حذر أهالي صقر قريش بالمعادي الجديدة، في صرخة استغاثة جديدة، من تحول أسفل 9 عمارات سكنية إلى قنابل موقوتة، بسبب ورش السيارات والمواد القابلة للاشتعال والتعديات الإنشائية، وسط غياب حي البساتين، بما يهدد السكان بالحريق والانهيار.
وتكشف الأزمة كيف تترك الإدارة المحلية مواطنين عزلًا أمام مصالح أصحاب الورش، بينما تتحول السلامة والخصوصية والحق في الراحة إلى امتيازات مؤجلة، في مشهد يفضح اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع الأحياء.
وبحسب شهادات السكان، تنتشر المخالفات أسفل العمارات 79 و82 و87 و93 و97 و167 و170 و211 و212، وتتراوح بين التشغيل الليلي والتخزين الخطر واحتلال الطرق وإجراء تغييرات داخل وحدات أرضية سكنية.
وفي المقابل، لا يقدم الحي، وفق الأهالي، استجابة تتناسب مع خطورة البلاغات، إذ تستمر الأنشطة خلف أبواب مغلقة ظاهريًا، ثم تنتقل أعمال الصيانة إلى الشارع، بما يجعل قرارات الغلق مجرد واجهة بلا تنفيذ.
نيران تحت المساكن
أولًا، يقول السكان إن بعض الورش تخزن زيوتًا وبنزينًا ومواد رش وكيماويات قابلة للاحتراق أسفل العقارات أو فوق أسطحها، من دون تجهيزات ظاهرة تكفي للإنذار المبكر أو الإطفاء أو عزل مصادر الاشتعال.
وفي هذا السياق، يؤدي تشغيل معدات كهربائية ومثاقب وضواغط قرب السوائل القابلة للاشتعال إلى مضاعفة احتمالات الحريق، بينما تجعل الممرات المشغولة والسيارات المتكدسة مهمة الإخلاء ووصول سيارات الحماية المدنية أكثر تعقيدًا.
كذلك، أفاد الأهالي بأن حرائق سابقة اندلعت في نطاق الورش واقتربت آثارها من شرفات المنازل، وهي شهادة تستوجب مراجعة سجلات الحوادث رسميًا، بدل انتظار واقعة أكبر تحول التحذيرات المتكررة إلى حصيلة بشرية.
وبدوره، يؤكد الدكتور باسل كامل، رئيس قسم العمارة بالجامعة الأمريكية، أن تشغيل المبنى يجب أن يطابق الوظيفة المرخصة له، لأن كل استعمال يفرض متطلبات مختلفة، وهو ما ينطبق مباشرة على تحويل السكن إلى نشاط حرفي.
استنادًا إلى ذلك، لا تبدو المشكلة مجرد إزعاج ناتج عن نشاط تجاري، بل تغييرًا لوظيفة أجزاء من المبنى من دون ضمان توافر اشتراطات التهوية والإطفاء ومخارج النجاة والفصل الآمن بين الورشة والوحدات المأهولة.
وفوق ذلك، يشكو السكان من غياب وسائل الأمن الصناعي، رغم استخدام اللهب والشرر والدهانات والزيوت، ما يضع الأسر المقيمة فوق مصادر الخطر مباشرة، ويجعل أي خطأ محدود قابلًا للامتداد رأسيًا داخل العقار.
لذلك، تتطلب السلامة حصر المواد المخزنة وكمياتها، ومراجعة التراخيص ومصادر الكهرباء والتهوية وطفايات الحريق، ثم وقف كل نشاط لا يستوفي الشروط فورًا، مع إبقاء ممرات الطوارئ خالية لسيارات الإنقاذ والإسعاف.
حوائط تحمل الخطر
ثانيًا، يثير تحويل الشقق الأرضية إلى ورش مخاوف إنشائية مضاعفة، لأن عددًا من عمارات صقر قريش يعتمد، بحسب السكان، على الحوائط الحاملة بدل الهياكل الخرسانية ذات الأعمدة، ما يجعل العبث بالجدران مسألة مصيرية.
ومن ناحية أخرى، يقول الأهالي إن بعض الوحدات شهدت تعديلات وفتحات وإزالات لتوسيع مساحات العمل، لكنهم لا يملكون تقارير هندسية منشورة تحدد حجمها، وهو ما يفرض معاينة رسمية عاجلة لكل عقار محل شكوى.
