كشفت الهيئة العامة للرقابة المالية ارتفاع التمويل الاستهلاكي في مصر إلى نحو 40 مليار جنيه خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بزيادة تجاوزت 81%، بما يعكس اتساع اعتماد الأسر على التقسيط لمواجهة تآكل قدرتها الشرائية.

 

ويفضح هذا الارتفاع كلفة سياسات اقتصادية دفعت ملايين المصريين إلى الاستدانة لشراء احتياجات يفترض أن تغطيها الأجور، بينما تواصل الحكومة تحميل الأسر نتائج التضخم وتراجع العملة، وتقدم الاقتراض بوصفه حلاً لأزمة صنعتها خياراتها.

 

وبحسب البيانات الرسمية، سجلت التمويلات الاستهلاكية نحو 22 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2025، قبل أن تقفز إلى قرابة 40 ملياراً هذا العام، في تحول يكشف تسارع انتقال الاستهلاك اليومي من الدفع النقدي إلى الدين المؤجل.

 

وفي أبريل وحده، بلغت التمويلات الممنوحة 10.37 مليار جنيه مقابل 4.5 مليار جنيه في الشهر ذاته من العام الماضي، بنمو وصل إلى 128%، وهي قفزة تفوق بكثير معدلات تحسن الدخول أو الأجور الحقيقية.

 

كما أن تضاعف القيم التمويلية لا يعكس بالضرورة توسعاً صحياً في الاستهلاك، إذ يتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والسيارات والأجهزة المنزلية، ما يجعل الأسر تقترض مبالغ أكبر للحصول على الكمية نفسها أو مستوى معيشة أقل.

 

ومن ثم، تبدو القفزة المسجلة تعبيراً عن أزمة دخول أكثر منها مؤشراً على رخاء أو انتعاش، بعدما تحولت أنظمة التقسيط من وسيلة لشراء الكماليات إلى أداة لتوزيع عبء الاحتياجات الأساسية على شهور وسنوات.

 

اتساع فجوة الدخول

 

قال رئيس قطاع البحوث بشركة أسطول مصطفى شفيع إن المحرك الرئيسي للنمو يتمثل في اتساع الفجوة بين دخول المواطنين والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، بما دفع شرائح متزايدة إلى الاعتماد على حلول التقسيط.

 

وأضاف شفيع أن القوة الشرائية تراجعت بصورة ملحوظة مع استمرار الضغوط التضخمية، فأصبح السداد النقدي الكامل أكثر صعوبة، وتحولت أنظمة التقسيط إلى وسيلة لإدارة السيولة الشهرية، لا مجرد أداة لتمويل مشتريات استثنائية.

 

غير أن هذا التحول يحمل جانباً اجتماعياً بالغ القسوة، إذ يضطر المواطن إلى رهن جزء من دخله المستقبلي لتغطية احتياجاته الحالية، بينما تظل الأجور عاجزة عن ملاحقة الأسعار، وتتراكم الالتزامات على الأسر محدودة الدخل.

 

علاوة على ذلك، يرى شفيع أن التوترات الإقليمية عززت الاتجاه نحو الشراء المبكر، بعدما دفعت بعض المستهلكين إلى تسريع قرارات مؤجلة تحسباً لارتفاعات جديدة، لكنه شدد على أنها ليست السبب الرئيسي وراء نمو القطاع.

 

وبالتالي، يظل التضخم المحلي وضعف الدخول العاملين الأكثر تأثيراً، فيما تعمل المخاوف الخارجية كعامل تسريع يضغط على المستهلك لاتخاذ قرار فوري، حتى لو كان التمويل مرتفع التكلفة أو ممتداً لمدد طويلة.

 

كذلك، يكشف هذا السلوك عن تراجع الثقة في استقرار الأسعار، إذ بات المواطن يتعامل مع كل سلعة باعتبارها مرشحة لزيادة قريبة، فيشتري اليوم بالدين خشية أن يعجز غداً عن شرائها حتى بالتقسيط.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل نمو التقسيط عن تراجع الأجر الحقيقي، فكل زيادة سعرية لا تقابلها زيادة مماثلة في الدخل توسع الفجوة التمويلية، وتجعل الاقتراض خياراً اضطرارياً لا قراراً استهلاكياً حراً.

