أقر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي في القاهرة مقترح إصدار صكوك ضريبية يمولها دافعو الضرائب وتخصم من التزاماتهم المستقبلية، لمواجهة احتياجات تمويلية تبلغ 4 تريليونات جنيه، بما يمنح الخزانة سيولة عاجلة ويؤجل تحصيل إيرادات لاحقة.
ويكشف القرار انتقال السلطة من الاقتراض المباشر إلى استباق أموال لم تستحق بعد، بينما يتحمل المواطنون نتائج دين صنعته أولويات إنفاق مغلقة، وتدفع الخدمات العامة والحماية الاجتماعية ثمن فوائده وأقساطه المتضخمة.
وبحسب البيان الذي صدر عن السيسي، يحصل الممولون على عائد وصف بأنه جيد ومناسب، فيما تستخدم الحكومة حصيلة الصكوك الآن، ثم تخصم أصلها وعوائدها من الضرائب الواجبة مستقبلا، في ترتيب يشبه قرضا مضمونا بإيرادات الدولة القادمة.
وفي المقابل، لم يحدد البيان حجم الإصدار أو أجله أو سعر العائد أو الفئات المستهدفة، كما غابت قواعد الاسترداد والتداول، وهو نقص يحجب الكلفة الحقيقية ويمنع قياس أثر الأداة على الموازنات المقبلة.
كذلك بحث الاجتماع الذي ضم مصطفى مدبولي وأحمد كجوك التحوط من تقلبات أسعار النفط، في إشارة إلى مخاطر إضافية قد ترفع دعم الطاقة وفاتورة الاستيراد، وتضغط مجددا على العجز والعملة والأسعار المحلية.
وفقا للأرقام المعلنة، تقدر احتياجات موازنة 2026 و2027 بنحو 4 تريليونات جنيه، بينما تقارب خدمة الدين 5.2 تريليونات، ما يعني أن الفوائد والأقساط تتجاوز الاحتياجات التمويلية نفسها وتبتلع مساحة الإنفاق العام.
وفي الوقت نفسه، تروج الحكومة لخفض نسبة دين أجهزة الموازنة إلى الناتج المحلي بنحو 13.2 بالمئة خلال عامين، لكن استمرار ابتكار أدوات استدانة جديدة يكشف أن تحسن النسبة لم ينه أزمة السيولة والاستحقاقات.
وعلى صعيد الدين الخارجي، بلغ الرصيد 164.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، منها 82.8 مليار دولار مستحقة على الحكومة، بما يبقي الخزانة معرضة لتقلب العملة والفائدة وتراجع موارد النقد الأجنبي.
سيولة تخصم من الغد
ويرى أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب أن الصكوك قد توفر سيولة عاجلة وتقلل الاقتراض المصرفي، وربما تشجع الإفصاح الضريبي، لكنه وصفها بسلاح ذي حدين بسبب أثرها المؤجل على الحصيلة.
غير أن عبد المطلب حذر من أن خصم قيمة الصكوك وعوائدها لاحقا سيخفض إيرادات السنوات المقبلة، فتتحول الراحة التمويلية الآنية إلى فجوة مستقبلية قد تستدعي ضرائب إضافية أو ديونا جديدة أو تقليصا للخدمات.
فضلا عن ذلك، ربط الخبير نجاح الأداة بسعر العائد، لأن العائد المرتفع قد يدفع أصحاب الأموال إلى شراء الصكوك بدلا من توسيع المصانع والمشروعات، بما يزاحم الاستثمار المنتج ويضعف فرص العمل والنمو الحقيقي.
وبهذا المعنى، لا تمثل الصكوك إصلاحا للضرائب أو الإنفاق، بل مقايضة بين سيولة اليوم وإيرادات الغد، تمنح الحكومة وقتا قصيرا من دون معالجة أسباب العجز أو وقف دورة الاقتراض لسداد التزامات سابقة.
أما المكسب المحتمل المتمثل في تقليل سحب السيولة من البنوك، فيظل مشروطا بألا تتحول الأداة إلى منافس جديد للقطاع الخاص، خصوصا إذا ضمنت الخزانة عائدا مرتفعا ومخاطر أقل من الاستثمار المباشر.
لذلك، يحتاج أي إصدار إلى سقف معلن وجدول استحقاق واضح وبيان دوري للمشترين والعوائد، وإلا أصبحت الضرائب المقبلة ضمانة مفتوحة تستخدمها السلطة بعيدا عن رقابة مجتمعية قادرة على محاسبة القرار.