ويوضح الدكتور مصطفى كامل متولي، أستاذ المنشآت بكلية الهندسة في جامعة عين شمس، أن نظام الحوائط الحاملة يخضع للكود والمواصفات، شأنه شأن الهياكل الخرسانية، لحماية المباني من الزلازل وأسباب الانهيار المختلفة.
وبالقياس إلى رأيه، فإن إزالة جدار حامل أو فتحه من دون تصميم ومراجعة هندسية قد تعيد توزيع الأحمال بصورة خطرة، لكن تحديد الضرر في العمارات المذكورة يظل مرهونًا بفحص متخصص لا بالتقدير البصري.
ومن ثم، تصبح مسؤولية الحي والمحافظة أوسع من تحرير مخالفة إشغال، إذ تشمل وقف أي أعمال داخلية، وتكليف لجنة هندسية بمراجعة الرسومات والشروخ والتعديلات، وإخلاء مواضع الخطر إذا أثبت الفحص تهديدًا مباشرًا.
إلى جانب ذلك، تتسبب اهتزازات المعدات المتكررة في قلق السكان، ولا يجوز الجزم بأثرها الإنشائي قبل القياس، إلا أن استمرارها داخل مبان سكنية يستدعي رصدًا فنيًا يحدد شدتها وتأثيرها التراكمي المحتمل.
وبناء على ذلك، يطالب الأهالي بمعاينة العمارات 79 و82 خصوصًا، بعد تحويل مساحات خلفية إلى مواقع عمل ومبيت، مع توسيع الفحص ليشمل بقية العقارات التسعة التي وردت أرقامها في شكاواهم.
ومع ذلك، يظل غياب نتائج معاينات معلنة سببًا في تضخم الخوف، لأن السكان لا يعرفون إن كانت الجدران آمنة أو ما إذا كانت التعديلات مرخصة، بينما يواصل أصحاب الورش نشاطهم كأن الشكوى لم تصل.
ضوضاء واحتلال الشارع
ثالثًا، يرصد السكان استمرار العمل في شارع 1006 عند العمارات 87 و211 و212 بعد الساعة 9 مساء، رغم قولهم إن موعد الغلق المحدد هو 7 مساء، مع استخدام معدات مرتفعة الصوت داخل نطاق سكني.
في الوقت نفسه، يشكو قاطنو العمارتين 79 و82 من تحول المساحات الخلفية إلى استراحات ومواقع مبيت للعمال، بما يقيد فتح النوافذ ويضرب خصوصية الأسر، ولا سيما النساء والفتيات، داخل بيوتهن.
كما أن مربعات العمارات 93 و97 و167 و170 تشهد، وفق الشهادات، إشغالات في الطرق ومنازعات على أماكن انتظار السيارات وتخزينًا عشوائيًا، وهي ممارسات تخنق المجال العام وتعرقل الحركة اليومية للسكان.
أما مدخل المنطقة من ناحية مرور البساتين أسفل الطريق الدائري، فيصفه الأهالي بالمتدهور والمزدحم، ويقولون إنه لم يرصف منذ توسعة الطريق، بينما ضيقت الورش منافذ الحركة نحو التجمع ومدينة نصر.
وعلى الصعيد البيئي، ترى الدكتورة منى كمال، الرئيسة التنفيذية السابقة لجهاز شؤون البيئة، أن الورش والمصانع يجب نقلها بعيدًا عن المناطق السكنية، وأن التخطيط الجيد يمنع خلط البيوت بمصادر الضوضاء.
وتبعًا لذلك، تنص خطة جهاز شؤون البيئة لمكافحة الضوضاء على وقف الأنشطة غير المرخصة فورًا واتخاذ إجراءات قانونية ضد الورش المقلقة للراحة، ما يجعل استمرار الشكاوى اختبارًا واضحًا لقدرة الأجهزة المحلية على الإنفاذ.
في نهاية المطاف، يطالب الأهالي بإغلاق الورش غير المرخصة، ونقل النشاط الحرفي، وتنفيذ حملات مسائية مفاجئة، وفحص السلامة الإنشائية، وإزالة الإشغالات، ورصف المدخل، ونشر نتائج الإجراءات بدل الاكتفاء بوعود لا توقف الخطر.

