في السابعة والنصف مساءً، تضج شوارع القاهرة بأصوات أبواق السيارات ونداءات الباعة وصخب الأطفال، بينما يتردد أذان المغرب وسط الزحام. لكن داخل منزل بدرية السيد يسود صمت ثقيل منذ 13 عامًا؛ فمنذ صباح 14 أغسطس 2013، لم ترَ بدرية ابنها عمر حماد، الذي خرج للاطمئنان على أصدقائه في اعتصام رابعة العدوية ولم يعد إلى منزله حتى اليوم.
كان عمر يبلغ من العمر 20 عامًا عندما توجه إلى الميدان، حيث احتشد آلاف الرافضين لعزل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا في مصر. لم يكن الشاب يعلم أن ذلك الصباح سيشهد واحدة من أكثر عمليات فض الاعتصامات دموية في التاريخ المصري الحديث، وأن كلماته الأخيرة لوالدته ستظل تطاردها لسنوات: «أنا عائد يا أمي إلى المنزل، لا تقلقي، سأذهب فقط إلى هناك لأطمئن على أصدقائي».
بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، قتلت قوات الأمن المصرية ما لا يقل عن 817 شخصًا في ميدان رابعة العدوية، إضافة إلى 87 شخصًا في ميدان النهضة. واستخدمت القوات العربات المدرعة والقناصة والذخيرة الحية، فيما أصيب كثير من المحتجين بطلقات في الرأس والصدر. كما اندلعت حرائق واسعة التهمت الخيام ووصلت إلى مسجد رابعة العدوية، بينما فقدت عائلات كثيرة أثر أبنائها وسط القتل والاعتقالات والفوضى.
رحلة بحث بين المستشفيات والسجون
علمت بدرية من أحد أصدقاء عمر أنه أصيب في كتفه واحتجزته قوات الجيش أثناء عملية الفض. ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة طويلة بين المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة ومقار الاحتجاز، بحثًا عن معلومة تؤكد إن كان ابنها حيًا أو ميتًا. كما أجرت تحليلًا للحمض النووي لمقارنته بجثامين مجهولة الهوية، إلا أن النتيجة جاءت سلبية بعد تسعة أشهر، وهو ما منحها أملًا جديدًا بأن عمر لم يمت.
وقالت بدرية لموقع «ميدل إيست آي» إن ما عاشته تحول إلى «كابوس امتد 13 عامًا»، لكنها ما زالت تتمسك باعتقادها أن ابنها على قيد الحياة. وبعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة عام 2014، توجهت إلى سجن العزولي العسكري شمال شرقي القاهرة، بعدما وصلتها معلومات تفيد باحتجاز عمر هناك.
ويُعرف سجن العزولي بين الحقوقيين باسم «غوانتانامو المصري»، بسبب الشهادات المتكررة عن احتجاز مختفين قسريًا داخله بمعزل عن العالم الخارجي، وتعريض بعضهم للتعذيب لإجبارهم على الإدلاء باعترافات. وخلال وجود بدرية قرب السجن، أخبرها محتجز يدعى عبد العزيز بأن ابنها موجود داخله، لكن المسؤولين أنكروا ذلك وقابلوا أسئلتها بالسخرية، بحسب شهادتها.
لاحقًا، تلقت اتصالين من رقم مجهول. عرّف المتصل نفسه بأنه الرائد أدهم من مقر الأمن الوطني، ووعدها بالمساعدة في معرفة مصير عمر. طلب منها معلومات تفصيلية عن ابنها وانتماءاته السياسية، ثم انقطع الاتصال ولم تسمع منه مجددًا. وبعد ذلك أخبرها ضابط في الأمن الوطني بأن عمر غادر إلى سوريا، وهي رواية رفضتها الأسرة واعتبرتها محاولة لإغلاق الملف دون تحقيق أو دليل.
الاختفاء القسري يتحول إلى سياسة معتادة
يقول المحامي والباحث الحقوقي حليم حنيش إنه لا يوجد إحصاء دقيق لعدد الذين اختفوا قسريًا خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة أو في السنوات التالية. وقد وثق مرصد حقوق الإنسان، ومقره لندن، أكثر من 400 حالة اختفاء مرتبطة بالساحتين، مع ترجيح أن يكون العدد الحقيقي أكبر بكثير بسبب خوف بعض الأسر من الإبلاغ أو غياب المعلومات الرسمية.
