نشر ويليام أ. هازلتين، دكتوراه، مقالًا في «سايكولوجي توداي» تناول فيه الكيفية التي يؤثر بها الصراع في طريقة تنظيم الدماغ للعلاقات الاجتماعية وتخزينها في الذاكرة، مشيرًا إلى أن العداء قد يترك أثرًا عصبيًا أكثر وضوحًا من الصداقة. ويرى هازلتين أن الدماغ لا يكتفي بتذكر الأشخاص، بل يبني خريطة اجتماعية تحدد من يثق بالآخر، ومن ينافسه، ومن قد ينقلب عليه.
الصراع يرسم خريطة العلاقات داخل الدماغ
أجرى باحثون دراسة شملت 21 طالبًا جامعيًا لم يشاهدوا من قبل المسلسل التلفزيوني الدرامي «Suits». وقبل مشاهدة المسلسل، دخل المشاركون جهازًا لفحص الدماغ وشاهدوا صورًا لثمانية من الشخصيات الرئيسية. وبعد مشاهدة ست حلقات، خضعوا لفحص آخر، كما قيّموا قوة العلاقات بين كل زوج من الشخصيات، وما إذا كانت العلاقة ودية أم عدائية.
وأظهرت النتائج أن مشاهدة بضع ساعات من السرد القصصي قادرة على إعادة تشكيل استجابة الدماغ لوجوه غير مألوفة. فمعرفة قصص الشخصيات وعلاقاتها جعلت الاستجابات الدماغية تجاهها أكثر تمايزًا، بينما ظهرت العلاقات العدائية بصورة أوضح في الأنماط العصبية مقارنة بعلاقات الصداقة.
ويشير ذلك إلى أن الدماغ لا ينظر إلى الأشخاص باعتبارهم أفرادًا منفصلين، وإنما يضع كل شخص داخل شبكة اجتماعية تحدد موقعه باعتباره صديقًا أو منافسًا أو حليفًا أو غريبًا أو مصدرًا محتملًا للخطر.
الدماغ يخزن العلاقات ولا يتذكر الأشخاص وحدهم
قبل مشاهدة المسلسل، لم يكن المشاركون يعرفون شيئًا عن الشخصيات. لكن بعد ست حلقات فقط، أصبحت الصورة الواحدة للشخصية مرتبطة بسيرة اجتماعية كاملة تتضمن الولاء والطموح والخيانة والصراع.
وأصبحت استجابات الدماغ تجاه الشخصيات أكثر وضوحًا بعدما تعرّف المشاركون إلى قصصها. وبدا أن كل شخصية اكتسبت موقعًا أكثر تحديدًا داخل خريطة اجتماعية داخلية، وهو ما يعكس الطريقة التي نكتسب بها المعرفة الاجتماعية في حياتنا اليومية.
فنحن نادرًا ما نفهم شخصًا بمعزل عن الآخرين، بل ندركه من خلال علاقاته وموقعه داخل شبكة اجتماعية؛ فقد يكون صديقًا أو خصمًا أو حليفًا أو شخصًا منبوذًا أو تهديدًا محتملًا.
ولآلاف السنين، ساعدت هذه القدرة البشر على التعامل مع المجتمعات الصغيرة التي ارتبط فيها البقاء بمعرفة العلاقات داخل شبكة اجتماعية محدودة. ورغم أن الحياة الحديثة أحاطتنا بشبكات اجتماعية أكبر وأكثر تعقيدًا، يواصل الدماغ تحويل هذه الفوضى الاجتماعية إلى خريطة يمكنه التعامل معها.
وأبرزت الدراسة تغيرات واضحة لدى المشاركين عند مشاهدة الشخصيات المرتبطة بعلاقات عدائية. وأظهرت أنماط النشاط في مناطق من الفص الجبهي والفص الجداري بالدماغ تزايد ارتباطها بالعداء بعد مشاهدة المسلسل. وتساعد هذه المناطق الإنسان على تفسير الدوافع، والنظر إلى الأمور من منظور الآخرين، وتقييم السلوك الاجتماعي، وفهم العلاقات بين الأشخاص.
ويرجح الباحثون أن الدماغ يمنح العداء مساحة خاصة لأنه يتطلب قدرًا أكبر من التنبؤ. فالصراع قد يغير معنى شبكة اجتماعية بأكملها، ولذلك ربما يمنح العقل المنافسة والخصومة مكانة أكثر وضوحًا في الذاكرة مقارنة بعلاقات الصداقة.
كيف تدرب القصص الدماغ على فهم العلاقات الاجتماعية؟
لا تحتاج هذه الخرائط العقلية إلى تجربة مباشرة حتى تتشكل. فالمشاركون لم يلتقوا الشخصيات قط، ومع ذلك كوّن الدماغ لديهم تمثيلات مفصلة للعلاقات التي تجمع بينها.
وتتيح القصص للإنسان محاكاة الحياة الاجتماعية دون خوض جميع مخاطرها بصورة مباشرة. إذ تقدم الدراما مجتمعًا مصغرًا ومكثفًا خلال ساعات قليلة، فيراقب المشاهد تحالفات تتشكل، وأسرارًا تنتشر، وخصومات تتصاعد. ورغم أن المخاطر تخص شخصيات خيالية، فإن الدماغ يبذل جهدًا حقيقيًا لفهم دوافعها وتوقع تصرفاتها.
وقد يفسر ذلك جانبًا من سبب قضاء البشر وقتًا طويلًا في متابعة القصص والروايات والمسرحيات والأعمال التلفزيونية وحتى النميمة والأساطير. فهذه الأشكال المختلفة من السرد تحاكي الواقع الاجتماعي، وتدرب الإنسان على تتبع الدوافع، وتوقع الخيانة، واتخاذ قرارات بشأن الأشخاص الذين يمكن الوثوق بهم.
وتتجاوز هذه النتائج عالم التلفزيون، إذ كثيرًا ما ينظر الناس إلى الصراع باعتباره فشلًا في تنظيم العلاقات الاجتماعية، بينما قد يؤدي العداء دورًا في تنظيم الجماعات بقدر ما يؤدي التعاون هذا الدور. وربما يجد الدماغ هذه الانقسامات مفيدة لأنها تقلل حالة عدم اليقين، وتجعل العالم الاجتماعي المعقد أكثر سهولة بمجرد رسم خطوط واضحة بين الولاء والصراع.
لكن هذا الاختصار الذهني قد يتحول أيضًا إلى مشكلة. فعندما يستخدم الدماغ العداء باعتباره نقطة مرجعية، قد يستمر في تفسير المعلومات الجديدة من خلال هذا الصراع. وقد يؤدي ذلك إلى استمرار الضغائن والاستقطاب والصراعات المتوارثة.
وتخلص الدراسة إلى أن القدرة نفسها التي تساعد الإنسان على اكتشاف المخاطر الاجتماعية وفهمها قد تحبسه أحيانًا داخل انقسامات قديمة. وربما لهذا السبب تمتلئ القصص بالأعداء، وتبقى الصراعات في الذاكرة فترة أطول من لحظات الانسجام.
فالدماغ لا يكتفي بفهرسة الأشخاص الذين نلتقيهم، بل يبني منهم عالمًا اجتماعيًا متكاملًا، وقد يشكل العداء أحد أوضح الإحداثيات التي يستخدمها لرسم هذا العالم.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/best-practices-in-health/202608/why-the-brain-remembers-enemies-better-than-friends

