كشفت إفادات أسرة الشاب محمود راتب يونس وتوثيقات حقوقية استمرار اختفائه منذ 13 أكتوبر 2019 عقب توقيفه قرب منزله في منطقة التجمع الأول بالقاهرة أثناء وجوده مع زوجته، ليدخل عامه السابع دون إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني أو تمكين أسرته من التواصل معه.
وتضع سنوات الاختفاء المتواصلة قضية محمود أمام مسؤولية مباشرة للسلطات المصرية التي تلقت الأسرة منها مطالب وبلاغات للكشف عن مكانه، بينما بقي مصيره مجهولا، وهو وضع يحرم الشاب من ضماناته القانونية ويحرم أسرته من معرفة مكانه أو الاطمئنان على سلامته طوال ما يقارب 7 سنوات.
توقيف قرب المنزل أعقبه انقطاع كامل للأخبار
بحسب التوثيقات الحقوقية المتاحة، كان محمود يعمل مدربا في صالة للألعاب الرياضية ويقضي معظم وقته بين عمله وتدريبه، وتقول أسرته إنه لم يمارس نشاطا سياسيا أو حزبيا قبل توقيفه، كما لم تعرف عنه الأسرة ارتباطا بقضايا سياسية تفسر القبض عليه أو استمرار إخفائه طوال هذه السنوات.
وفي تفاصيل الواقعة، أفادت شهادات منشورة بأن رجال أمن بملابس مدنية أوقفوا محمود أثناء عودته مع زوجته إلى منزلهما في التجمع الأول خلال الساعات الأولى من 13 أكتوبر 2019، ثم اقتادوه داخل سيارة بعد تقييد حركته، ومنذ تلك اللحظة انقطع الاتصال به ولم تتمكن أسرته من تحديد مكانه.
كما أظهرت روايات أفراد أسرته أن اختفاء محمود وقع بعد أشهر قليلة من زواجه، وهو ما ضاعف تأثير الواقعة على حياته الأسرية، فيما استمرت زوجته وشقيقاته ووالدته في البحث عنه ومخاطبة الجهات المعنية دون أن تحصل الأسرة على معلومة رسمية تحسم مكان وجوده أو توضح الأساس القانوني لاحتجازه.
وفي هذا السياق، يحدد المحامي الحقوقي خالد علي جوهر الإخفاء القسري بوجود شخص محتجز في مكان مجهول لا يعلمه المحتجز أو أسرته أو فريق الدفاع عنه، وهو توصيف يضع مسألة الكشف عن مكان المحتجز في صلب الضمانات القانونية وليس باعتبارها مسألة إدارية يمكن للسلطات تأجيل الرد بشأنها.
قانونيا، تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حالة محمود لأن التوثيقات المنشورة لا تشير إلى عرضه علنا أمام جهة تحقيق أو تمكين محاميه وأسرته من التواصل معه، بينما يفرض الاحتجاز القانوني معرفة جهة الاحتجاز ووجود سجل رسمي وإتاحة الضمانات المرتبطة بالدفاع والمراجعة القضائية منذ اللحظات الأولى للقبض.
أسرة تبحث منذ 2019 وأم تطالب برؤية ابنها
من جانبها، واصلت أسرة محمود طوال السنوات الماضية توجيه الاستغاثات والبلاغات إلى الجهات المختصة أملا في الحصول على معلومة واحدة تحدد مكانه، وقال أفراد منها إنهم طرقوا الأبواب القانونية والرسمية المتاحة دون نتيجة معلنة، فيما بقي السؤال نفسه قائما منذ أكتوبر 2019 بشأن الجهة التي تحتجز محمود ومصيره الحالي.
وبعد مرور 3 سنوات على اختفائه، نشرت والدته رسالة تحدثت فيها عن استمرار بحثها عن ابنها وعجزها عن الوصول إليه، وأكدت أن الأسرة كانت تعرف محمود بوصفه شخصا مسالما ومقربا من أسرته، كما طالبت المسؤولين بالكشف عن مكانه حتى تتمكن من رؤيته والاطمئنان عليه بعد سنوات من الانقطاع الكامل.
حقوقيا، سبق للمحامي نجاد البرعي أن رفض إنكار حالات الاختفاء القسري في مصر، مؤكدا أن واجب وزارة الداخلية لا ينتهي بمجرد نفي وجود شخص لديها، لأن الوزارة تتحمل أيضا مسؤولية البحث عن المواطن المبلغ باختفائه وتحديد مصيره، وهو موقف يرتبط مباشرة بمطالب أسرة محمود المتكررة منذ توقيفه.
