لم تكن مذبحة رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013 مجرد حدث دموي عابر انتهى بانفضاض الاعتصام، بل تحولت، وفق قراءات متقاطعة أرسلها باحثون وكتاب وقوى من مشارب مختلفة، إلى نقطة تأسيس لنمط حكم جديد اتسعت فيه الاعتقالات وأحكام الإعدام وأغلقت مساحات العمل العام، بينما تمددت الأجهزة الأمنية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

 

وبعد 13 عامًا، تبدو آثار تلك اللحظة حاضرة في بنية الدولة أكثر من حضورها كذكرى تاريخية فقط، إذ يربط محللون بين ما جرى في رابعة وبين تراجع المجال العام وتهميش المعارضة وتدجين الإعلام وتآكل الأطر الوسيطة، حتى صار السؤال الأهم ليس ماذا حدث يوم الفض، بل ماذا صنع الفض في مصر بعده.

 

الميلاد الدموي للثورة المضادة

 

يقدم بيان الاشتراكيين الثوريين قراءة تعتبر 14 أغسطس 2013 لحظة تأسيس للنظام الذي تبلور بعد ذلك، إذ لا ينظر إلى المذبحة باعتبارها عملية أمنية لإنهاء اعتصام، بل باعتبارها إعلانًا بأن زمن الاحتجاج المفتوح الذي ولد مع ثورة يناير قد انتهى.


 

 

ومن هذا المنظور، كانت الرسالة موجهة إلى المجتمع بأكمله لا إلى المعتصمين وحدهم، مفادها أن الاعتراض الواسع على السلطة قد يقابل بعنف غير مسبوق، وأن إعادة بناء الدولة بعد 2013 ستقوم على استعادة الخوف بوصفه أداة للضبط.

 

ويرى البيان أن الطبقة الحاكمة بمكوناتها المختلفة، من الجيش والأجهزة الأمنية إلى قطاعات من القضاء ورجال الأعمال والإعلام، وجدت في سحق الاعتصامات فرصة لإعادة تثبيت امتيازاتها وإنهاء المساحات التي فتحتها ثورة يناير أمام الاحتجاج والتنظيم والمساءلة.

 

كما يوجه النص نقدًا إلى القوى التي دعمت الفض أو بررته تحت شعار مواجهة الإرهاب، معتبرًا أن كثيرًا منها لم يدرك أن آلة القمع التي بدأت ضد خصم سياسي بعينه ستتوسع لاحقًا لتطال كل من يخرج عن حدود المشهد المسموح به.

 

وفي الوقت نفسه، لا يعفي البيان جماعة الإخوان المسلمين من مسؤولية أخطاء سياسية سابقة أسهمت في تعقيد المشهد، لكنه يرفض استخدام تلك الأخطاء لتبرير ما جرى في رابعة أو لإسقاط المسؤولية عن العنف الواسع الذي تبعها.

 

وبحسب هذه القراءة، فإن جوهر ما جرى بعد رابعة هو تحويل الاستثناء إلى قاعدة، بحيث لم يعد استخدام القوة والاعتقال والحبس والمحاكمات الواسعة ردًا مؤقتًا على أزمة، بل أصبح جزءًا من طريقة إدارة الدولة لعلاقتها مع المعارضة.

 

ومن هنا، يصبح الحديث عن استعادة المجال العام مرتبطًا بإعادة بناء النقابات والأحزاب والجامعات والحركات الاجتماعية، لأن هذه المساحات تمثل، في نظر الاشتراكيين الثوريين، الحواجز التي تمنع السلطة من التحول إلى حضور منفرد يهيمن على المجتمع كله.

 

وتخلص هذه المقاربة إلى أن رابعة لم تنه احتجاجًا فقط، بل أنهت مرحلة كان فيها المجتمع قادرًا على فرض نفسه طرفًا في المعادلة، وبدأت مرحلة جديدة أصبح فيها الاحتجاج ذاته موضع اشتباه والمجال العام مساحة محاصرة.

 

الذاكرة في مواجهة النسيان

 

ينطلق الكاتب محمد إلهامي من زاوية مختلفة، لكنه يصل إلى نتيجة متقاربة، إذ يعتبر أن ما جرى في رابعة لا يجوز التعامل معه كصفحة طويت، لأن ما أعقبه من تحولات في الدولة والمجتمع يمثل امتدادًا مباشرًا لتلك اللحظة.

 

ويصف إلهامي السنوات التالية بأنها عشرية سوداء، لا بمعنى الزمن فقط، بل باعتبارها مرحلة اتسعت فيها دائرة القمع بالتوازي مع أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وهو ما يجعله يربط بين العنف المادي والعنف المعيشي الذي أصاب قطاعات واسعة.

 

ومن هذا المنطلق، تتحول الذاكرة عنده إلى فعل مقاومة، لأن نسيان المذبحة أو فصلها عن نتائجها اللاحقة يعني، وفق رؤيته، قبول الرواية التي تريد اختزالها في خلاف سياسي انتهى بمجرد فض الميدان.

 

ويقول إلهامي إن الدولة التي قبضت على البلد وأغلقت منافذ المعارضة لم تمنح المصريين استقرارًا حقيقيًا، بل دفعتهم، بحسب تعبيره، إلى مزيد من الفقر والبؤس والقهر، وهو ما يجعله يرى أن القمع لم ينتج دولة أكثر قوة بقدر ما أنتج مجتمعًا أكثر إنهاكًا.

