مثّل المحامي والبرلماني السابق ناصر سالم الحافي، المعروف باسم «ناصر الحافي»، نموذجاً للمحامي المنخرط في العمل العام والمدافع عن قضايا الحريات والمعتقلين، قبل أن تنتهي حياته في الأول من يوليو 2015 خلال مداهمة أمنية لشقة بمدينة السادس من أكتوبر. وبينما أعلنت السلطات حينها مقتله خلال تبادل لإطلاق النار، اتهمت جماعة الإخوان المسلمين ومنظمات وشخصيات معارضة قوات الأمن باعتقاله ورفاقه ثم تصفيتهم خارج إطار القانون.
وُلد الحافي في بلدة باسوس بمحافظة القليوبية يوم 21 أكتوبر، فيما تتضارب البيانات الواردة بشأن سنة ميلاده بين عامي 1960 و1965. تلقى تعليمه الأول في قريته، ثم التحق بكلية الحقوق وحصل على درجة الليسانس، قبل أن يبدأ عمله في المحاماة ويتدرج مهنياً حتى أصبح محامياً أمام محكمة النقض.
جمع الحافي خلال مسيرته بين المحاماة والعمل النقابي والنشاط الأهلي والانخراط الحزبي والبرلماني. وعرفه أبناء دائرته مدافعاً عن المعتقلين وأسرهم، كما شارك في هيئة الدفاع عن الرئيس الشهيد محمد مرسي، وظل متمسكاً بمواقفه رغم الأحكام القضائية والملاحقات الأمنية التي تعرض لها.
محامٍ ونقابي بارز
بدأ ناصر الحافي عمله بالمحاماة عقب تخرجه في كلية الحقوق، وانحاز إلى قضايا الحريات والدفاع عن المعتقلين في عهود مختلفة. وشارك في عدد من القضايا المرتبطة بالشأن العام، مطالباً بالعدالة والقصاص ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ما جعله واحداً من المحامين المعروفين داخل التيار الإسلامي.
انضم الحافي إلى جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة مبكرة من حياته داخل قريته باسوس، ثم التحق عقب تخرجه بقسم المهنيين في الجماعة. ودُفع به إلى انتخابات مجلس نقابة المحامين الفرعية بالقليوبية، حيث فاز بعضوية المجلس، ثم اختير أميناً عاماً له خلال الدورتين النقابيتين الممتدتين من 1993 إلى 1998، ومن 2001 إلى 2005.
كما خاض انتخابات مجلس النقابة العامة للمحامين، ونجح في الحصول على عضوية المجلس وتولى منصب أمين الصندوق المساعد. وإلى جانب نشاطه النقابي، شارك في العمل الأهلي من خلال عضويته بمجلس إدارة جمعية تنمية المجتمع المحلي في باسوس بين عامي 1996 و1999، فضلاً عن مشاركته في لجنة الزكاة ولجنة المصالحات بالقرية.
ولم يقتصر نشاط الحافي على العمل المهني والسياسي، إذ اهتم، بحسب المقربين منه، برعاية أسر الشهداء والمعتقلين وكفالة أبنائهم، وحرص على الوقوف إلى جانب الأسر التي فقدت عائلها أو تعرض أحد أفرادها للاعتقال، خاصة خلال فترات الملاحقات الأمنية.
البرلمان ومعركة الدستورية
خاض ناصر الحافي انتخابات مجلس الشعب عام 2005 مرشحاً مدعوماً من جماعة الإخوان المسلمين، لكنه لم يحصل على المقعد في مواجهة رجل الأعمال منصور عامر. واتهمت الجماعة حينها أجهزة دولة الرئيس الأسبق حسني مبارك بدعم منافسه واستخدام نفوذها لمنع مرشحي المعارضة من الوصول إلى البرلمان.
وعقب ثورة 25 يناير، انضم الحافي إلى حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك، وأصبح عضواً في اللجنة القانونية للحزب. ثم ترشح في الانتخابات البرلمانية التي أعقبت الثورة، وفاز بمقعد مجلس الشعب عن دائرة شبرا الخيمة، ليصبح عضواً في المجلس الذي حُل قبل الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها محمد مرسي عام 2012.
برز اسم الحافي بقوة عقب صدور حكم المحكمة الدستورية العليا الذي ترتب عليه حل مجلس الشعب. واتهم المحكمة بإرسال الحكم إلى المطبعة الأميرية تمهيداً لنشره في الجريدة الرسمية قبل انتهاء الجلسة والمداولة والنطق به، معتبراً ذلك دليلاً على إعداد القرار مسبقاً.
وعلى إثر تصريحاته، قدم المستشار ماهر البحيري، رئيس المحكمة الدستورية العليا، بلاغاً ضده بتهمة إهانة المحكمة وقضاتها. واستمعت نيابة استئناف القاهرة، برئاسة المستشار مصطفى سليمان، إلى أقوال الحافي بشأن اتهاماته وما قال إنه يمتلكه من أدلة على واقعة إرسال الحكم قبل صدوره رسمياً.
وفي 11 سبتمبر 2014، قضت محكمة جنايات جنوب القاهرة بحبسه عاماً مع الشغل، وحددت كفالة قدرها 20 ألف جنيه لوقف التنفيذ، بعد إدانته بإهانة المحكمة الدستورية وقضاتها والقذف والتزوير في محرر إلكتروني. كما صدر بحقه حكم بالإعدام في القضية المعروفة إعلامياً باسم «اقتحام السجون».
مداهمة انتهت بمقتله
في صباح الأربعاء الأول من يوليو 2015، كان ناصر الحافي موجوداً داخل شقة بمدينة السادس من أكتوبر برفقة عدد من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين. ووفق رواية الجماعة، كان المجتمعون يناقشون شؤون أسر الضحايا والمعتقلين وسبل توفير الرعاية لأبنائهم.
داهمت قوات الأمن الشقة وأعلنت عقب العملية مقتل الحافي وثمانية آخرين خلال تبادل لإطلاق النار. وفي المقابل، رفضت الجماعة وأسر الضحايا هذه الرواية، وقالت إن الموجودين اعتُقلوا أحياء، وتعرضوا للتعذيب قبل قتلهم ميدانياً خارج إطار القانون.
وأثارت الواقعة اتهامات واسعة للأجهزة الأمنية باستخدام رواية تبادل إطلاق النار للتغطية على عمليات تصفية جسدية. وطالبت جهات معارضة آنذاك بإجراء تحقيق مستقل وشفاف لتحديد كيفية وقوع القتل، والكشف عن حالة الضحايا عند دخول قوات الأمن إلى المكان.
انتهت حياة ناصر الحافي بعد مسيرة امتدت بين قاعات المحاكم ومجالس النقابة والعمل الأهلي والبرلمان. وترك وراءه سيرة ارتبطت بالدفاع عن المعتقلين ومواجهة السلطة، بينما بقيت ملابسات مقتله واحدة من الوقائع التي أثارت تساؤلات مستمرة حول الإعدامات الميدانية وغياب المحاسبة منذ منتصف عام 2013.

