أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تطبيق زيادة جديدة بمتوسط 12% على أسعار معظم شرائح الاستهلاك المنزلي اعتبارا من فاتورة أغسطس 2026 مع تثبيت الشريحة الأولى حتى 50 كيلووات ساعة عند 68 قرشا لتدخل ملايين الأسر المصرية جولة جديدة من الغلاء بعد سلسلة طويلة من تحريك أسعار الكهرباء منذ تولي عبد الفتاح السيسي الحكم.
وربط توقيت القرار بين ملفين أثارا اهتماما واسعا خلال الأيام الأخيرة وهما ارتفاع تكلفة الكهرباء وحادث ميناء دمياط قبل أن يخرج المتحدث الرسمي للوزارة منصور عبد الغني لينفي وجود أي علاقة بين الواقعتين بينما يضع سجل الأسعار القرار الجديد ضمن سياسة متواصلة حملت المواطنين زيادات متكررة وصلت إلى 11 جولة موثقة منذ 2014.
زيادة أغسطس تضرب 6 شرائح
وبحسب التعريفة التي بدأ تطبيقها في أغسطس ارتفع سعر الشريحة الثانية من 78 إلى 87 قرشا للكيلووات ساعة وارتفعت الثالثة من 95 قرشا إلى 1.06 جنيه بينما قفزت الرابعة من 1.55 إلى 1.74 جنيه والخامسة من 1.95 إلى 2.18 جنيه بما يرفع فاتورة قطاعات واسعة من الأسر.
كما رفعت الحكومة الشريحة السادسة التي تغطي استهلاك ما بين 651 و1000 كيلووات ساعة من 2.10 إلى 2.35 جنيه للكيلووات ورفعت الشريحة السابعة لأكثر من 1000 كيلووات من 2.58 إلى 2.89 جنيه بينما أبقت الشريحة الأولى وحدها دون تغيير وقدمت القرار باعتباره موازنة بين تكلفة الإنتاج واستمرار الخدمة.
وفي المقابل قال منصور عبد الغني المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إن إعلان الأسعار الجديدة لا يرتبط بأي شكل من الأشكال بحادث ميناء دمياط مؤكدا أن ما تردد عن وجود صلة بين الواقعتين لا أساس له من الصحة بعدما دفع التقارب الزمني بين الحادث والإعلان إلى إثارة تساؤلات بشأن أسباب توقيت الزيادة.
وسبق القرار الحالي تحريك آخر للأسعار خلال أبريل 2026 عندما أعلنت وزارة الكهرباء زيادة بعض شرائح الاستخدام المنزلي والتجاري على خلفية ارتفاع أسعار موارد الطاقة واضطراب الإمدادات الإقليمية وهو ما يعني أن المواطن واجه خلال أشهر قليلة جولتين منفصلتين من زيادات الكهرباء رغم التصريحات السابقة التي كانت تؤجل الإعلان عن تحركات جديدة للأسعار.
ويخدم رأي الخبير الاقتصادي محمد فؤاد هذا المحور بعدما قال قبل إعلان زيادة أغسطس إن قرار تحريك أسعار الكهرباء أصبح قرارا سياسيا بالأساس وإن السؤال لم يعد يتعلق بإمكان حدوث الزيادة وإنما بتوقيتها وقدر فؤاد الفجوة التي يعانيها قطاع الكهرباء نتيجة تكاليف الوقود والإنتاج بنحو 300 مليار جنيه سنويا.
وأوضح فؤاد في تصريحات أخرى أن ارتفاع تكلفة الكهرباء على القطاعات التجارية والإنتاجية لا يتوقف عند فاتورة المنشأة نفسها لأن الشركات والمحال تحمل جزءا من ارتفاع التكلفة على أسعار السلع والخدمات وهو ما يجعل الزيادة تنتقل من عداد الكهرباء إلى نفقات الغذاء والنقل والخدمات التي تتحملها الأسرة المصرية طوال الشهر.
11 زيادة منذ 2014 وسنوات التجميد لم توقف مسار رفع الأسعار
وبالعودة إلى سجل عهد السيسي بدأت خطة إعادة هيكلة أسعار الكهرباء في 2014 عندما وافقت الحكومة على خفض الدعم تدريجيا عبر زيادات متتابعة في التعريفة وأعلن وزير الكهرباء وقتها محمد شاكر أن الخطة تستهدف إنهاء الدعم خلال 5 سنوات قبل أن تتغير المواعيد أكثر من مرة مع استمرار زيادة تكلفة الإنتاج وتراجع قيمة الجنيه.
وتكشف البيانات المنشورة حتى 2019 أن الحكومة وصلت آنذاك إلى الزيادة الخامسة في عهد السيسي إذ أعلنت في ذلك العام زيادة جديدة بمتوسط بلغ نحو 14.9% اعتبارا من يوليو واستهدفت الحكومة مواصلة خفض الدعم بعدما كانت قد نفذت جولات متتابعة خلال السنوات السابقة ضمن الخطة نفسها لرفع أسعار بيع الطاقة الكهربائية.
