أعلن رئيس مجلس ورراء الانقلاب مصطفى مدبولي أن الحكومة لا تقيس نجاحها بإنفاق 450 مليار جنيه على المشروعات، بل بمدى رضا المواطن وتحسن الخدمات، لتفجر تصريحاته موجة انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، ربطت ردود غاضبة بين حديث الرضا وبين واقع يراه أصحابها مثقلا بالغلاء وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف العلاج والسكن والخدمات، معتبرين أن المواطن لا يحتاج مؤشرات دعائية بقدر حاجته إلى أثر ملموس في حياته.
وبداية، تكشف تصريحات مدبولي أن الحكومة تعترف ضمنيا بأن حجم الإنفاق وحده لا يكفي لإثبات نجاح المشروعات، وهو معيار يبدو منطقيا، لكنه يتحول إلى موضع مساءلة حين يطالب المواطن بنتيجة يمكن قياسها في ميزانيته اليومية.
وعلى الجانب الآخر، جاءت التفاعلات الستة التي أوردها ناشطون ومعلقون لتقدم صورة شديدة السلبية عن مستوى الثقة في الخطاب الحكومي، إذ انصبت معظمها على الأسعار والدولار والديون والشعور بعدم الاستفادة المباشرة من المشروعات.
وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار تعليقات المنصات استطلاعا علميا للرأي العام، لكنها تظل مؤشرا على طبيعة الغضب المتداول، خصوصا عندما تتكرر الرسالة نفسها عبر حسابات مختلفة وتتركز حول المعيشة والقدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.
ومن جهة أخرى، تؤكد الحكومة أن المتابعة الميدانية وقياس رضا المواطنين عنصران أساسيان في تقييم المشروعات، بينما يظل السؤال الأشد إحراجا هو كيفية نشر نتائج القياس، ومن يضع منهجيته، وهل تتاح الأرقام للرأي العام بصورة مستقلة.
وفوق ذلك، فإن الحديث عن رضا المواطنين يكتسب حساسية إضافية بعدما أصبحت الأسعار محور الحياة اليومية للأسر، لأن تراجع معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط تباطؤ وتيرة الزيادة.
وبالتالي، يصبح اختبار تصريحات رئيس الوزراء مرتبطا بما إذا كانت الأسر تستطيع شراء الغذاء والدواء وسداد المرافق والانتقال إلى أعمالها دون استنزاف دخولها، لا بعدد المشروعات المفتتحة أو المبالغ المعلنة في البيانات الرسمية.
وعليه، فإن موجة السخرية التي أعقبت التصريحات لا تنفصل عن أزمة ثقة أوسع بين ما تقوله الحكومة عن التحسن وما يشعر به قطاع من المواطنين، وهي فجوة لا تعالجها الرسائل الإعلامية وحدها دون تغير فعلي في المعيشة.
الرضا يصطدم بالمعيشة
ومع ذلك، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة سعيد المصري أن الأزمات الاقتصادية تترك آثارا اجتماعية قد تستمر حتى بعد تحسن المؤشرات، وأن المجتمع يجب أن يكون شريكا في فهم الأزمة وإدارتها لا مجرد متلق لتبعاتها.
وفي ضوء ذلك، تبدو مطالبة المواطنين بقياس الرضا من أسفل إلى أعلى أكثر إلحاحا، لأن الشعور بالخدمة لا يصنعه حجم الإنفاق بل سهولة الحصول على العلاج والتعليم والنقل، ومدى قدرة الأسرة على تحمل تكلفتها دون إنهاك.
وبالمثل، سخر مصطفى درويش من فكرة الرضا مستحضرا الإنفاق على سارية علم ضخمة، في تعليق يعكس اعتراضا أوسع على ترتيب الأولويات، وعلى مشروعات يراها منتقدون بعيدة عن الاحتياجات اليومية الملحة للمواطنين.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
وفي اتجاه مماثل، كتب أسامة عبد الصادق بلهجة غاضبة أن حديث الرضا لا يشبه ما يراه في الشارع، وربط موقفه بارتفاع تكاليف المعيشة وشعور قطاعات من الناس بأن المسؤولين بعيدون عن ضغوط حياتهم.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
أما كوكو، فركز في تعليقه على انتقال سعر الدولار من مستويات قديمة منخفضة إلى قرابة 50 جنيها، وربط ذلك بتضخم الأسعار والديون، مستخدما لغة هجومية تعكس درجة الاحتقان أكثر مما تقدم تقييما اقتصاديا منهجيا.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
وفي موازاة ذلك، اختصر رشاد موقفه في اتهام الحكومة بتجاهل معاناة الناس من الغلاء، مستخدما عبارات حادة ومسيئة، وهو ما يكشف مستوى الغضب في النقاش الرقمي حتى حين تتراجع مساحة الحجة أمام الانفعال.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
الأسعار تلتهم أثر المشروعات
ومن ناحية اقتصادية، يؤكد الخبير أحمد شوقي أن مخصصات الحماية الاجتماعية البالغة نحو 832.3 مليار جنيه قد تحافظ جزئيا على القوة الشرائية، لكنها لا تضمن تحسنا مستداما في دخول الأسر إذا ظلت معدلات التضخم مرتفعة.
