عادت قضية مقتل الشاب محمد قنديل، المعروف باسم "مهند"، إلى واجهة الاهتمام الحقوقي والقضائي مجددًا، بعد إقامة دعوى مدنية للمطالبة بتعويض والدته عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بها إثر وفاة نجلها داخل قسم شرطة ثان طنطا، في واقعة أثارت تساؤلات واسعة بشأن أوضاع الاحتجاز ومدى التزام الجهات المسؤولة بحماية المحتجزين داخل مقار الاحتجاز.
وتأتي الدعوى في وقت لا تزال فيه القضية تثير نقاشًا حول مسؤولية الجهات القائمة على إدارة أماكن الاحتجاز، خاصة بعد صدور أحكام بحق عدد من المحتجزين المتهمين بالاعتداء على "مهند"، بينما لا تزال المطالب الحقوقية مستمرة ببحث مسؤولية القائمين على القسم عن عدم التدخل لمنع الاعتداء أو تقديم الرعاية الطبية اللازمة في الوقت المناسب.
دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية وعدد من مسؤوليها
أقامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بصفتها وكيلًا عن والدة محمد قنديل، دعوى أمام القضاء المدني بمحكمة غرب طنطا الابتدائية، طالبت فيها بإلزام وزارة الداخلية بتعويض الأسرة عن الأضرار التي تعرضت لها نتيجة وفاة نجلها أثناء احتجازه.
واختصمت الدعوى كلًا من وزير الداخلية، ومساعد الوزير لقطاع الأمن العام، ومدير أمن الغربية، ومأمور قسم شرطة ثان طنطا بصفتهم، استنادًا إلى ما اعتبرته مسؤولية قانونية عن حماية المحتجزين داخل أماكن الاحتجاز.
وكانت المحكمة قد نظرت أولى جلسات الدعوى في 30 يوليو الماضي، حيث طلب محامي الدولة الاطلاع على ملف القضية، قبل أن تقرر المحكمة تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة الثامن من أكتوبر المقبل.
بداية الواقعة.. خلاف مروري انتهى بالحبس
تعود تفاصيل القضية إلى الثالث من يوليو 2024، عندما نشبت مشادة بين محمد قنديل، البالغ من العمر 23 عامًا ويعمل سائق ميكروباص، وأحد الأشخاص بسبب أولوية المرور في أحد شوارع طنطا.
وبحسب أوراق القضية، تقدم الطرف الآخر ببلاغ اتهم فيه "مهند" بالسب والشروع في القتل، الأمر الذي دفع الأخير إلى تسليم نفسه طواعية لقسم الشرطة، حيث باشرت النيابة العامة التحقيق معه، وأنكر الاتهامات المنسوبة إليه، قبل أن تصدر قرارًا بحبسه احتياطيًا على ذمة القضية رقم 16362 لسنة 2024 جنح ثان طنطا.
لكن "مهند" لم يصل إلى أولى جلسات محاكمته، إذ توفي داخل مقر احتجازه بعد نحو شهر واحد فقط من حبسه الاحتياطي.
سبع ساعات من الاعتداء داخل غرفة مراقبة
وفقًا لما ورد في التحقيقات الرسمية، تعرض "مهند" لاعتداء استمر قرابة سبع ساعات متواصلة داخل غرفة الاحتجاز رقم (9) بقسم شرطة ثان طنطا.
وأظهرت التحقيقات أن أربعة محتجزين تعدوا عليه بالضرب بصورة متكررة، بعدما دخل المرحاض أكثر من مرة نتيجة شعوره بالإعياء، وهو ما تسبب في نشوب مشادة بينهم انتهت بقيامهـم بتقييده والاعتداء عليه بصورة جماعية.
وأفادت شهادات المحتجزين الذين استمعت إليهم النيابة العامة بأن الاعتداء بدأ في نحو الساعة الواحدة صباحًا واستمر حتى الثامنة صباحًا، بينما كان "مهند" غير قادر على المقاومة نتيجة تدهور حالته الصحية وخوفه من الموقف الذي تعرض له لأول مرة.
وأكدت التحقيقات أن كاميرات المراقبة الموجودة داخل غرفة الاحتجاز وثقت أجزاء من الواقعة، حيث أظهر تفريغ التسجيلات "مهند" وهو يتحرك بصعوبة قبل أن يسقط أرضًا، ثم يقوم أحد المحتجزين بتقييده، بينما شارك آخرون في الاعتداء عليه وضربه في أنحاء متفرقة من جسده.
شهادات متطابقة أمام النيابة
استمعت النيابة العامة إلى أقوال عشرة محتجزين كانوا داخل غرفة الاحتجاز وقت الواقعة، وجاءت إفاداتهم متقاربة بشأن تفاصيل الاعتداء.
وأوضح الشهود أن "مهند" تعرض للضرب بشكل متكرر، وأن الاعتداء استمر لساعات طويلة دون تدخل لوقفه، رغم وجود كاميرات مراقبة داخل الغرفة.
