ممدوح الولي

خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا

 

تسبب حادث قصف مُسيّرة لسفينة تغويز، أى تقوم بتحويل الغاز المُسال إلى غاز طبيعي، بميناء دمياط الواقع على البحر المتوسط بشمال مصر، في تسليط الضوء على مكانة الغاز الطبيعي بين موارد الطاقة في مصر، وهو ما تكشف عنه بيانات معهد الطاقة في العام الماضي، والتي أشارت إلى استحواذ الغاز الطبيعي على نسبة 55.7 في المئة من الإجمالي، يليه النفط بنسبة 39.5 في المئة، بينما كان نصيب الطاقة المتجددة الشمسية والرياح 1.8 في المئة، والفحم 1.5 في المئة، والطاقة الكهرومائية 1.3 في المئة.

 

وبدأ تخطي الغاز الطبيعي نصف موارد الطاقة في مصر منذ عام 2009 وخلال السنوات التالية، حتى بلغت نسبته 59 في المئة عام 2021، وساعد على ذلك توافر الغاز الطبيعي متضمنا نصيب الشركات الأجنبية فيه بأكثر من الطلب المحلي، وتوسع الصناعات المختلفة في استخدامه كوقود بديل أقل تلويثا، إلى جانب كونه مادة خام في صناعات الأسمدة والبتروكيماويات.

 

لكنه مع تراجع الإنتاج المحلي من حقل ظُهر الواقع بشرق البحر المتوسط، والأعلى بالإنتاج وبالاحتياطات الغازية بين الحقول المصرية، من إنتاج 3.2 مليار قدم مكعب يوميا عام 2019 حتى بلغ 1.2 مليار قدم مكعب، نتيجة التسريع في كميات المستخرجة منه على حساب العوامل الفنية.

 

وواكب ذلك معدل التراجع الطبيعي في إنتاجية حقول الغاز والبالغ مائة مليون قدم مكعب يوميا، إلى جانب تباطؤ عمليات الاستكشاف والاستخراج للغاز الطبيعي نتيجة تراكم مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في مصر وتأخر الحصول عليها، والنتيجة تفوق كميات الاستهلاك من الغاز الطبيعي عن كميات إنتاجه محليا منذ عام 2015 حتى 2018، وخلال عام 2020 ثم خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لتصل نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 68 في المئة العام الماضي.

 

نسب اكتفاء غير حقيقية

 

لكن تلك النسبة للاكتفاء الذاتي تتضمن إنتاج الشريك الأجنبي والذي تدور حصته حول نصف الإنتاج، وهي الحصص التي تقوم مصر بشرائها من تلك الشركات الأجنبية، مما يعني أن نسبة الاكتفاء الحقيقية من الغاز الطبيعي 34 في المئة، وبما يعني أيضا أن الحديث عن تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي خلال بعض السنوات ما بين عامي 2011 و2014، وخلال عام 2019 وخلال عامي 2021 و2022 هو أمر غير حقيقي، نظرا لاحتساب حصة الشريك الأجنبي ضمن الإنتاج المحلي في تلك السنوات.

 

وينطبق نفس الأمر على نسبة الاكتفاء الذاتي من النفط والتي بلغت 74 في المئة بالعام الماضي، حيث تصبح النسبة الحقيقية 37 في المئة.

 

وها هي بيانات جهاز الإحصاء الحكومي الرسمي تشير إلى تراجع إنتاج الغاز الطبيعي -شاملا حصة الشريك الأجنبي- من 50.3 مليون طن عام 2022، إلى 44.7 مليون طن في العام التالي، والاستمرار في الانخفاض إلى 37.2 مليون طن في عام 2024، ثم مواصلة الانخفاض إلى 31.9 مليون طن في العام الماضي، وها هي بيانات مبادرة البيانات المشتركة -جودي- الخاصة بإنتاج الغاز الطبيعي المصري خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي، تشير إلى تراجع كميات الإنتاج بنسبة 8 في المئة بالمقارنة بنفس الشهور من العام الماضي.

 

وهكذا ، حيث زادت كميات الاستيراد حسب بيانات أوبك من 151 مليون متر مكعب سنويا عام 2019، لتستمر الزيادة بشكل مستمر وبلا انقطاع حتى العام الماضي حين بلغت 20.4 مليار متر مكعب، وها هي بيانات جودي تشير إلى زيادة كميات واردات الغاز الطبيعي خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي بنسبة 39 في المئة بالمقارنة بنفس الشهور من العام الماضي.

 

الكهرباء تستحوذ على غالب الاستهلاك

 

وارتبطت زيادة الطلب على الغاز الطبيعي وتراجع الإنتاج المحلي منه، بتراجع كميات التصدير لتتراجع من أكثر من 9 مليارات متر مكعب خلال عامي 2021 و2022، إلى 5 مليارات متر مكعب عام 2023، ثم إلى 400 مليون متر مكعب في 2024، وإلى 432 مليون متر مكعب في العام الماضي حسب بيانات أوبك، مع الأخذ في الاعتبار أن كميات التصدير كانت قد بلغت 16.9 مليار متر مكعب عام 2006 وظلت تزيد عن الخمسة عشر مليارا من الأمتار المكعبة حتى عام 2010.