وقارن حنيش ما يجري في مصر بتجربة الأرجنتين بعد انقلاب عام 1976، عندما اختفى آلاف الأشخاص وخرجت أمهاتهم للمطالبة بمعرفة مصيرهم. لكنه يرى أن الوضع المصري أكثر خطورة، لأن الاختفاء القسري تحول إلى إجراء متكرر يسبق ظهور المعتقلين أمام النيابة، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من المحتجزين مروا بفترات اختفاء قبل الإعلان عن أماكن احتجازهم.
ولم تقتصر المعاناة على اختفاء الأبناء؛ إذ تعرض بعض الآباء والمحامين للملاحقة بسبب بحثهم عن ذويهم. ومن أبرز هذه الحالات المحامي والمدافع الحقوقي إبراهيم متولي، الذي اختفى نجله عمرو عقب فض رابعة. واصل الأب البحث عنه وسعى إلى عرض القضية دوليًا، لكنه اختفى في مطار القاهرة عام 2017 بينما كان يستعد للسفر إلى جنيف، قبل أن يظهر لاحقًا محتجزًا على ذمة قضية.
تستعيد سناء أحمد، زوجة إبراهيم ووالدة عمرو، الساعات الأخيرة التي جمعتها بابنها. ففي الواحدة صباح يوم 14 أغسطس 2013، جلست معه داخل إحدى خيام رابعة وتناولا وجبتهما الأخيرة. وبعد ساعات بدأت عملية الفض، ومنذ ذلك الحين لم تحصل الأسرة على إجابة حاسمة بشأن مصيره. وتقول سناء: «أريد ابني حتى لو كان قد مات؛ من حقي أن أعرف مكانه وأن أزور قبره».
ووفقًا لمؤسسة الشهاب لحقوق الإنسان، تجاوز عدد حالات الاختفاء القسري في مصر 15 ألف حالة منذ يوليو 2013، بينما تنفي الحكومة المصرية هذه التقديرات وتشكك في تقارير المنظمات الحقوقية.
أسر معلقة بين الأمل وغياب العدالة
تتمثل إحدى العقبات القانونية الرئيسية في أن مصر لم تصدق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، كما لا يتضمن التشريع المصري تعريفًا واضحًا ومستقلًا للجريمة يضمن محاسبة المسؤولين عنها وتوفير حماية فعالة للضحايا وأسرهم.
وتنص المادة 54 من الدستور المصري على عدم جواز القبض على أي شخص أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب، باستثناء حالات التلبس. كما تلزم السلطات بإبلاغ المحتجز فورًا بأسباب القبض عليه، وتمكينه من الاتصال بأسرته ومحاميه، وعرضه على جهة التحقيق خلال 24 ساعة من لحظة تقييد حريته.
لكن الوقائع الحقوقية تشير إلى استمرار الفجوة بين النصوص الدستورية والممارسات الفعلية. ففي مايو 2023، اختفى الناشط الطلابي السابق معاذ الشرقاوي لمدة 23 يومًا قبل ظهوره أمام النيابة العامة، في واقعة أعادت تسليط الضوء على استخدام الاحتجاز السري قبل بدء الإجراءات القانونية الرسمية.
ورغم أن مصر طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، يرى حقوقيون أن التصديق على اتفاقية الاختفاء القسري وإدراج الجريمة بوضوح في القانون المحلي يمثلان خطوتين أساسيتين لوقف الانتهاكات وفتح تحقيقات مستقلة في الحالات السابقة.
وبعد 13 عامًا من فض رابعة، ما زالت بدرية السيد وسناء أحمد وأسر أخرى تنتظر إجابة واحدة: أين أبناؤهم؟ لا تطلب هذه العائلات سوى معرفة الحقيقة، سواء قادت إلى عودة الغائبين أو إلى قبور يستطيعون زيارتها. وبين صمت المؤسسات وتمسك الأمهات بالأمل، تبقى ملفات المختفين مفتوحة، شاهدة على مأساة لم تنته بانتهاء أصوات الرصاص، بل امتدت سنوات داخل بيوت توقفت حياتها عند صباح 14 أغسطس 2013.

