فاقم اعتماد شركة مياه الشرب والصرف الصحي بقنا على خط تغذية واحد أزمة المياه في 3 نجوع بقرية فاو قبلي التابعة لمركز دشنا، ودفع ضعف الضخ سكان الحمامدة والبخايتة والغوصة إلى شرب مياه مالحة من الطلمبات الحبشية.
وفي الوقت نفسه، تكشف الواقعة كيف تُترك قرى الصعيد خارج أولويات الإنفاق والخدمات الأساسية، بينما تُستنزف الموازنات في مشروعات دعائية؛ فيتحول حق الإنسان في كوب ماء آمن إلى استغاثة مزمنة لا تسمعها سلطة تتباهى بالإنجازات.
خط واحد لا يكفي
وبحسب شهادات الأهالي، تتشارك النجوع الثلاثة خطًا واحدًا لا تتحمل طاقته أعداد السكان واحتياجاتهم اليومية، ما يجعل المياه تصل ضعيفة إلى بعض المنازل، وتنقطع تمامًا عن منازل أخرى، خصوصًا في أوقات ذروة الاستهلاك وارتفاع الحرارة.
ومن جانبهم، يقول السكان إن الأزمة ليست طارئة ولا مرتبطة بعطل عابر، بل معاناة ممتدة تكررت معها الشكاوى من دون حل جذري، فيما بقيت مطالبهم محصورة بين وعود شفوية وتحركات مؤقتة لا تغيّر واقع العطش.
إضافة إلى ذلك، يؤدي ضعف الضغط داخل الشبكة إلى حرمان المنازل الواقعة عند أطراف الخط أو في النقاط الأعلى، لأن الكمية المتاحة تُستهلك قبل بلوغها، وهو خلل تشغيلي يستدعي قياس الضغوط ومراجعة أقطار المواسير والأحمال الفعلية.
وعلى هذا الأساس، يطالب الأهالي بإنشاء خط تغذية مستقل يخدم الحمامدة والبخايتة والغوصة، أو زيادة التصرفات المائية المخصصة لها، بدل إبقاء آلاف الاحتياجات المنزلية والحيوانية رهينة ماسورة واحدة لا توفر الحد الأدنى من الخدمة الآمنة.
وفي قراءة فنية أوسع، سبق لوزير الموارد المائية والري الأسبق محمد نصر علام أن أرجع عطش القرى إلى أخطاء بالمآخذ وسوء صيانة المحطات وغياب التنسيق، داعيًا إلى خطة شاملة للصيانة وإحلال الخطوط المتكررة الأعطال.
ومن ثم، تتقاطع شكوى فاو قبلي مع تشخيص علام، إذ لا تكفي زيادة المياه مؤقتًا إذا ظلت الشبكة مختلة أو الخطوط غير ملائمة للطلب، كما لا يفيد ترحيل المسؤولية بين شركة المياه والمحليات والجهات المشرفة.
وفي يونيو 2026، أعلنت شركة مياه قنا قطع الخدمة 7 ساعات عن فاو قبلي ونجع البخايتة لترحيل خط رئيسي قطره 8 بوصات بسبب أعمال الصرف، وهو ما يثبت حساسية المنطقة لأي تدخل في شبكة محدودة البدائل.
ورغم أن ذلك الانقطاع كان معلنًا ومؤقتًا، فإن الشكاوى الحالية تتحدث عن ضعف مزمن يتجاوز مدة الأعمال المقررة، ما يفرض على الشركة نشر تفسير فني واضح لسبب استمرار المشكلة، وبيان ما إذا كانت الشبكة الحالية تحقق الاحتياج التصميمي.
مياه تهدد الصحة
أما النتيجة الأخطر، فهي اضطرار الأسر إلى تشغيل الطلمبات الحبشية واستخدام مياهها المالحة في الشرب والطهي وسقي المواشي، بما ينقل الأزمة من نقص خدمة إلى تهديد صحي مباشر، خصوصًا للأطفال وكبار السن والمرضى وأصحاب المناعة الضعيفة.
وفوق ذلك، لا يمكن الحكم على سلامة هذه المياه من طعمها أو لونها، لأن الملوثات الكيميائية والميكروبية قد لا تكون ظاهرة، كما أن قرب مصادر السحب السطحية من الصرف المنزلي أو الزراعي يضاعف احتمالات التلوث.
وفي هذا الصدد، حذر أحمد شعبان، أستاذ ميكروبيولوجيا المياه بالمركز القومي للبحوث، من أن معظم مياه الطلمبات لا تصلح للشرب، مؤكدًا أن عذوبة الطعم لا تثبت السلامة، وأن الاختبارات الكيميائية والبيولوجية ضرورة لا غنى عنها.
