تتفاعل الأوساط المصرية بغضب مع تقارير حديثة عن إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية في جنوب قطاع غزة، على بُعد بضعة كيلومترات فقط من الحدود المصرية. ويرى مراقبون مصريون أن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في هذه المنطقة القريبة من الحدود الفلسطينية مع سيناء، الإقليم المصري الواقع شمال شرقي البلاد والذي يتاخم غزة وإسرائيل، يشكل انتهاكًا واضحًا للتفاهمات السياسية والأمنية بين القاهرة وتل أبيب.
ونقل العربي الجديد عن الباحث السياسي المصري إسلام منسي قوله إن هذه الخطوة تمثل، على نحو خاص، انتهاكًا لاتفاق فيلادلفيا المبرم عام 2005. وأعرب منسي عن أمله في أن تقدم مصر شكوى رسمية إلى القوة متعددة الجنسيات والمراقبين، التي أُنشئت بموجب بروتوكول عام 1981 لمتابعة تنفيذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، لإثبات الانتهاك الإسرائيلي والعمل على وقفه.
تحصينات إسرائيلية تعزز مخاوف الوجود العسكري الدائم في غزة
شهد جنوب قطاع غزة أنشطة واسعة للجيش الإسرائيلي، شملت أعمالًا ترابية وسواتر وخنادق وطرقًا وتحصينات لمواقع عسكرية، وفق تقارير إعلامية عدة.
وأشارت بعض التقارير إلى استمرار أعمال الهندسة الإسرائيلية بالتزامن مع تعثر إزالة أنقاض المباني وإعادة الإعمار في أجزاء من مدينة رفح جنوبي القطاع.
ويرجح بعض المراقبين ارتباط هذه الأنشطة بتوسيع المواقع العسكرية الإسرائيلية القائمة في المنطقة، وليس بإنشاء قواعد جديدة. غير أنهم يرون في الوقت نفسه أن أعمال التوسعة تؤكد وجود خطة لدى تل أبيب لإبقاء حضور عسكري دائم في غزة على الحدود المصرية.
ولم تصدر القاهرة حتى الآن تعليقًا رسميًا على التقارير التي تتحدث عن إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية جديدة أو توسيع مواقع قائمة في رفح.
ويركز القلق داخل مصر بصورة أساسية على الاتفاقات والتفاهمات السياسية والأمنية التي تنظم النشاط والانتشار العسكري في المناطق الواقعة على امتداد الحدود المصرية مع غزة.
ووقّع اتفاق فيلادلفيا في الأول من سبتمبر 2005، عقب ما وصفته إسرائيل آنذاك بـ«الانسحاب الأحادي الجانب» من غزة، وأسند الاتفاق إلى السلطة الفلسطينية مهمة تأمين الحدود بين غزة وسيناء.
ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من محور فيلادلفيا، وهو شريط ضيق يبلغ عرضه نحو 100 متر وطوله قرابة 14 كيلومترًا، ويمتد بمحاذاة كامل الحدود بين غزة ومصر.
وأضاف الاتفاق قيودًا على النشاط والوجود العسكريين على الحدود المصرية الإسرائيلية، وهي قيود كرّستها أيضًا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، باعتبارها أول معاهدة سلام بين دولة عربية وإسرائيل.
وأنشأت المعاهدة، التي وُقعت بعد نحو ست سنوات من الحرب المصرية لتحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، مناطق منزوعة السلاح على امتداد الحدود المصرية الإسرائيلية، كما حددت أعداد القوات المسموح بوجودها على جانبي الحدود.
ويرى محللون مصريون أن الوجود العسكري الإسرائيلي في محور فيلادلفيا ينتهك كذلك روح الترتيبات الأمنية أو بنودها، فضلًا عن تعارضه مع تأكيد معاهدة السلام على حرمة الحدود.
محور فيلادلفيا يشعل تبادل الاتهامات بين القاهرة وتل أبيب
سيطرت إسرائيل على محور فيلادلفيا ومعبر رفح الحدودي بين غزة ومصر في مايو 2024، بعد نحو ثمانية أشهر من شنها حربها المدمرة على قطاع غزة.