وبالتوازي مع ذلك، وثق مركز الشهاب لحقوق الإنسان استمرار اختفاء محمود خلال السنوات اللاحقة، وحمل وزارة الداخلية مسؤولية سلامته وطالب بالكشف عن مقر احتجازه، كما أعاد نشر استغاثة والدته بعد مرور سنوات على الواقعة، ما أبقى القضية موثقة رغم غياب إعلان رسمي يحسم مصير الشاب.
وحتى أغسطس 2026، تظل المعلومات المتاحة بشأن محمود مرتبطة أساسا بأسرته والمنظمات التي تابعت قضيته، بينما لا يظهر في المصادر المنشورة التي أمكن مراجعتها إعلان رسمي يحدد مكان احتجازه الحالي، وهو فراغ مستمر منذ واقعة القبض ويحرم الأسرة من أبسط المعلومات المتعلقة بحياة ابنها وسلامته.
استمرار ظاهرة الإخفاء القسري في مصر
أمام امتداد القضية قرابة 7 سنوات، لا تبدو واقعة محمود منفصلة عن ملف حقوقي أوسع وثقته منظمات مصرية ودولية خلال السنوات الماضية، إذ أكدت منظمة العفو الدولية في تقارير حديثة استمرار تعرض أشخاص في مصر لفترات من الإخفاء القسري أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي قبل ظهور بعضهم أمام جهات التحقيق.
وفي قراءة حقوقية لهذا المسار، قال المحامي والحقوقي جمال عيد إن الخلاف في مصر لم يعد يدور فقط حول وجود حالات إخفاء قسري وإنما حول أعدادها، مشيرا إلى اختلاف الأرقام التي قدمتها المؤسسات الرسمية والمنظمات الحقوقية، وهو ما يكشف أهمية نشر سجلات واضحة تسمح بمراجعة كل بلاغ وتحديد مصير صاحبه.
وبينما تختلف الحالات والظروف من شخص إلى آخر، يبقى معيار الحسم بسيطا في قضية محمود، فإما أن تعلن الدولة مكان وجوده ووضعه القانوني وتمكنه من حقوقه القانونية، أو توضح نتيجة التحقيقات التي أجرتها بشأن اختفائه، أما استمرار غياب المعلومات فلا يقدم لعائلته إجابة عن الواقعة التي بدأت أمام منزلها في 2019.
لذلك تحمل سنوات الاختفاء آثارا مباشرة لا تقتصر على محمود وحده، إذ عاشت أسرته طوال تلك الفترة دون زيارة أو اتصال أو معلومة مؤكدة عن سلامته، كما بقيت والدته تطالب برؤية ابنها، في وقت تحولت فيه السنوات التي كان يفترض أن يعيشها الشاب مع أسرته وعمله إلى فترة مجهولة المصير.
وفي المقابل، يقرر القانون الدولي أن الإخفاء القسري يظل انتهاكا مستمرا ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولا، كما يعتبر حجب مكان المحتجز عن أسرته وإبعاده عن الحماية القانونية أحد العناصر الأساسية لهذه الجريمة، وهو ما يجعل مرور الزمن سببا إضافيا لضرورة الكشف عن المصير وليس مبررا لإغلاق الملف.
وعلى المستوى السياسي، تتحمل حكومة عبد الفتاح السيسي مسؤولية تقديم إجابة موثقة في القضايا التي تتهم فيها أجهزة أمنية باحتجاز مواطنين ثم إنكار معرفة أماكنهم، لأن أجهزة الدولة تملك سجلات القبض والاحتجاز والتحريات، ولا يمكن تحميل أسرة تبحث عن ابنها منذ سنوات عبء إثبات مكان يفترض أن تعرفه مؤسسات الدولة.
وأخيرا، تدخل قضية محمود راتب يونس عامها السابع بسؤال لم يتغير منذ ليلة اختفائه في أكتوبر 2019، أين محمود ومن يحتجزه وما وضعه القانوني، وهي أسئلة تستطيع السلطات المصرية الإجابة عنها إذا كان محتجزا لديها، كما يتعين عليها التحقيق الجاد في مصيره إذا كانت تنفي ذلك وإعلان النتائج كاملة لأسرته والرأي العام.