ثم جاءت الجولة السادسة في يوليو 2020 عندما أعلنت الحكومة رفع متوسط أسعار الكهرباء المنزلية بنحو 19% ومدت خطة التخلص من الدعم لسنوات إضافية بدلا من الموعد السابق قبل أن تنفذ الجولة السابعة في يوليو 2021 وترفع أسعار مختلف الشرائح مع استمرار الحديث الرسمي عن الوصول تدريجيا إلى تكلفة الإنتاج.
وبعد ذلك جمدت الحكومة الزيادة المخططة خلال 2022 ثم مددت التجميد طوال فترات من 2023 في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع التضخم قبل أن تنهي التجميد في يناير 2024 وتنفذ الجولة الثامنة بزيادات تراوحت بين نحو 7% و20% حسب الشرائح لتعود فاتورة الكهرباء مجددا إلى مسار الارتفاع.
وبعد أشهر قليلة فقط أقرت الحكومة الجولة التاسعة في أغسطس 2024 ورفعت أسعار مختلف الشرائح المنزلية بنسب تفاوتت بصورة كبيرة ووصلت في بعض الشرائح إلى مستويات قاربت 50% ثم جاءت زيادة أبريل 2026 باعتبارها الجولة العاشرة قبل أن تكمل زيادة أغسطس الحالية الجولة رقم 11 منذ بدء عهد السيسي.
ويقدم الاقتصادي إلهامي الميرغني قراءة معارضة لمسار الزيادات منذ سنوات إذ ربط في دراسة سابقة رفع أسعار الكهرباء بإعادة هيكلة قطاع الطاقة وتوسيع الاعتماد على التسعير التجاري وتقليص الدعم معتبرا أن السياسات المتتابعة نقلت جزءا متزايدا من تكلفة إعادة الهيكلة إلى الاستهلاك المنزلي بدلا من حماية دخول الفئات الأقل قدرة.
فاتورة الكهرباء تثقل أعباء الأسر وتضغط على أسعار السلع
وفي الوقت نفسه لا تقف آثار تحريك التعريفة عند الأسر التي ارتفع استهلاكها فوق الشريحة الأولى لأن الكهرباء تدخل مباشرة في تكلفة تشغيل المصانع والمحال والخدمات والنقل والتخزين ولذلك تنتقل زيادة تكاليف الطاقة بدرجات مختلفة إلى أسعار المنتجات النهائية وهو مسار عرفه المصريون مع كل جولة سابقة لرفع الكهرباء والوقود.
ومن ناحية أخرى تؤكد الأرقام الجديدة أن تثبيت الشريحة الأولى لا يعفي معظم الأسر من الزيادة لأن استهلاك منزل يستخدم ثلاجة وغسالة ومراوح أو أجهزة تبريد يمكن أن يتجاوز بسهولة حدود 50 كيلووات ساعة شهريا وبمجرد انتقال الاستهلاك إلى الشرائح التالية يبدأ تطبيق الأسعار التي رفعتها الحكومة بمتوسط معلن بلغ 12%.
وعلى هذا الأساس تكتسب ملاحظات الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أهمية خاصة إذ سبق أن أكد في مناقشته لسياسات رفع دعم الطاقة أن أي إصلاح للتسعير يجب أن يراعي قدرة المواطن ودخله وأن الاعتماد على حجم الاستهلاك وحده لا يحقق العدالة لأن الأسر تختلف في عدد أفرادها واحتياجاتها وليس فقط في مستوى ثروتها.
ويكشف هذا الطرح مشكلة أساسية في طريقة تمرير الزيادات لأن الأسرة الكبيرة قد تستهلك كهرباء أكثر من أسرة صغيرة من دون أن يعني ذلك امتلاكها دخلا أعلى بينما يؤدي نظام الشرائح وحده إلى معاملتها باعتبارها أكثر قدرة على دفع التكلفة وهو ما يوسع العبء على الطبقات التي تضررت بالفعل من التضخم وتراجع القوة الشرائية.
وفي المقابل تقول وزارة الكهرباء إن الدولة ما زالت تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويا كفارق بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء والتعريفة التي يدفعها المشتركون وتؤكد أن المستهلك عند المستويات المنخفضة يحصل على دعم كبير غير أن استمرار رفع التعريفة يضع هذا الخطاب أمام سجل ممتد من الزيادات لم ينته منذ أكثر من عقد.
وأخيرا تبقى المحصلة واضحة بعد 11 جولة موثقة من تحريك أسعار الكهرباء في عهد السيسي فقد تحولت خطة كان يفترض أن تنتهي خلال سنوات محددة إلى مسار ممتد من الزيادات والتأجيل ثم الزيادات الجديدة فيما جاء إعلان أغسطس 2026 بعد زيادة أبريل بأربعة أشهر فقط ليضيف عبئا جديدا إلى فاتورة معيشة لم تعد تحتمل قرارات غلاء متلاحقة.