كما تطابقت أقوالهم مع اعترافات المتهمين، فضلًا عن نتائج تفريغ كاميرات المراقبة التي أرفقت ضمن أوراق القضية.
ظروف احتجاز وصفت بالمتردية
وسلطت أوراق القضية الضوء على أوضاع الاحتجاز داخل القسم، إذ أشارت إلى أن غرفة الاحتجاز التي كان يقيم بها "مهند" تبلغ مساحتها نحو 36 مترًا مربعًا، ويحتجز بداخلها قرابة أربعين شخصًا.
ووفقًا لشهادات المحتجزين، كانت مساحة دورة المياه لا تتجاوز نصف متر تقريبًا، وتضم مرحاضًا واحدًا يستخدمه جميع المحتجزين، في ظل غياب التهوية الكافية وعدم السماح لهم بالخروج للتريض أو العرض الدوري على الأطباء عند الحاجة.
وتعتبر هذه الظروف، بحسب ما جاء في الدعوى، مخالفة للضمانات القانونية الخاصة بمعاملة المحتجزين وصون كرامتهم الإنسانية.
الوفاة بعد تدهور صحي
تشير وقائع القضية إلى أن "مهند" فقد وعيه بعد ساعات من الاعتداء، ولم يُكتشف تدهور حالته إلا عندما حان موعد نقله إلى المحكمة لحضور أولى جلسات محاكمته.
وعلى إثر ذلك جرى نقله إلى مستشفى المنشاوي العام، حيث فارق الحياة بعد وصوله بفترة قصيرة.
وتؤكد الدعوى أن المتوفى لم يتعرض للاعتداء البدني فقط، وإنما ظل يعاني من تدهور صحي وإجهاد شديد دون تلقي الرعاية الطبية اللازمة، رغم ظهور علامات الإعياء عليه قبل وفاته.
محاكمة المتهمين والأحكام الصادرة
باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعة، وأحالت أربعة محتجزين إلى المحاكمة الجنائية بتهمة الاعتداء على "مهند".
وخلال نظر القضية، طلب دفاع الأسرة تعديل وصف الاتهام ليصبح "ضربًا أفضى إلى الموت"، مستندًا إلى ما تعرض له المجني عليه من تقييد واعتداء متواصل وما نتج عنه من حالة هلع وتدهور صحي انتهى بوفاته.
إلا أن المحكمة رفضت تعديل وصف الاتهام، وقضت بحبس كل متهم لمدة سنة مع الشغل، وكفالة خمسة آلاف جنيه لوقف التنفيذ مؤقتًا.
وفي الثامن والعشرين من مايو 2025 أيدت محكمة الجنح المستأنفة الحكم الصادر بحق المتهمين.
أسئلة لا تزال مطروحة
ورغم صدور الأحكام بحق المتهمين، ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن القضية لا تزال تثير العديد من التساؤلات حول مسؤولية القائمين على مكان الاحتجاز.
وتشير إلى أن الاعتداء استمر لساعات طويلة داخل غرفة مراقبة بالكاميرات، دون تدخل لمنعه، كما تتساءل عن أسباب استمرار احتجاز هذا العدد الكبير من الأشخاص داخل غرفة واحدة، ومدى الالتزام بتوفير الحد الأدنى من الرعاية الطبية والإنسانية للمحتجزين.
وتعتبر الدعوى أن هذه الوقائع تستوجب مساءلة الجهات المختصة عن مسؤوليتها القانونية والإدارية، إلى جانب المسؤولية الجنائية التي طالت مرتكبي الاعتداء.
والدة فقدت عائلها الوحيد
وتوضح أوراق الدعوى أن محمد قنديل كان الابن الوحيد لوالديه، وكان يتولى إعالتهما ماديًا بعد تقدمهما في العمر وإصابتهما بعدد من الأمراض.
وكان والداه يعملان في توزيع أسطوانات الغاز دون تأمين صحي أو اجتماعي، الأمر الذي جعل "مهند" مصدر الدخل الأساسي للأسرة.
وترى والدة الشاب أن فقدان نجلها لم يقتصر على الجانب الإنساني، بل ترتبت عليه أضرار مادية ومعنوية جسيمة دفعتها إلى اللجوء للقضاء المدني للمطالبة بالتعويض.
مطالبات بالمساءلة وجبر الضرر
وفي ختام بيانها، شددت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على أن الحكم بالتعويض يمثل، من وجهة نظرها، وسيلة لجبر جزء من الأضرار التي لحقت بأسرة "مهند"، مؤكدة أن مسؤولية حماية المحتجزين تقع على عاتق الجهات القائمة على أماكن الاحتجاز وفقًا للقوانين المنظمة لذلك.
كما اعتبرت أن مسؤولية الجهات المختصة لا تقتصر على منع هروب المحتجزين، وإنما تمتد إلى ضمان سلامتهم وحمايتهم من أي اعتداء أو إيذاء، سواء كان صادرًا من العاملين داخل مكان الاحتجاز أو من محتجزين آخرين، بما يتوافق مع الضمانات القانونية والدستورية المتعلقة بحقوق المحتجزين.

