تخطط وزارة البترول والثروة المعدنية لتجديد 5 خطوط لنقل المازوت إلى محطات الكهرباء خلال العام المالي 2026-2027 باستثمارات تبلغ 240 مليون دولار، بعد هجوم دمياط الذي خفض إمدادات الغاز وفرض الاعتماد على وقود بديل لضمان استمرار التوليد.
كما أن التحرك الجديد يكشف حجم هشاشة منظومة إمدادات الطاقة، بعدما اضطرت الدولة إلى العودة المكثفة للمازوت لتجنب اضطراب الكهرباء، بينما يتحمل المواطن في النهاية كلفة الاستيراد والتشغيل وتداعيات أزمة لم تمنعها سنوات من الوعود بالاكتفاء.
ولزيادة الضغط، تراجعت كميات الغاز الموجهة لمحطات الكهرباء التقليدية بنحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا عقب هجوم دمياط، ما دفع وزارة البترول إلى تعويض النقص بالمازوت للحفاظ على معدلات إنتاج الكهرباء خلال ذروة الاستهلاك الصيفي.
وبالتالي، قفز استهلاك المازوت إلى نحو 30 ألف طن يوميًا بعد الحادث، أي قرابة ثلاثة أضعاف المستويات المعتادة، في مؤشر يكشف سرعة انتقال قطاع الكهرباء من الغاز إلى الوقود الثقيل عند أول اضطراب كبير في الإمدادات.
ومن ثم، تستهدف الخطة تجديد خطوط تربط معامل التكرير في الإسكندرية ومسطرد والسويس وأسيوط والقاهرة بمحطات التوليد، بما يسمح بضخ المازوت مباشرة إلى وحدات الكهرباء ويقلل مخاطر تعطل الإمدادات عند تراجع تدفقات الغاز.
علاوة على ذلك، يتراوح استهلاك السوق المحلية من المازوت في الظروف المعتادة بين 8 و10 آلاف طن يوميًا، بينما يقفز خلال الذروة إلى ما بين 28 و30 ألف طن نتيجة الحر الشديد أو نقص الغاز.
غير أن الإنتاج المحلي يغطي ما بين 75 و85% من احتياجات المازوت، ما يعني أن القفزات الكبيرة في الاستهلاك تفتح بابًا جديدًا أمام الاستيراد بعقود قصيرة الأجل وتضيف ضغوطًا مالية إلى فاتورة الطاقة المتصاعدة.
وفي الوقت نفسه، تعاني مصر فجوة واضحة بين إنتاج الغاز البالغ نحو 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا واستهلاك يصل إلى 6.2 مليار، وهو عجز يعمق الاعتماد على الواردات ويجعل الكهرباء أكثر حساسية لأي اضطراب خارجي.
وبحسب خبراء الطاقة، فإن الاعتماد على وقود احتياطي ضرورة تشغيلية في أوقات الطوارئ، لكن تحوله إلى حل واسع ومتكرر يكشف أن الأزمة لم تعد عارضة، بل ترتبط بتراجع إنتاج الغاز وغياب هامش أمان كافٍ.
المازوت حل أكثر كلفة
ويرى المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن المازوت أقل كفاءة وأعلى تكلفة من الغاز في تشغيل محطات الكهرباء، وهو ما يجعل التوسع في استخدامه حلًا اضطراريًا لا يعالج جذور نقص الإمدادات.
وبناءً على ذلك، فإن تخصيص 240 مليون دولار لتجديد خطوط المازوت قد يضمن استمرارية التوليد، لكنه يطرح سؤالًا أوسع حول كلفة تأمين الوقود البديل مقارنة باستعادة إنتاج الغاز ورفع كفاءة منظومة الإمدادات المحلية.
ومن ناحية أخرى، تؤكد التجربة الحالية أن المحطات القادرة على العمل بوقود مزدوج تمنح الدولة هامشًا تشغيليًا مهمًا، إلا أن هذا الهامش يتحول إلى عبء عندما يصبح المازوت جزءًا أساسيًا من التشغيل لفترات طويلة.
وفي المقابل، يعني الاعتماد المتزايد على المازوت ارتفاع الحاجة إلى النقل والتخزين والمخزون الاستراتيجي، فضلًا عن تحمل كلفة إضافية كلما تجاوز الاستهلاك المحلي قدرات المصافي واضطرت الحكومة إلى اللجوء للاستيراد.