أسئلة بلا إجابات
ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إن المقترح يترك أسئلة جوهرية بلا إجابة، تشمل الأموال المستهدفة والمدة وآلية استهلاك الصكوك والفئات المؤهلة وطبيعة العائد مقارنة بأذون الخزانة وسنداتها.
ويؤكد الصاوي أن الأداة لا تخلق موردا جديدا، وإنما تنقل الإيرادات الضريبية من المستقبل إلى الحاضر، فتخفف ضغطا فوريا مقابل انخفاض الحصيلة لاحقا وتحميل الخزانة عوائد إضافية فوق أصل المبالغ المحصلة.
ومن ثم، يصبح وصفها وسيلة لخفض فاتورة خدمة الدين بحاجة إلى برهان حسابي، لأن الحكومة ستدفع عائدا للممولين، وقد تضطر لاحقا إلى تعويض الضرائب المخصومة باقتراض جديد إذا استمر العجز على حاله.
إضافة إلى ذلك، قد تزاحم الصكوك أدوات الدين القائمة نفسها، فتغير شكل الالتزام دون خفضه، بينما يفضل مستثمرون شراء ورقة حكومية مضمونة على تمويل نشاط إنتاجي معرض للركود وارتفاع الكلفة وضعف الطلب.
وفي ظل غياب التفاصيل، يستحيل تقييم عدالة توزيع المنفعة، إذ قد يستفيد كبار الممولين القادرون على تقديم الضرائب مقدما، بينما يبقى صغار المكلفين والمستهلكون خارج العائد وداخل دائرة التقشف وارتفاع الرسوم.
بناء على ذلك، يفترض نشر مشروع قانون أو لائحة تحدد الحقوق والمخاطر والمعالجة المحاسبية، مع إخضاع الإصدار لمناقشة برلمانية حقيقية، لا تمرير التزام طويل الأثر ببيان مقتضب واجتماع تنفيذي مغلق.
جذور العجز باقية
ويذهب أستاذ التمويل مدحت نافع إلى أن أزمة الدين نتيجة لعجزين متجددين، أحدهما في الموازنة والآخر في ميزان المدفوعات، وأن مبادرات السداد تظل قاصرة إذا لم تعالج بنية الإنفاق والإنتاج والموارد.
وحسب تحليل نافع، تلتهم الفوائد قسما كبيرا من الإنفاق وتزاحم التعليم والصحة والاستثمار، فتقترض الدولة لسداد فوائد اقتراض سابق، وهي دورة تعيد إنتاج العجز مهما تغير اسم الورقة التمويلية أو شكلها.
وعلاوة على ذلك، يربط نافع الاستدامة بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ونقد أجنبي، لا بمجرد خفض نسبة الدين، داعيا إلى ترشيد الإنفاق الجاري من دون المساس بالإنفاق الاجتماعي وتوجيه الموارد للإنتاج والتصدير.
لكن مسار الحكومة خلال السنوات الماضية قام على مشروعات كثيفة الكلفة وتوسع في الاقتراض وبيع الأصول، بينما بقيت الصناعة والصادرات تحت ضغوط التمويل والمنافسة غير المتكافئة، وهو ما يضعف قدرة البلاد على السداد.
لهذا تبدو الصكوك الضريبية حلقة جديدة في إدارة الأزمة زمنيا، لا إنهائها، فهي تقدم للخزانة أموال الغد ثم تترك للحكومات والمواطنين لاحقا سؤال تعويض الحصيلة، وسط غياب مراجعة مستقلة لأولويات الإنفاق.
وعمليا، قد تصل الكلفة الإنسانية عبر خفض مخصصات العلاج والتعليم والدعم أو زيادة الضرائب غير المباشرة، وهي أدوات تقع أثقل على الفقراء، بينما يحصل الممول الأكبر على عائد مضمون وخصم ضريبي مستقبلي.
وأخيرا، تكشف مقارنة 4 تريليونات جنيه من الاحتياجات التمويلية بخدمة دين تقارب 5.2 تريليونات أن جوهر الأزمة ليس نقص الأدوات، بل نموذج يستهلك الإيرادات المقبلة قبل تحصيلها ويورث المجتمع التزامات بلا مساءلة.