وبناءً على تحذيره، يصبح وصف الأهالي للمياه بالملوحة مؤشرًا يستوجب التحليل العاجل، لكنه ليس وحده معيار الخطر، إذ ينبغي فحص الأملاح الذائبة والبكتيريا ومؤشرات التلوث، ثم إعلان النتائج للسكان بدل تركهم أمام التخمين والمجازفة اليومية.
وفي تحذير آخر، أوضح نسيم صبحي لبيب، الذي شغل منصب مدير عام صحة البيئة، أن الطلمبات الحبشية غير مطابقة للمواصفات لأن أعماقها الضحلة قد تسحب مياه الرشح، وربط استخدامها بأمراض معدية تشمل الإسهال والتيفود.
وعليه، لا يجوز للجهات التنفيذية الاكتفاء بنصح المواطنين بالتوقف عن استخدام الطلمبات، لأنهم لجأوا إليها بعد غياب البديل، وأي حظر بلا توفير مياه مأمونة يعني مطالبة العطشى بتحمل الانقطاع صامتين أو شراء حقهم الأساسي من السوق.
وبالتوازي، يهدد استخدام المياه المالحة المواشي أيضًا، إذ قد يؤثر استمرار التعرض لمياه رديئة النوعية في صحتها وإنتاجيتها، ما يضيف خسائر اقتصادية إلى الأسر الريفية التي تعتمد على التربية المنزلية بوصفها موردًا للغذاء والدخل.
لهذا، ينبغي لمديرية الصحة وشركة المياه أخذ عينات عاجلة من الطلمبات والمنازل ونهايات الشبكة، وتحليلها في معامل معتمدة، مع توفير سيارات مياه شرب نظيفة خلال الفحص، وإبلاغ الأهالي صراحة بأي مخاطر أو احتياطات لازمة.
حلول مؤجلة ومساءلة غائبة
من جهة أخرى، يبدأ الحل الفني بقياس التدفقات والضغوط خلال ساعات مختلفة، وحصر عدد الوصلات والسكان، ومراجعة قدرة المحطة والخزان والخط المغذي، ثم تحديد ما إذا كان المطلوب خطًا مستقلًا أو رافعًا أو توسعة شاملة للشبكة.
وعقب التشخيص، يجب إعلان جدول زمني ملزم للتنفيذ، يتضمن مراحل التصميم والاعتماد والتمويل والحفر والربط، لأن العبارات العامة عن الدراسة والمتابعة لم تعد مقبولة بعد طول المعاناة، ولا توفر قطرة ماء واحدة للأسر المتضررة.
كذلك، يتعين على محافظة قنا ومجلس مدينة دشنا نشر بيانات يومية مؤقتة عن مواعيد الضخ ومواقع سيارات المياه، وتخصيص قناة شكاوى فعالة، بدل ترك المواطنين يبحثون فرادى عن طلمبة أو صهريج في مواجهة أزمة جماعية.
وفي المقابل، تتحمل شركة المياه مسؤولية تفسير الفارق بين ما تعلنه عن انتظام الخدمة وما يرصده السكان داخل البيوت، فالمعيار ليس وجود الماء عند المحطة، وإنما وصوله بضغط مناسب وجودة مطابقة إلى أبعد منزل في النجوع الثلاثة.
ولمنع التكرار، ينبغي إدراج المنطقة ضمن خطة إحلال وتجديد معلنة، مع تركيب نقاط قياس للضغط وتسجيل الانقطاعات، لأن إدارة الشبكات بالتدخل بعد الشكوى فقط تعني استمرار الأزمة واختفاء الأدلة التي تسمح بمحاسبة المقصرين.
ومع ذلك، يبقى البعد الإنساني أكثر إلحاحًا من الحسابات الإدارية، فالأطفال والنساء وكبار السن يتحملون عبء جلب المياه وتخزينها، بينما تدفع الأسر تكلفة إضافية لشراء مياه قد لا تملك ثمنها في ظل الغلاء المتصاعد.
وبصورة أشمل، تفضح فاو قبلي فجوة مزمنة بين خطاب التنمية وواقع القرى، إذ لا معنى للحديث عن تحسين جودة الحياة بينما تعتمد 3 نجوع على خط عاجز، ويُترك أهلها أمام مياه مالحة وطلمبات تحذر الجهات نفسها من استخدامها.
وأخيرًا، يطالب الأهالي بتدخل فوري من محافظ قنا وشركة المياه لإنشاء تغذية مستقلة وضمان ضخ كاف، مع فحص المياه البديلة ومحاسبة المسؤول عن التأخير، حتى ينتهي مشهد مواطنين يشربون المالح ويسقون مواشيهم من طلمبات غير مأمونة.

