طالبت نقابة أطباء الأسنان المجلس الأعلى للجامعات في مصر بخفض أعداد المقبولين وغلق عدد من الكليات ووقف تراخيص الكليات الجديدة، بعدما تجاوز عدد الدارسين 77 ألف طالب، بالتزامن مع تخريج نحو 12 ألف طبيب سنويًا بما يفوق احتياجات سوق العمل.

 

ويكشف تحرك النقابة حجم أزمة صنعتها سنوات من التوسع الجامعي غير المحسوب، بعدما تضاعفت الكليات وأعداد الخريجين دون توفير فرص عمل موازية، لتتحمل آلاف الأسر كلفة تعليم مرتفعة بينما يواجه أبناؤها البطالة وتراجع فرص التكليف والعمل بعد التخرج.

 

فائض يطارد الخريجين

 

وبحسب بيانات النقابة، يتجاوز عدد طلاب طب الأسنان داخل الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية 70 ألف طالب، يضاف إليهم أكثر من 7 آلاف يدرسون بالخارج، بما يشكل كتلة ضخمة تستعد لدخول سوق يعاني بالفعل من زيادة أعداد الممارسين.

 

وفي المقابل، ارتفع عدد كليات طب الأسنان في مصر من 42 كلية حكومية وخاصة عام 2015 إلى نحو 88 كلية حاليًا، وهو توسع ضخم ساهم في زيادة أعداد المقبولين والخريجين دون نمو مماثل في الطلب الفعلي عليهم.

 

ومن ثم، قفز عدد خريجي طب الأسنان سنويًا من مستويات تراوحت بين 2000 و5000 خريج خلال سنوات سابقة إلى قرابة 12 ألف خريج حاليًا، بما يجعل المعروض من الأطباء يتجاوز الطاقة الاستيعابية المقدرة لسوق العمل بنحو 4 أضعاف.

 

كما طالبت النقابة بخفض أعداد المقبولين سنويًا في كليات طب الأسنان بنسب ملموسة، معتبرة أن استمرار معدلات القبول الحالية يعني إضافة آلاف الخريجين سنويًا إلى سوق مشبع، وترحيل الأزمة من دفعة إلى أخرى دون معالجة أسبابها الأساسية.

 

علاوة على ذلك، دعت النقابة إلى الوقف الفوري لإصدار تراخيص إنشاء كليات أو برامج جديدة لطب الأسنان، في محاولة لوقف التوسع الذي أدى خلال سنوات قليلة إلى تضاعف عدد المؤسسات التي تستقبل الطلاب وتدفع بخريجين جدد إلى السوق.

 

وبالتوازي، طرحت النقابة مقترحًا بتحويل بعض الكليات القائمة إلى مؤسسات تقتصر على برامج الدراسات العليا والبحث العلمي، دون استقبال دفعات جديدة بمرحلة البكالوريوس، بما يسمح بخفض أعداد الخريجين مع الاستفادة من الإمكانات الأكاديمية المتاحة.

 

وفي السياق نفسه، شملت المقترحات دراسة تحويل جزء من الطلاب المقيدين حاليًا بطب الأسنان إلى كليات الطب البشري وفق ضوابط محددة، في خطوة تعكس حجم الاختلال بين أعداد الطلاب المتوقع تخرجهم والاحتياجات الحقيقية للقطاع الصحي.

 

وبالتالي، لا تقف الأزمة عند حدود التنسيق الجامعي، إذ تواجه دفعات موجودة بالفعل داخل الكليات خطر الدخول إلى سوق مكتظ خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعني استمرار تدفق آلاف الخريجين حتى إذا بدأ خفض أعداد المقبولين اعتبارًا من العام الحالي.

 

التوسع يصنع الأزمة

 

وأكد نقيب أطباء الأسنان إيهاب هيكل أن سوق العمل أصبح مكتظًا بالخريجين، وأن فرص التشغيل لم تعد متاحة بالصورة التي كانت عليها سابقًا، محذرًا من أن التوسع الكبير في أعداد الكليات والخريجين خلق أزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا.

 

وبحسب هيكل، لم تعد احتياجات السوق تتناسب مع أعداد أطباء الأسنان الذين يتخرجون سنويًا، وهو ما يضع الجهات المسؤولة عن سياسات التعليم أمام ضرورة إعادة ضبط القبول بدل استمرار ضخ آلاف الخريجين دون وجود فرص حقيقية لاستيعابهم.

 

وبناء على ذلك، يصبح خفض القبول خطوة ضرورية لكنها غير كافية وحدها، لأن أكثر من 70 ألف طالب موجودون بالفعل داخل الجامعات المصرية، وسيصل جزء كبير منهم تباعًا إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة مهما تغيرت قواعد التنسيق الجديدة.

 

وفوق ذلك، يضاف إلى الطلاب المقيدين محليًا أكثر من 7 آلاف مصري يدرسون طب الأسنان خارج البلاد، بما يزيد الضغط المتوقع عند عودة هؤلاء ومحاولتهم ممارسة المهنة، ويجعل معالجة الأزمة مرتبطة بإجمالي الداخلين إلى السوق وليس الجامعات المحلية فقط.

