمر المصري هو الحلقة الأضعف بين الجهات السعودية والشركات والوزارة المصرية، فالجميع يقرر ويتفاوض ويعيد التسعير، بينما يطلب منه الدفع أو التخلي عن حلم ظل يدخر لتحقيقه سنوات.

