طالب النائب عماد الغنيمي بفتح تحقيق عاجل في حصول جميع طلاب إحدى لجان الثانوية العامة بمدينة فاقوس في محافظة الشرقية على أكثر من 90%، محذرا من أن ثبوت الواقعة يهدم تكافؤ الفرص ويطعن في نزاهة النتائج.
وفي المقابل، تعيد هذه الشبهة فتح ملف تعليم تحكمه المركزية والارتباك وغياب الرقابة المستقلة، بينما تدفع الأسر من أعصابها وأموالها ثمن منظومة تختزل مستقبل أبنائها في درجات قد تصبح العدالة فيها موضع سؤال علني.
وبحسب المعلومات المتداولة، لم يصدر حتى الآن بيان تفصيلي يحدد عدد طلاب اللجنة أو توزيع درجاتهم أو آلية المراجعة، وهو ما يجعل التحقيق المهني ضرورة لفصل الحقيقة الرقمية عن الشائعات المتسعة عبر المنصات الاجتماعية.
كما أن الغنيمي دعا وزارة التربية والتعليم والجهات المختصة إلى فحص النتائج بسرعة وشفافية، ثم إعلان ما تنتهي إليه التحقيقات للرأي العام، بما يحفظ حقوق الطلاب ويمنع تحول الصمت الرسمي إلى وقود للشكوك.
ومن ناحية أخرى، لا تعني النتيجة المرتفعة وحدها وقوع مخالفة، لكنها تصبح مؤشرا يستحق التدقيق عندما تشمل جميع الممتحنين داخل لجنة واحدة، خصوصا إذا ابتعد توزيعها بصورة حادة عن المتوسطات العامة في الإدارة والمحافظة.
وبالتالي، يبدأ الفحص الجاد بمراجعة كشوف الدرجات الأصلية وأوراق الإجابة ومحاضر فتح المظاريف وأسماء الملاحظين ومسؤولي اللجنة، إلى جانب مقارنة أنماط الإجابات والأخطاء المتطابقة التي قد تكشف مساعدة جماعية أو تلاعبا منظما.
عدالة الامتحان المفقودة
وفي هذا السياق، يعتبر الباحث التربوي كمال مغيث أن جوهر الامتحانات العامة يقوم على تكافؤ الفرص، وسبق أن وصف تسريب الأسئلة بأنه جريمة تضرب الأساس الذي يمنح النتائج مشروعيتها ويبرر اعتمادها في القبول الجامعي.
وفوق ذلك، يضع رأي مغيث مسؤولية ثقيلة على الوزارة، لأن حماية سرية الامتحان لا تكتمل بحراسة الأوراق فقط، بل تشمل ضمان استقلال المراقبة ومنع النفوذ المحلي ومحاسبة المسؤولين عن أي خلل قبل تحميل الطلاب وحدهم المسؤولية.
كذلك، فإن انتشار لجان يحيط بها الشك لا يضر أصحاب النتائج المتوسطة فقط، بل يظلم أيضا المتفوقين الحقيقيين داخل اللجنة نفسها، إذ تتحول درجاتهم المستحقة إلى مادة للتشكيك بسبب تقاعس الإدارة عن تقديم بيانات حاسمة.
لهذا، يجب أن يشمل التحقيق تحليل الفروق بين درجات طلاب اللجنة ونتائجهم السابقة، ومقارنة كل مادة بالمواد الأخرى، وفحص ما إذا كانت القفزة جماعية وغير منطقية أو ناتجة عن تفوق موثق ومستمر.
إلى جانب ذلك، ينبغي مراجعة تسجيلات المراقبة إن وجدت، وحركة دخول العاملين، وأي بلاغات قدمت أثناء الامتحانات، لأن انتظار ظهور النتيجة قبل التحرك يكشف قصورا رقابيا لا تعالجه بيانات الإنكار أو الطمأنة العامة.
ومع ذلك، تبقى قرينة الدرجات وحدها غير كافية لإدانة الطلاب، ومن ثم يجب حماية أسمائهم وكرامتهم خلال التحقيق، وعدم تحويلهم إلى متهمين جماعيين قبل ظهور دليل مادي يحدد المسؤولية الفردية والإدارية بدقة.
الغش وأزمة الثقة
أما أستاذ علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن، فيربط تضخم الغش بأزمة ثقة أوسع وشعور متزايد بأن فرص العدالة داخل التعليم محدودة، وأن التفتيش والكاميرات لا يعالجان جذور الخلل الاجتماعي والتعليمي المتراكم.