 

من ناحية أخرى، حذر القيادي النقابي أحمد عبد الهادي من آثار التوسع غير المدروس في كليات طب الأسنان، مشيرًا إلى الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين مقارنة بالسنوات السابقة، وما ترتب عليها من تفاقم مشكلات البطالة وضعف فرص التشغيل.

 

وبالتالي، فإن أزمة الخريجين لم تظهر بصورة مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار تراكمي توسعت خلاله الجامعات في القبول وإنشاء الكليات، بينما لم تتوسع الوظائف الحكومية والقطاع الصحي والعيادات وفرص التدريب بالمعدل نفسه القادر على استيعاب هذه الزيادة.

 

كما تتحمل الأسر جانبًا كبيرًا من فاتورة هذا الخلل، خاصة في الجامعات الخاصة والأهلية مرتفعة المصروفات، إذ تنفق مبالغ كبيرة طوال سنوات الدراسة على أمل الحصول على مستقبل مهني مستقر، قبل الاصطدام بسوق شديد المنافسة بعد التخرج.

 

وعليه، لم تعد شهادة طب الأسنان ضمانة تلقائية لمسار وظيفي مستقر، بعدما أصبح عدد الخريجين أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب، في وقت تتراجع فيه فرص التكليف الحكومي وتزداد صعوبة تأسيس العيادات الخاصة بسبب تكلفتها المرتفعة.

 

خفض القبول لا يكفي

 

وأكد أشرف حاتم، رئيس اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الصحي بالمجلس الأعلى للجامعات، أن المقترحات تتضمن خفض أعداد المقبولين بطب الأسنان بنسبة تصل إلى 20 بالمئة، إلى جانب تخصصات صحية أخرى تواجه زيادات في أعداد الخريجين مقارنة بالاحتياجات.

 

وأوضح حاتم أن التصور يشمل الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، بما يعني أن معالجة الفائض لن تقتصر على مسار جامعي واحد، وإنما تستهدف تقليص إجمالي الأعداد التي تدخل تخصص طب الأسنان بمختلف مؤسسات التعليم العالي في مصر.

 

غير أن خفض القبول بنسبة 20 بالمئة لن يمحو آثار سنوات التوسع سريعًا، لأن عشرات الآلاف من الطلاب يدرسون حاليًا بالفعل، وهو ما يضمن استمرار خروج دفعات كبيرة إلى سوق العمل لسنوات قبل ظهور الأثر الكامل لأي تخفيض جديد.

 

لذلك، تبدو مطالبة النقابة بوقف تراخيص الكليات الجديدة أكثر ارتباطًا بجذور الأزمة، إذ تمنع إضافة طاقات استيعابية جديدة إلى منظومة تجاوزت بالفعل احتياجات السوق، بدل الاكتفاء بخفض مؤقت للأعداد مع إبقاء باب التوسع المؤسسي مفتوحًا.

 

إلى جانب ذلك، يحتاج اقتراح غلق بعض الكليات أو تحويلها للدراسات العليا إلى معايير واضحة تتعلق بالجودة والإمكانات وأعداد الطلاب والتوزيع الجغرافي، حتى لا يتحول علاج التوسع العشوائي إلى قرارات عشوائية أخرى يتحمل الطلاب وحدهم نتائجها.

 

وفي الوقت نفسه، يمتد أثر الفائض إلى جودة الممارسة المهنية، إذ تؤدي المنافسة الشديدة على فرص محدودة إلى انخفاض الأجور وزيادة الضغوط على الأطباء الشباب، فضلًا عن دفع بعض الخريجين إلى البحث عن مجالات أخرى بعد سنوات من الدراسة.

 

كذلك، تحتاج الأعداد المتزايدة إلى مواقع تدريب وامتياز وإشراف سريري وتجهيزات تتناسب معها، ما يجعل القضية مرتبطة بجودة التعليم نفسه، وليس فقط بإمكانية العثور على وظيفة عقب التخرج أو الحصول على فرصة داخل القطاع الحكومي.

 

ومن هنا، تكشف أزمة طب الأسنان خللًا أوسع في التخطيط للتعليم الجامعي، حين تتوسع المقاعد والكليات قبل حساب احتياجات سوق العمل، ثم يكتشف الخريج بعد سنوات طويلة ومكلفة أن الدولة سمحت بتخريج أعداد تفوق الطلب الفعلي.

 

وفي النهاية، تطالب النقابة بتحويل مباحثاتها مع المجلس الأعلى للجامعات إلى قرارات تنفيذية تخفض القبول وتوقف الكليات الجديدة وتعيد تقييم المؤسسات القائمة، قبل إضافة دفعات أخرى إلى سوق يعاني أصلًا من فائض متراكم في أعداد الأطباء.

 

وهكذا، تضع أرقام 77 ألف طالب ونحو 12 ألف خريج سنويًا الجهات المسؤولة أمام أزمة يصعب تجاهلها، بعدما أصبح استمرار التوسع يعني إنتاج مزيد من البطالة المقنعة وتحميل الطلاب وأسرهم تكلفة خلل كان يمكن تجنبه بالتخطيط المبكر.