 

وتتجاوز قراءته حدود مصر حين يعتبر أن رابعة كشفت شبكة أوسع من المصالح الإقليمية والدولية التي دعمت مسار 2013، وهو ما يضع المذبحة عنده في سياق صراع على شكل الدولة والهوية وطبيعة المجال العام.

 

وفي المقابل، يقدم تقرير نون بوست مقاربة أكثر بنيوية، إذ يقارن التجربة المصرية بتجارب سلطوية تاريخية شهدت استخدام الدولة للعنف الواسع ضد مواطنيها من أجل حماية النظام وضمان بقائه.

 

https://t.co/xuItPHyDO7

 

ويرى التقرير أن أخطر ما بعد رابعة هو تآكل الحواجز التي كانت تفصل بين السلطة والمجتمع، فالأحزاب ضعفت والمؤسسات المدنية تقلصت والبرلمان فقد جانبًا كبيرًا من قدرته المستقلة، بينما توسع الدور المباشر للأجهزة الأمنية في إدارة الحياة العامة.

 

وبحسب هذه القراءة، فإن الدولة تتحول إلى مصدر تهديد لمواطنيها عندما يصبح البقاء في السلطة هو الهدف الأعلى، وحينها لا تعود المؤسسات محكومة بوظيفتها الأصلية في حماية المجتمع، بل يعاد توظيفها لحماية النظام نفسه من خصومه.

 

ويربط التقرير بين غياب المحاسبة واستمرار القمع، إذ إن توفير الحصانة لمنفذي العنف يخلق بيئة تشجع على تكراره، بينما يؤدي غياب الرقابة إلى تحويل الممارسات الاستثنائية إلى نمط مستقر يصعب تفكيكه لاحقًا.

 

معركة من أجل شكل الدولة

 

يقدم المفكر رفيق حبيب الإطار الأكثر شمولًا لفهم التحول الذي أحدثته رابعة، إذ يرى أن ما جرى نقل مصر من مرحلة التدافع السياسي على قواعد التحول الديمقراطي إلى مرحلة أخرى تقوم على صراع وجودي بين السلطة وخصومها.

 

https://rafikhabib.com/2015/08/

 

ويشرح حبيب أن الفرق بين المرحلتين جوهري، ففي مرحلة التحول الديمقراطي يمكن التفاوض والتراجع والتقدم عبر السياسة، بينما في المعركة الوجودية تصبح الخيارات صفرية، ويغدو كل طرف مطالبًا بالانتصار الكامل أو مواجهة الهزيمة الشاملة.

 

ومن هذه الزاوية، لم تعد الدولة بعد رابعة ساحة لإدارة التعدد، بل تحولت إلى أداة لحماية بنية السلطة، وهو ما يفسر، بحسب تحليله، التوسع في الاعتقالات وأحكام الإعدام وإغلاق المجال العام والاعتماد المتزايد على الحلول الأمنية.

 

ويرى حبيب أن الانقلاب الخشن لم يكتف بإقصاء الإخوان المسلمين، بل أعاد تعريف العلاقة بين الدولة وكل القوى الاجتماعية والسياسية، بحيث أصبح النشاط المستقل في حد ذاته مصدر قلق، سواء كان نقابيًا أو حزبيًا أو إعلاميًا أو جامعيًا.

 

وهنا تتقاطع رؤيته مع الاشتراكيين الثوريين رغم الاختلاف الفكري الكبير بين الطرفين، إذ يتفق كلاهما على أن الهدف تجاوز تصفية اعتصام بعينه إلى إعادة هندسة المجال العام بما يمنع تكرار اللحظة التي ولدتها ثورة يناير.

 

كما تتقاطع مع قراءة إلهامي في أن آثار المذبحة لم تتوقف عند القتل والاعتقال، بل امتدت إلى الاقتصاد والمجتمع والوعي العام، بعدما أصبح الخوف من العقاب عنصرًا حاكمًا في سلوك قطاعات واسعة من الناس.

 

وبهذا المعنى، فإن عبارة المذبحة لم تنته لا تستخدم هنا بوصفها شعارًا، بل كتوصيف لمسار بدأت حلقاته بالفض واستمرت في صورة مؤسسات أكثر انغلاقًا، ومعارضة أضعف، وإعلام أكثر ضبطًا، ومساحات عامة أقل قدرة على إنتاج بدائل.

 

وبعد 13 عامًا، تظل رابعة نقطة مرجعية لفهم شكل الدولة المصرية الحالية، ليس لأنها أكبر لحظة عنف منفردة فقط، بل لأنها كشفت الاتجاه الذي ستسلكه السلطة لاحقًا في إدارة الاختلاف والاحتجاج والمعارضة.

 

والخلاصة التي تجمع هذه القراءات، رغم اختلاف منطلقاتها، أن 14 أغسطس 2013 لم يكن نهاية أزمة، بل بداية نظام طويل الأثر أعاد توزيع القوة داخل الدولة، وأضعف المجتمع، وحول الخوف من استثناء طارئ إلى أحد أدوات الحكم الأساسية.