وبناء على ذلك، يصبح معيار الرضا أكثر تعقيدا من سؤال مباشر للمواطن، لأنه يتطلب مقارنة نمو الأجور بنمو الأسعار، وقياس تكلفة الغذاء والسكن والنقل والعلاج، ثم تحديد ما إذا كانت الخدمات العامة خفضت العبء فعلا.
وفعليا، توضح بيانات وتحليلات حديثة أن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض المستوى العام للأسعار، فالأسرة قد تواجه سلعا أكثر كلفة من سنوات سابقة رغم تباطؤ الزيادة، ولذلك يظل الإحساس بالضغط قائما داخل البيوت.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى تحسن مؤشرات كلية دون إظهار نصيب الأسرة من هذا التحسن يفتح الباب أمام السخرية، لأن المواطن يقارن راتبه بما يدفعه يوميا، بينما تقارن الحكومة أداءها بمعدلات وموازنات واستثمارات إجمالية.
وفي تعليق آخر، قال عبدالوهاب إن أغلب الناس غير راضين ولا يشعرون بمردود إيجابي، ووصف الحياة بأنها أصبحت جحيما، وهي صياغة انفعالية لكنها تلخص الفجوة التي يكررها منتقدو الحكومة بين الإنجاز المعلن والأثر الشخصي.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
وعلى نحو أكثر سخرية، اتهم ذكي محمود مدبولي بالكذب ووضعه في منافسة ساخرة مع عبد الفتاح السيسي، وهو تعليق لا يقدم دليلا بذاته لكنه يعبر عن تآكل الثقة لدى شريحة من المتفاعلين مع التصريحات.
مدبولي: «كل اللي يهمنا هو رضا المواطن عن المشروعات اللي نفذناها. والمعيار الأهم هو: هل المواطن حاسس بمردودها الإيجابي عليه ولا لأ؟» pic.twitter.com/1E9c4umDlU
— شبكة رصد (@RassdNewsN) August 11, 2026
الديون توسع فجوة الثقة
إضافة إلى ذلك، يرتبط النقاش حول الرضا بملف الدين العام، لأن توجيه موارد ضخمة لخدمة الالتزامات المالية يضغط على قدرة الموازنة على توسيع الخدمات، ويجعل المواطن أكثر حساسية تجاه أي إنفاق لا يراه أولوية مباشرة.
وفي قراءة نقدية، يحذر الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين منذ سنوات من تضخم أعباء الدين والاعتماد على الاقتراض، ويرى أن معالجة الأزمة تحتاج إصلاحات اقتصادية ومالية أوسع تعزز الإنتاج والاستثمار بدلا من تدوير الالتزامات.
ولهذا، فإن مقارنة تصريحات مدبولي بواقع الدين والأسعار لا تعني أن كل مشروع خدمي عديم الجدوى، لكنها تفرض سؤال الكفاءة والأولوية، أي ما إذا كان كل جنيه أنفق حقق أكبر أثر ممكن في حياة المواطنين.
وفي المحصلة، تتحول عبارة رضا المواطن إلى التزام قابل للمحاسبة إذا نشرت الحكومة مؤشرات واضحة ومستقلة تشمل الأسعار والدخل ووقت الحصول على الخدمة وجودتها والشكاوى والاستجابة لها، بدلا من الاكتفاء بتأكيدات عامة يصعب اختبارها.
وبصورة أوسع، تكشف التعليقات الستة أن الغضب الرقمي يتركز في ثلاث دوائر مترابطة هي الغلاء وتراجع الثقة وأولوية الإنفاق، وهي ملفات تجعل أي حديث رسمي عن الرضا عرضة للاختبار الفوري أمام تفاصيل الحياة اليومية.
وأخيرا، يبقى المعيار الذي طرحه مدبولي منطقيا في جوهره، لكن تطبيقه بجدية يقتضي أن تقبل الحكومة نتائج القياس حتى إذا كانت سلبية، وأن تعيد ترتيب الإنفاق والسياسات عندما يثبت أن المواطن لا يشعر بتحسن ملموس.

