سجلت أسعار زيت الطعام خلال شهر يوليو  زيادة بنحو 11% في ، ليرتفع سعر اللتر إلى نحو 75 جنيها، رغم تراجع الأسعار العالمية، ما أدى إلى اتساع الضغوط المعيشية على ملايين الأسر.

 

وفي ظل استمرار موجات الغلاء، يجد المواطن نفسه أمام ارتفاع جديد في سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، بينما تتراجع القدرة الشرائية بصورة متواصلة، وتتآكل دخول الأسر لصالح زيادات لا يواكبها تحسن ملموس في مستويات الأجور.

 

وبحسب بيانات السوق، جاءت الزيادة الجديدة رغم انخفاض الأسعار العالمية للزيوت النباتية خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن آليات التسعير المحلية، ومدى انعكاس المتغيرات الدولية على المستهلك المصري.

 

كما أن ارتفاع سعر اللتر إلى نحو 75 جنيها يضيف عبئا جديدا على ميزانيات الأسر، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار سلع غذائية أخرى، بما يجعل تكلفة الوجبة اليومية أكثر قسوة على محدودي ومتوسطي الدخل.

 

ولذلك، تتجه الأنظار إلى حلقات الاستيراد والتوزيع وهوامش الربح، لمعرفة أسباب عدم انتقال تراجع التكلفة العالمية إلى الأسواق المحلية، وما إذا كانت المنافسة تعمل بالكفاءة المطلوبة داخل السوق المصرية.

 

ومن ثم، يطالب مراقبون بزيادة شفافية الإفصاح عن تكلفة الاستيراد والرسوم وهوامش التداول، حتى يتمكن المستهلك من معرفة أسباب الفجوة بين الأسعار العالمية والأسعار التي يدفعها داخل الأسواق المحلية.

 

الأسواق لا تنقل الانخفاض

 

ويرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الأسواق المحلية لا تعكس دائما انخفاض الأسعار العالمية بالسرعة نفسها التي تنقل بها الزيادات، بسبب عوامل تتعلق بالتكاليف المحلية وسلوك بعض حلقات التجارة.

 

وفوق ذلك، يؤكد عبده في تصريحات سابقة أن ضعف المنافسة في بعض القطاعات قد يؤدي إلى استمرار الأسعار المرتفعة حتى بعد انخفاض تكلفة الاستيراد، وهو ما يستدعي رقابة فعالة على الأسواق.

 

كذلك، ينعكس هذا الوضع مباشرة على الأسر محدودة الدخل، التي تخصص نسبة كبيرة من إنفاقها للغذاء، فتتحول أي زيادة جديدة في الزيوت إلى ضغط إضافي على احتياجاتها الأساسية اليومية.

 

وبالتالي، تصبح الأسر أكثر ميلا إلى تقليل الاستهلاك أو استبدال منتجات أقل جودة، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات صحية واجتماعية تتجاوز مجرد ارتفاع سعر سلعة بعينها.

 

وفي المقابل، يظل غياب البيانات التفصيلية حول تكلفة الاستيراد وهوامش الأرباح عاملا يزيد من حالة الغموض، ويغذي شعور المستهلك بأن الأسعار ترتفع دون مبررات واضحة أو قابلة للتحقق.

 

عوامل محلية مؤثرة

 

ويشير الخبير الاقتصادي هاني توفيق في أكثر من مناسبة إلى أن أسعار السلع داخل الأسواق لا ترتبط فقط بالبورصات العالمية، وإنما تتأثر أيضا بسعر الصرف وتكاليف التمويل والنقل والتخزين.

 

وعلاوة على ذلك، فإن تأثير تلك العوامل لا يلغي أهمية المنافسة والرقابة، لأن وجود سوق تعمل بكفاءة يساعد على انتقال أي انخفاض عالمي إلى المستهلك بصورة أسرع وأكثر عدالة.

 

كما أن استمرار الفجوة بين الاتجاه العالمي والسوق المحلية يثير مخاوف المستهلكين من تحول الزيادات إلى واقع دائم، حتى إذا تراجعت تكلفة الاستيراد خلال الأشهر المقبلة.

 

وبناء على ذلك، تصبح مراجعة آليات التسعير والإفصاح عن عناصر التكلفة ضرورة لحماية المنافسة، وضمان عدم تحميل المستهلك أعباء تتجاوز الارتفاعات الفعلية في تكلفة المنتج.

 

غير أن المستهلك لا ينظر عادة إلى تفاصيل التكلفة بقدر اهتمامه بالنتيجة النهائية، وهي ارتفاع فاتورة الغذاء شهرا بعد آخر، في وقت تتراجع فيه قدرته على مجاراة موجات الغلاء.

الرقابة وحقوق المستهلك

 

ويؤكد رئيس جهاز حماية المستهلك السابق عاطف يعقوب في مواقف معلنة أن الرقابة الفعالة والإفصاح عن الأسعار يمثلان ركيزة أساسية لحماية المستهلك وتعزيز المنافسة داخل الأسواق.

 

ولهذا، فإن أي فجوة كبيرة بين حركة الأسعار العالمية والمحلية تستوجب الفحص، للتأكد من عدم وجود ممارسات تضر بالمنافسة أو تؤدي إلى تحميل المستهلك تكاليف غير مبررة.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج الأسواق إلى نشر معلومات أكثر دقة حول تطور أسعار السلع الأساسية، بما يسمح للمستهلك بتقييم مدى عدالة الأسعار واتخاذ قرارات شراء أكثر وعيا.

 

إضافة إلى ذلك، فإن استمرار ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية ينعكس على معدلات الفقر الغذائي، ويدفع كثيرا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص الإنفاق على احتياجات أخرى.

 

وأمام هذه التطورات، تتزايد المطالب بإجراءات أكثر حزما لضبط الأسواق، وتعزيز الرقابة على حلقات التداول، ومراجعة أسباب عدم استفادة المستهلك من تراجع الأسعار العالمية.

وفي النهاية، تبقى الزيادة الأخيرة في أسعار زيت الطعام مثالا جديدا على الفجوة بين تحركات الأسواق الدولية وما يشعر به المواطن داخل السوق المحلية، حيث يتحمل المستهلك النتيجة النهائية مهما تعددت المبررات.