حددت محكمة استئناف القاهرة جلسة عاجلة يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026 لنظر اتهام القاضيين أشرف الجميل ووليد زكريا بتلقي رشاوى داخل مصر مقابل إصدار أحكام وتقديم مزايا قضائية مع استمرار حبسهما احتياطيا.
وكشفت أوراق القضية رقم 288 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا أن الاتهامات طالت رئيسي محكمتين استقالا عقب القبض عليهما بعدما نسب إليهما طلب الأموال والعقارات والسيارات للتلاعب بمصائر متهمين في جنايات خطيرة.
وفي المقابل تكشف الواقعة مدى تغلغل الفساد داخل منظومة حكم عبد الفتاح السيسي بعدما تجاوز الإدارات المحلية ووصل إلى منصة القضاء بما يهدد حقوق المواطنين ويحول العدالة إلى خدمة تباع لمن يمتلك المال والنفوذ.
وبحسب أمر الإحالة لم تكن الاتهامات واقعة عابرة أو تصرفا فرديا بل شبكة امتدت قرابة 10 سنوات وشارك فيها قاضيان ورجال أعمال ومحامون ووسطاء وسماسرة لتغيير أحكام وتعطيل تنفيذ عقوبات جنائية صادرة بالفعل.
وفضلا عن ذلك شملت الوقائع قضايا قتل عمد واتجار بالنقد الأجنبي وسرقة بالإكراه وحيازة أسلحة نارية وذخائر بما يجعل الرشاوى المنسوبة إلى المتهمين اعتداء مباشرا على أرواح الضحايا وحقوق أسرهم وثقة المجتمع بالقضاء.
خمس وقائع للرشوة
ووفقا للتحقيقات وجهت نيابة أمن الدولة العليا إلى أشرف الجميل 5 وقائع رئيسية تضمنت طلب وتلقي مبالغ بالدولار والجنيه إلى جانب عطايا ومزايا مقابل استعمال نفوذه لدى جهات قضائية للحصول على البراءة وإخلاء السبيل.
كما نسبت النيابة إلى وليد زكريا قبول مكافآت بعد أداء أعمال وظيفية وطلب رشاوى مالية وعينية لاستعمال نفوذه في تعطيل تنفيذ أحكام جنائية صدرت بحق رجل الأعمال كمال حجاج ونجله في قضية قتل.
أما أكبر الوقائع فارتبطت بطلب أشرف الجميل بواسطة وليد زكريا وطارق أحمد مبلغ 350 ألف دولار مقابل تبرئة نجل كمال حجاج وعاملين لديه من اتهامات القتل والاحتجاز وحيازة الأسلحة والذخائر دون ترخيص.
وبالفعل قالت النيابة إن الجميل حصل على 80 ألف دولار من إجمالي الرشوة المطلوبة مقابل تنفيذ الاتفاق مستندة إلى أقوال متهمين وشهود وتحريات كشفت مسارات الاتصال وتسليم الأموال بين القضاة والوسطاء ورجل الأعمال.
إلى جانب ذلك طلب الجميل 250 ألف جنيه من متهمين مقابل استخدام نفوذه للحصول على حكم بالبراءة في قضية جنائية قبل أن يتسلم بواسطة أحد الوسطاء 90 ألف جنيه من القيمة التي جرى الاتفاق عليها.
وفي واقعة ثالثة طلب القاضي 500 ألف جنيه ثم خفضها إلى 400 ألف جنيه وهاتفا محمولا مقابل استبعاد متهم من الإحالة في قضية قتل وحصل على 80 ألف جنيه ومنافع أخرى مرتبطة بسيارة زوجته.
لاحقا أضافت التحقيقات أنه طلب مليوني جنيه جرى تخفيضهما إلى مليون و750 ألف جنيه مقابل التدخل لإخلاء سبيل شقيق أحد المتهمين في قضية مقيدة بحصر أمن الدولة العليا مع إسناد الوساطة إلى متهم آخر.
كذلك نسبت النيابة إليه طلب مبالغ من 4 متهمين للحصول على قرار بإخلاء سبيل أحدهم ثم تبرئته من الاتجار بالنقد الأجنبي خارج المصارف مؤكدة حصوله فعليا على 60 ألف جنيه من الرشوة المتفق عليها.
عطايا لتعطيل الأحكام
من ناحية أخرى قبل وليد زكريا فيلا داخل منتجع الروضة بمدينة السادس من أكتوبر قدرت قيمتها وقتها بمليون و400 ألف جنيه بعد إصداره قرارا بإخلاء سبيل كمال حجاج أثناء نظر تجديد حبسه الاحتياطي.
وفوق ذلك تمثلت المكافأة الثانية في تعيين شقيق وليد زكريا بإحدى شركات رجل الأعمال بما يكشف أن المقابل المنسوب لم يقتصر على الأموال المباشرة بل امتد إلى توظيف الأقارب وتكوين مصالح متبادلة طويلة الأجل.