وعلى صعيد آخر، لا تنفصل الأزمة عن تراجع إنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبحت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك واسعة بما يكفي لإجبار الحكومة على البحث المستمر عن شحنات مستوردة ووقود بديل.
لهذا، فإن تجديد الخطوط الخمسة يعالج جانبًا لوجستيًا مهمًا، لكنه لا يقدم وحده حلًا لمشكلة الطاقة الأساسية، وهي نقص الغاز المحلي وارتفاع تعرض قطاع الكهرباء لصدمات الإمداد الخارجية بصورة متكررة ومكلفة.
أمن الإمدادات تحت الضغط
ويؤكد الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن إدارة ملف الكهرباء تحتاج إلى قدر كبير من الكفاءة والتخطيط، خصوصًا مع حساسية توافر الوقود وتأثير أي نقص مباشر في قدرة المحطات على العمل.
وفي ضوء ذلك، يكشف هجوم دمياط أن البنية التحتية للطاقة أصبحت مطالبة بخطط بديلة أكثر تنوعًا، لأن فقد جزء من إمدادات الغاز في نقطة واحدة دفع سريعًا إلى زيادة استهلاك المازوت بمعدلات استثنائية.
وعليه، فإن الاعتماد على سفن التغويز والغاز المستورد يظل معرضًا لمخاطر فنية وأمنية وإقليمية، ما يجعل تنويع مصادر الوقود ضروريًا، لكنه لا يلغي الحاجة إلى رفع إنتاج الغاز المحلي بصورة مستدامة.
وفوق ذلك، تحمل موجات الحر قطاع الكهرباء ضغطًا مزدوجًا، إذ ترتفع الأحمال في الوقت الذي تحتاج فيه المحطات إلى كميات أكبر من الوقود، وهو ما يفسر القفزات الكبيرة في استهلاك المازوت خلال فترات الذروة.
وبالتوازي، فإن أي زيادة في واردات الوقود تعني ضغطًا إضافيًا على العملة الأجنبية، خاصة مع احتياج الدولة إلى تدبير شحنات غاز ومازوت في الوقت نفسه للحفاظ على الإمدادات وعدم العودة إلى تخفيف الأحمال.
وبهذا المعنى، تتحول فاتورة تأمين الكهرباء إلى عبء أوسع على الاقتصاد، لأن كل تراجع في إنتاج الغاز المحلي يفتح مسارًا جديدًا للإنفاق على الاستيراد والبنية التحتية والبدائل الطارئة بدل توجيه الموارد للاستثمار الإنتاجي.
فجوة الغاز تتسع
ويقول الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن مصر تحتاج إلى التوسع في البحث والتنقيب بالتوازي مع تنمية الطاقة المتجددة، باعتبار ذلك الطريق الأكثر أمانًا لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.
وانطلاقًا من ذلك، فإن تجديد خطوط المازوت يجب أن يظل جزءًا من خطة احتياطية لا بديلًا عن معالجة أسباب العجز في الغاز، لأن استمرار الفجوة الحالية سيبقي قطاع الكهرباء رهينة للتقلبات الخارجية.
وفضلًا عن ذلك، تكشف الأزمة أن تأمين الكهرباء لم يعد مرتبطًا بقدرة المحطات وحدها، بل بتوافر الوقود وشبكات نقله ومصادر الاستيراد وقدرة الدولة على تحمل تكلفته عند كل اضطراب إقليمي أو عالمي.
أما على مستوى المواطنين، فإن أي ارتفاع طويل في كلفة إنتاج الكهرباء يظل مرشحًا للانعكاس على الموازنة والأسعار والخدمات، حتى لو نجحت الحكومة مؤقتًا في منع الانقطاعات والحفاظ على تشغيل المحطات.
وفي النهاية، تعكس استثمارات 240 مليون دولار في خطوط المازوت محاولة لتأمين حل سريع بعد هجوم دمياط، لكنها في الوقت نفسه تكشف ثمن الاعتماد على بدائل مكلفة حين يتراجع الغاز المحلي عن تلبية الاحتياجات.
وعند جمع المؤشرات، تبدو الأزمة أبعد من مجرد تجديد 5 خطوط، فهي تكشف فجوة إنتاج وارتفاع استهلاك واعتمادًا متزايدًا على الاستيراد، بما يضع أمن الطاقة أمام اختبار يتطلب حلولًا دائمة لا استجابات طارئة.