 

ويشير التوزيع النسبي لقطاعات استهلاك الغاز الطبيعي في مصر إلى استحواذ إنتاج الكهرباء على نسبة 57 في المئة، والصناعة 25 في المئة، والبترول ومشتقاته 10 في المئة، والمنازل 6 في المئة، وتموين السيارات 2 في المئة، ونظرا لوجود نمو على الطلب في كل تلك القطاعات فقد كانت زيادة كميات الاستيراد هي السبيل لمواجهة لطلب المتزايد.

 

فها هو قطاع توليد الكهرباء تزداد حاجته للغاز الطبيعي خلال أشهر الصيف والتي تبلغ ذروتها في شهر أغسطس، ولهذا تشير بيانات جودي للاستيراد المصري للغاز الطبيعي خلال أشهر العام الماضي إلى كون أغسطس هو الأعلى بين شهور العام، سواء من حيث كميات الطلب أو من حيث كميات الاستيراد.

 

وبدأت مصر استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل عام 2020، وظل الغاز الإسرائيلي القادم عبر خط أنابيب يمثل كامل الواردات من الغاز حتى عام 2023، لكن خلال العامين الماضيين توسعت مصر في استيراد الغاز المُسال، وهو ما تطلب استئجار سفن تقوم بعملية التغويز لتحويل الغاز المُسال إلى الحالة الغازية، ومع زيادة كميات الاستيراد زاد عدد سفن التغويز المستأجرة إلى أربع سفن، ثلاث منها في ميناء السُخنة وواحدة في ميناء دمياط والتي تعرضت للقصف الأخير قبل أيام.

 

وتبلغ طاقة التغويز اليومية لكل سفينة في منطقة السخنة 750 مليون قدم مكعب، بينما تبلغ طاقة سفينة دمياط 450 مليون قدم مكعب، ومؤخرا قامت مصر بالاتفاق مع الأردن على الحصول على كميات من الغاز الذي تم تغويزه بواسطة سفينة في ميناء العقبة، بواقع 450 مليون قدم مكعب يومي.

 

ومع مخاطر استئثار إسرائيل بتوريد الغاز عبر الأنابيب، قامت مصر بالاتفاق مع قبرص على الحصول على غازها لتسييله عبر محطة إسالة بمصر لتصديره أو شراء مصر له، لكن هذا لن يتم قبل عام 2028، حيث قامت إسرائيل في سبتمبر الماضي بإيقاف اتفاقية لتوريد الغاز لمصر، وفي أكتوبر الماضي قامت بخفض الكميات الموردة إلى الثلث لمدة 12 يوما بمبرر الصيانة للحقول، الأمر الذي أثر على مصانع الأسمدة المصرية التي عملت بأقل من طاقتها الإنتاجية. كما قامت إسرائيل بإيقاف الغاز المورد لمصر مع نشوب الحرب على إيران نهاية فبراير الماضي، وذلك لمدة 34 يوما، واقتصر التوريد على 200 مليون قدم مكعب يوميا مقابل 1.1 مليار قدم مكعب يوميا كانت توردها قبل الحرب، مما أثر سلبيا على أنشطة صناعية كثيفة استخدام الطاقة.

 

استيراد الغاز المُسال حتى 2028

 

ولهذا زادت شحنات الغاز الطبيعي في مصر لتتراوح ما بين 15 و20 شحنة شهريا من الغاز المُسال، كما تعاقدت مع شركات عالمية لتوريد الغاز المُسال حتى عام 2028. وحسب معهد الطاقة فقد بلغت كميات استيراد الغاز المُسال في العام الماضي 12.8 مليار متر مكعب، كانت نسبة 91 في المئة منها من الولايات المتحدة، وكميات قليلة من نيجيريا وغينيا الاستوائية وترينداد وتوباغو والنرويج.

 

إلا أن تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز وحرمان الأسواق من صادرات قطر من الغاز وانخفاض صادرات دول أخرى مثل إيران والإمارات، قد أدت إلى زيادة سعر الغاز المُسال حتى بلغت 21.45 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية في ختام تعاملات الجمعة الماضية، مقابل 12.1 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية في العام الماضي، مما يزيد من تكلفة واردات الغاز الطبيعي في العام الحالي، وهي الواردات الغازية التي بلغت تكلفتها في العام الماضي 8.9 مليار دولار، حسب جهاز الإحصاء، مقابل 4.9 مليار دولار خلال عام 2024 أي بنسبة ارتفاع 253 في المئة، ليصبح الأثر السعري ثنائي السبب، سواء لزيادة الكميات المستوردة أو زيادة سعر كل من الغاز المُسال والغاز الفوري بسبب الحرب.

 

وفي ضوء تصريح رئيس الوزراء المصري بزيادة تكلفة الغاز المستورد بسبب الحرب ثلاثة أضعاف، لتبلغ التكلفة الشهرية 1.65 مليار دولار، فهذا يعني الاقتراب من العشرين مليار دولار، بخلاف قيمة واردات النفط الخام والمشتقات البترولية، والتي بلغ مجموعها تكلفتها في العام الماضي 11.9 مليار دولار مع سعر نفط خام 69 دولارا للبرميل، وهي الأسعار التي تخطت 120 دولارا للبرميل خلال شهر أبريل الماضي، والتي ستزيد تكلفة استيرادها بسبب زيادة الكميات المستوردة.