كشفت منظمات حقوقية عن وجود 1090 محتجزة داخل مركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان 4 نساء، بينهن 47 فقط ينفذن أحكامًا قضائية، وسط شكاوى من التفتيش المهين والتجريد والتضييق، بما يفاقم معاناتهن اليومية.
وتفضح هذه الأرقام اتساع اعتماد السلطة على الحبس قبل صدور الأحكام، وتحويل السجن إلى مساحة لإسكات المعارضات وكسر أسرهن، بينما تتوارى الكرامة الإنسانية خلف أبواب مغلقة لا تخضع لرقابة مستقلة أو مساءلة علنية.
وبحسب الرصد، تضم المنشأة محتجزات على خلفيات متعددة، بينهن سياسيات وأخريات متهمات في قضايا جنائية، وهو خلط تقول الشهادات إنه يعرض السياسيات لضغوط وإهانات وتهديدات، ويضاعف هشاشتهن النفسية داخل غرف الاحتجاز المشتركة.
وفي المقابل، لم يتسن التحقق المستقل من العدد المعلن بسبب غياب البيانات الرسمية المفصلة، إلا أن ضخامة الفارق بين إجمالي المحتجزات والمحكومات تفرض على النيابة ووزارة الداخلية نشر الأساس القانوني لاحتجاز كل واحدة منهن.
تفتيش يهدر الكرامة
أفاد التقرير بأن حملات التفتيش تتكرر بصورة تعسفية وتمتد أحيانًا لأيام، وتصاحبها مصادرة متعلقات شخصية وإجراءات تفتيش ذاتي مهينة تنفذها سجانات، بما يحول الإجراء الأمني من وسيلة ضبط إلى عقوبة جماعية تمس الأجساد والخصوصية.
وفي هذا السياق، قال محمود شلبي، الباحث المعني بالشؤون المصرية في منظمة العفو الدولية، إن معاناة سجناء العاشر تستمر رغم حداثة المنشأة، بسبب عمل سلطات السجون من دون رقابة كافية أو مساءلة فعالة.
وبالتالي، يكتسب كلام شلبي دلالة مباشرة في حالة النساء، لأن التفتيش الجسدي المهين لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل اعتداء قائمًا على النوع الاجتماعي قد يترك آثارًا نفسية عميقة ويمنع الضحايا من تقديم شكاوى.
كذلك، تشير روايات متداولة عن تجريد المحتجزات من بعض احتياجاتهن إلى استخدام الحرمان أداة للضبط والإخضاع، بينما يفترض أن تقتصر أي مصادرة على ضرورة أمنية محددة، وأن تسجل رسميًا وتتاح بشأنها آلية تظلم مستقلة.
إضافة إلى ذلك، يضع غياب الكاميرات والرقابة المستقلة أقوال المحتجزات في مواجهة رواية الجهة المحتجزة نفسها، وهو اختلال يمنح القائمين على التفتيش سلطة شبه مطلقة، ويجعل إثبات الانتهاك أو محاسبة مرتكبيه بالغ الصعوبة.
ومن ناحية أخرى، فإن إجبار السياسيات على الإقامة مع جنائيات، بحسب الشكاوى، لا يعفي الإدارة من حماية جميع المحتجزات، بل يلزمها بمنع الترهيب والعنف، وتصنيف أماكن الإيداع وفق تقييم فردي للمخاطر والاحتياجات.
ولهذا، لا تكفي تسمية المنشأة مركزًا للإصلاح والتأهيل ما دامت الممارسات المبلغ عنها تنتهك الخصوصية وتهدر الكرامة، فالمعيار الحقيقي ليس واجهة المبنى، وإنما طريقة معاملة النساء حين تغيب أعين الجمهور والمحامين والمنظمات المستقلة.
حبس بلا رقابة
أوضح الحقوقي محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن بناء سجون جديدة لم ينه مشكلات أوضاع السجناء، محذرًا من نصوص وإجراءات قد تحجب العدالة عن ضحايا التعذيب وتحمي الموظفين العموميين من المحاسبة.
ومن ثم، يعزز الرقم المعلن مخاوف لطفي، إذ إن وجود 47 محكومة فقط بين 1090 محتجزة يفتح سؤالًا حاسمًا عن مدد الحبس الاحتياطي، ودورية المراجعة القضائية، ومدى توافر بدائل قانونية أقل قسوة.