ثم اتهمته النيابة بطلب وتلقي مليوني جنيه وسيارتين و555 ألف جنيه استخدمت لشراء سيارة مقابل استعمال نفوذه لمنع تنفيذ الحكم الصادر بحق كمال حجاج ونجله وتحويل الصفة القضائية إلى مظلة للهروب من العقوبة.
ووفق اعترافات حجاج بدأت علاقته بوليد زكريا بعد قرار إخلاء سبيله في سبتمبر 2013 إذ زاره لشكره ثم دعاه إلى منزله قبل شراء الفيلا وتسجيلها باسم زوجة القاضي وسداد ثمنها من إحدى شركاته.
وعندما صدر الحكم في يناير 2017 بسجن حجاج 3 سنوات ومعاقبة نجله غيابيا بالمؤبد بدأت اتصالات جديدة مع أشرف الجميل بهدف إعادة الإجراءات والوصول إلى البراءة مقابل مبالغ ضخمة نقلتها شبكة من الوسطاء.
وبعد لقاء داخل أحد فنادق القاهرة أكد الجميل وفق أقوال حجاج إمكانية تبرئة نجله والعاملين لديه ثم بدأ التفاوض على 500 ألف دولار خفضت إلى 400 ألف دولار قبل تدبير الأموال وتسليمها عبر الوسطاء.
لكن أوراق الإحالة حددت الرشوة المطلوبة رسميا بمبلغ 350 ألف دولار وأثبتت وصول 80 ألف دولار منها بينما أقر الجميل بحصوله على 20 ألف دولار داخل مقر شركة بمنطقة المريوطية بعد لقاءات مرتبطة بمستقبل القضية.
وعقب صدور حكم بسجن نجل حجاج 5 سنوات طالب رجل الأعمال باستعادة الأموال باعتبار النتيجة إخلالا بالاتفاق واسترد لاحقا 100 ألف دولار على دفعتين بينما استمرت محاولات الحيلولة دون تنفيذ الحكم باستخدام النفوذ القضائي.
أدلة تكشف الشبكة
وبدأت خيوط الكشف بعد ورود معلومات إلى هيئة الرقابة الإدارية عن طلب أمين سر بإحدى دوائر جنايات الجيزة مبالغ وعطايا من متقاضين مقابل إنهاء إجراءات قضائية لصالحهم فصدرت أذون بتسجيل اللقاءات والمكالمات الهاتفية.
ومن خلال التسجيلات ظهر الحديث عن مبالغ مقابل أحكام قضائية وإصلاح سيارة وثمن هاتف و80 ألف جنيه للتدخل في قضية إضافة إلى مليوني جنيه طلبا مقابل إخلاء سبيل متهم محبوس أمام أمن الدولة العليا.
وبتوسيع التحريات حددت الجهات المختصة مستخدم أحد الخطوط الهاتفية بوصفه المستشار أشرف الجميل ثم اتخذت النيابة إجراءات الضبط والتفتيش وصادرت هواتف محمولة قالت التحقيقات إنها استخدمت في الاتصالات محل الفحص وجمع الأدلة.
وعلاوة على التسجيلات استندت النيابة إلى اعترافات متهمين وشهادات ضباط الرقابة الإدارية ومستندات شركات خاصة وتقارير البنك المركزي التي تتبعت الحسابات والتحويلات المالية وقارنتها بأقوال الشهود ومسارات شراء العقارات والسيارات محل الاتهام.
وفي السياق نفسه رصد الفحص البنكي تحويل 60 ألف جنيه إلى نجل أشرف الجميل وتحويلات أخرى بين حساب الابن ووالده كما تتبع إيداعات وليد زكريا وشراء السيارة بمبلغ 539 ألف جنيه.
أيضا سجلت اللجنة تحويلين بقيمة 4 ملايين جنيه لكل منهما إلى حسابي ابنتي وليد زكريا أعقبتهما شهادتا استثمار بالقيمة نفسها وهي حركة مالية أدرجتها النيابة ضمن تسلسل الأموال المرتبطة بالتحقيقات والاتهامات المنظورة.
وبذلك تكشف القضية أن الفساد في عهد السيسي لم يعد محصورا بموظف محلي أو مسؤول تنفيذي بل بلغ قضاة يملكون سلطة الحرية والإدانة بينما يدفع الضحايا ثمن منظومة تسمح لأصحاب الثروة بشراء النجاة.
وأخيرا تضع محاكمة القاضيين القضاء أمام اختبار حقيقي لا ينتهي بإدانة أفراد بل يبدأ بكشف حجم الشبكة ومراجعة الأحكام المتأثرة ورد حقوق الضحايا ومحاسبة كل من حول العدالة إلى سوق للرشاوى والنفوذ.