 

الشراء قبل موجة الغلاء

 

قالت رئيس قطاع البحوث بشركة فيصل لتداول الأوراق المالية إيمان مرعي إن جزءاً من النمو ارتبط بإقبال مستهلكين على الشراء قبل زيادات جديدة محتملة، وسط مخاوف من تأثير التوترات الجيوسياسية على السلع والدولار.

 

وأوضحت مرعي أن العملاء الراغبين في شراء السيارات والأجهزة المنزلية سارعوا إلى تثبيت الأسعار الحالية، تجنباً لأي زيادات قادمة، وهو ما رفع الطلب على التمويل الاستهلاكي خلال الأشهر الأولى من العام.

 

لكنها نبهت إلى أن ارتفاع قيمة التمويلات لا يعني زيادة مماثلة في عدد عمليات الشراء، لأن جزءاً كبيراً من القفزة يعكس ارتفاع أسعار السلع نفسها، لا تحسناً حقيقياً في مستويات الاستهلاك أو الرفاه.

 

وبناء على ذلك، فإن قراءة الأرقام باعتبارها دليلاً على نشاط اقتصادي متصاعد تبدو مضللة، لأن المستهلك قد يدفع أكثر لشراء سلعة واحدة، بينما تتراجع قدرته على شراء سلع أخرى أو الوفاء بالتزامات شهرية متزايدة.

 

فضلاً عن ذلك، تتضاعف المخاطر عندما يقترن الخوف من الغلاء بعروض تقسيط سهلة وسريعة، إذ قد يتخذ المستهلك قراراً يفوق قدرته الفعلية على السداد، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الفائدة وتباطؤ نمو الدخول.

 

وفي المقابل، لا تظهر سياسات حكومية كافية لحماية الأسر من دوامة الدين الاستهلاكي، بينما يجري الاحتفاء بتوسع التمويل كإنجاز مالي، من دون نقاش جاد حول أسبابه الاجتماعية أو أثره على الاستقرار المعيشي.

 

مخاطر التعثر تتصاعد

 

قال الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال إن توسع النشاط يعكس تطور المنتجات التمويلية التي تقدمها البنوك والشركات غير المصرفية، بما وفر بدائل أوسع للعملاء وأنظمة سداد أكثر مرونة.

 

وأشار عبد العال إلى أن قفزة أبريل قد تعكس عودة طلب مؤجل على السلع مرتفعة القيمة، بعد انتظار بعض المستهلكين استقرار الأوضاع، قبل أن يعاودوا الشراء بقوة خلال الفترة الأخيرة.

 

ومع ذلك، توقع عبد العال فترة من الهدوء النسبي بعد استيعاب جانب من الطلب المؤجل، مؤكداً ضرورة متابعة معدلات التعثر في السداد، لأن شركات التمويل تعتمد بدورها على تمويلات مصرفية قد تنقل المخاطر إلى القطاع المالي.

 

وحذر عبد العال من ارتفاع محتمل في التعثر داخل بعض القطاعات، خاصة تمويل السيارات المستعملة، مع اشتداد منافسة السيارات الصينية الجديدة وانخفاض أسعارها، ما قد يضغط على قيمة الضمانات وقدرة العملاء على إعادة البيع.

 

لذلك، فإن استمرار النمو بالمعدلات الحالية من دون ضوابط صارمة قد يحول التمويل الاستهلاكي إلى قناة لتدوير الأزمة، حيث تقترض الأسر من أجل الشراء، ثم تخصص جزءاً متزايداً من دخولها لسداد أقساط وفوائد متراكمة.

 

أما الرقابة المطلوبة، فلا ينبغي أن تقتصر على سلامة عقود الشركات، بل يجب أن تشمل شفافية التكلفة الكاملة، وتقييم قدرة العميل على السداد، ومنع التسويق الذي يستغل خوف المواطنين من ارتفاع الأسعار.

 

في النهاية، تكشف الأرقام أن 40 مليار جنيه من التمويلات خلال أربعة أشهر ليست مجرد قصة توسع مالي، بل شهادة على اقتصاد يدفع المواطنين إلى استهلاك مستقبلهم لتغطية حاضر تلتهمه الأسعار وتلاحقه المخاوف.