غير أن التقرير لا يقدم تفصيلًا كاملًا للمراكز القانونية لبقية المحتجزات، ولذلك لا يجوز وصفهن جميعًا بالمحبوسات احتياطيًا دون ملفات فردية، لكن هذا النقص نفسه يكشف الحاجة الملحة إلى شفافية رسمية قابلة للتدقيق.
وفي الأثناء، يتحول الحبس المطول قبل المحاكمة إلى عقوبة واقعية حين تتكرر قرارات التجديد من دون تحقيق جاد، فتفقد قرينة البراءة معناها، وتدفع النساء وأطفالهن وأسرهن ثمنًا اجتماعيًا واقتصاديًا لا تعوضه البراءة المتأخرة.
وبناء على ذلك، ينبغي للنيابة مراجعة ضرورة استمرار احتجاز كل امرأة على حدة، والإفراج عمن انتفت مبررات حبسها، مع منع التجديد الآلي، وضمان حضور الدفاع وتمكينه من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها بفاعلية.
فضلًا عن ذلك، فإن التضييق في الزيارات وإرجاع الاحتياجات الأساسية يوسع العقوبة لتشمل الأسر، وخصوصًا الأطفال وكبار السن، ويجعل الاتصال بالعالم الخارجي امتيازًا تمنحه الإدارة أو تمنعه بدلًا من كونه حقًا منظمًا.
وعلى صعيد آخر، لا توفر الزيارات الرسمية المعلنة ضمانًا كافيًا ما لم تجر مقابلات سرية مع المحتجزات، وتفحص سجلات العقوبات والشكاوى والعلاج، وتعلن النتائج كاملة، لأن الجولات المرتبة مسبقًا قد تخفي واقع العنابر.
انتهاكات تضرب النساء
ترى لبنى درويش، مديرة برنامج حقوق النساء والنوع الاجتماعي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن مواجهة العنف ضد النساء تتطلب تعزيز استقلاليتهن وحقوقهن، لا الاكتفاء بمقاربات حمائية تمنح المؤسسات سلطة أوسع على أجسادهن وقراراتهن.
وعلاوة على ذلك، تتقاطع رؤية درويش مع شكاوى التفتيش والتجريد، لأن المحتجزة لا تفقد حقها في السلامة الجسدية أو الخصوصية، ولا يجوز استخدام الانضباط ذريعة لإذلالها أو التحكم في احتياجاتها الصحية الأساسية.
كما أن احتجاز النساء يفرض التزامات إضافية تتعلق بالرعاية الصحية والطمث والحمل والأمومة والصحة النفسية، وأي تعنت في إدخال المستلزمات أو الأدوية قد يحول القيود الإدارية إلى خطر مباشر على الحياة والسلامة.
في المقابل، تقول الرواية الرسمية إن مراكز الإصلاح الحديثة توفر خدمات صحية وتأهيلية وزيارات، لكن الشهادات الحقوقية المتكررة تضع هذه الصورة موضع اختبار، وتطالب بإثباتها عبر رقابة مستقلة لا تخضع لوزارة الداخلية.
وإزاء ذلك، تصبح الشكوى من التفتيش الذاتي المهين مسألة تستوجب تحقيقًا جنائيًا وإداريًا عاجلًا، مع حماية المبلغات من الانتقام، ووقف الموظفات المشتكى منهن مؤقتًا إذا وجدت قرائن جدية، وحفظ الأدلة وسماع الشهود بسرية.
وفي السياق ذاته، ينبغي فصل المحتجزات وفق معايير قانونية ومهنية، ومنع تفويض أي سجينة بسلطات فعلية على أخريات، لأن الإدارة تظل مسؤولة عن سلامة الجميع، ولا يجوز أن تدير العنابر عبر التهديد أو الامتيازات غير الرسمية.
أخيرًا، تطالب المنظمات بالإفراج عن المحتجزات تعسفيًا، وتحسين ظروف الاحتجاز فورًا، وفتح السجن أمام مراقبين مستقلين، بينما تقع على النيابة مسؤولية التحقيق في مزاعم الإهانة والتجريد والتضييق، ونشر نتائج واضحة تضمن عدم الإفلات من العقاب.