وبناء على ذلك، فإن واقعة فاقوس المحتملة لا يمكن اختزالها في لجنة منفردة، لأنها تطرح سؤالا أوسع حول قدرة الدولة على إدارة امتحان قومي موحد وسط تفاوتات صارخة بين المدارس والأقاليم والقدرات الاقتصادية للأسر.
غير أن الخطاب الرسمي يميل عادة إلى إعلان السيطرة الكاملة، ثم يتعامل مع الوقائع المثيرة للجدل باعتبارها حالات فردية، رغم أن تكرار الشكاوى بشأن الغش والتسريب ينسف رواية النجاح الإداري المستمر.
وعلاوة على ذلك، فإن الأسرة التي أنفقت سنوات على الدروس الخاصة ترى في أي شبهة تلاعب اعتداء مباشرا على حق ابنها، لأن مقعد الجامعة قد ينتقل من طالب اجتهد فعليا إلى آخر استفاد من خلل رقابي.
ومن ثم، لا يكفي إعلان عقوبات بعد انتهاء التحقيق، بل يتعين نشر منهجيته وحدوده والبيانات الإحصائية التي استند إليها، مع توضيح عدد الأوراق المعاد فحصها وأسباب تثبيت الدرجات أو تعديلها أو إلغاء نتائج محددة.
وفي الإطار نفسه، يفترض أن يتولى المراجعة فريق لا يرتبط إداريا بمسؤولي اللجنة أو الإدارة التعليمية في فاقوس، حتى لا تتحول المؤسسة المتهمة بالتقصير إلى الجهة الوحيدة التي تحقق في أدائها وتبرئ نفسها.
وعندئذ، يمكن للرأي العام التمييز بين لجنة حقق طلابها تفوقا حقيقيا وبين نمط غير طبيعي يستدعي المساءلة، فالأرقام المفصلة أكثر قدرة على حماية الأبرياء وكشف المخالفين من البيانات الإنشائية المعتادة.
نظام يقيس الحفظ
وفي رؤية تربوية مختلفة، يؤكد الخبير حسن شحاتة أن الامتحان العادل يجب أن يقيس الفهم والاستيعاب لا الحفظ والتلقين، وأن تنوع الأسئلة يقلل فرص الغش ويجعل النتيجة أكثر تعبيرا عن المستوى الحقيقي للطالب.
وبالمثل، تكشف الأزمة أن إصلاح شكل الأسئلة لا ينجح وحده إذا ظلت بيئة اللجنة قابلة للاختراق أو التأثير، لأن أفضل أدوات القياس تفقد قيمتها عندما لا تتساوى ظروف التطبيق بين جميع الطلاب.
لهذا السبب، تحتاج الوزارة إلى مراجعة معايير اختيار رؤساء اللجان والملاحظين، وتدويرهم جغرافيا بصورة دورية، وتدقيق تضارب المصالح والصلات العائلية، مع توفير قناة آمنة للمبلغين تحميهم من الانتقام الإداري والاجتماعي.
وفي الوقت ذاته، يجب ألا تستخدم الواقعة ذريعة لتشديد إجراءات مهينة على الطلاب في جميع اللجان، فالعلاج الحقيقي يتجه نحو الإدارة والرقابة والتقنية والتحقيق السريع، لا نحو توسيع الاشتباه الجماعي والعقاب الاستعراضي.
إضافة إلى ذلك، يظل نظام الثانوية العامة نفسه مولدا رئيسيا للضغط والفساد، لأنه يمنح امتحانا واحدا سلطة شبه مطلقة على المستقبل الجامعي، ويحول كل درجة إلى مكسب مالي واجتماعي قابل للاستغلال والمساومة.
وبصرف النظر عن نتيجة التحقيق، فإن مجرد تصديق قطاع واسع لاحتمال حصول لجنة كاملة على أكثر من 90% يكشف انهيارا في الثقة، لا تستطيع الوزارة إصلاحه من دون بيانات مفتوحة ومحاسبة معلنة ومستقلة.
وأخيرا، يضع طلب الغنيمي الحكومة أمام اختبار واضح، فإما تحقيق جاد ينشر نتائجه ويحمي الطلاب ويحاسب المتورطين، وإما صمت يرسخ الاعتقاد بأن العدالة التعليمية شعار تستخدمه السلطة عندما يناسبها وتتجاهله عند الامتحان الحقيقي.