وبررت الحكومة الإسرائيلية آنذاك الخطوة بأنها تستهدف منع إعادة تسليح حركة حماس عبر الأنفاق الممتدة على الحدود بين غزة وسيناء.
لكن مصر أدانت الخطوة ووصفتها بأنها «تصعيد خطير»، وحذرت عبر القنوات الدبلوماسية من أن العملية تعرض معاهدة السلام المبرمة مع إسرائيل للخطر.
وجاء تبادل الاتهامات في وقت انتقد فيه مسؤولون وخبراء إسرائيليون ما وصفوه بالتعزيز العسكري المصري في سيناء، ولا سيما في المنطقة الحدودية منزوعة السلاح، متهمين القاهرة بانتهاك معاهدة السلام.
وبرزت إحدى أبرز الانتقادات الإسرائيلية خلال اجتماع عقد في القدس بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في سبتمبر 2025، بحسب تقارير.
وطالب نتنياهو، خلال الاجتماع، وزير الخارجية الأميركي بالضغط على مصر لسحب البنية التحتية والمنشآت العسكرية التي أقامتها في سيناء خلال السنوات الأخيرة.
كما أثار السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر القضية نفسها العام الماضي، محذرًا من إمكانية استخدام القواعد العسكرية المصرية في سيناء لتنفيذ عمليات هجومية.
ويرى محللون أمنيون مصريون أن على القاهرة تعزيز إجراءاتها الأمنية في سيناء لمنع تداعيات الفوضى في غزة وحماية منطقة تقع على مقربة من واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، وهي قناة السويس.
وقال اللواء المصري المتقاعد محمد الغباري لـ«العربي الجديد» إن هذه الإجراءات ضرورية لأمن سيناء، الذي لا ينفصل عن الأمن القومي المصري.
وأضاف الغباري أن مصر تتحرك في ظل مخاوف من تسلل مسلحين من غزة، فضلًا عن مخاوفها من خطة إسرائيلية لتهجير سكان القطاع إلى سيناء.
الوجود العسكري الإسرائيلي يهدد اتفاق وقف إطلاق النار
تأتي حالة الغضب المصرية من إنشاء مواقع عسكرية إسرائيلية أو توسيعها في غزة قرب حدود سيناء في ظل تصاعد التوتر بين القاهرة وتل أبيب، وفق مراقبين.
وساهمت مصر، إلى جانب الوسطاء الآخرين، الولايات المتحدة وقطر وتركيا، في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الحالي في غزة خلال أكتوبر من العام الماضي.
وينص الاتفاق، الذي أوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية الكبرى في القطاع، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي الفلسطينية التي دمرتها الحرب، تمهيدًا لبدء إعادة الإعمار والتعافي.
لكن إسرائيل رفضت خلال الأشهر الماضية تقليص انتشارها العسكري في الأراضي الفلسطينية، بعدما فرضت سيطرتها على أكثر من 70% من مساحة القطاع، وذلك قبل أن تتخلى حماس عن أسلحتها، وفق التقرير.
وأقنع وسطاء الهدنة، إلى جانب مجلس السلام الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإشراف على تنفيذ خطة وقف إطلاق النار في غزة، حماس وفصائل أخرى بنزع سلاحها الشهر الماضي.
غير أن الخطوة لم تدفع الحكومة الإسرائيلية إلى التخلي عن خطتها للإبقاء على وجود عسكري في غزة، ما زاد من حدة التوتر في العلاقات مع القاهرة، بحسب محللين.
وقال منسي إن إسرائيل تريد نزع سلاح حماس بالكامل قبل تنفيذ أي انسحاب لقواتها من القطاع.
وأضاف أن إسرائيل تستخدم تشديد قبضتها العسكرية على غزة كورقة ضغط سياسية لضمان تنفيذ شروطها.
وأوضح أن ذلك يفسر استمرارها في توسيع نطاق وجودها العسكري داخل القطاع، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة وتوسيع المواقع القائمة.
https://www.newarab.com/news/egypt-fumes-israel-fortifies-gaza-base-just-miles-sinai

