وثقت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة 128 واقعة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال الربع الثاني من عام 2026، بينها 60 واقعة تحرش و41 اعتداء و27 جريمة قتل، بما يكشف فشل الحماية الرسمية.
ويأتي هذا الرقم بينما تؤكد بيانات مؤسسة إدراك للتنمية والمساواة أن العنف الموجه ضد النساء يتخذ مساراً تصاعدياً، في ظل سلطة تكتفي بالبيانات والاحتفالات، وتترك الضحايا بين الخوف والوصم وبطء العدالة.
وبحسب الرصد المتاح، لم تعد الجرائم محصورة في الاعتداء الجسدي، بل امتدت إلى الابتزاز الإلكتروني والاتجار بالبشر والتهديد الرقمي، بما يجعل النساء والفتيات محاصرات داخل المنازل والهواتف ومواقع العمل والفضاء العام.
وفي المقابل، تكشف الأرقام أن جرائم القتل تمثل النهاية الأكثر دموية لمسارات عنف تبدأ غالباً بالتهديد والإهانة والضرب، ثم تتصاعد في غياب تدخل مبكر، أو استجابة مؤسسية سريعة، أو حماية تضمن سلامة المبلّغات.
كما أن ظهور أطفال دون 18 عاماً بين الضحايا والمتهمين يفضح اتساع دائرة الخطر، خصوصاً للفتيات بين 11 و17 عاماً، حيث تتقاطع الهشاشة العمرية مع ضعف التوعية وسهولة الاستدراج عبر المنصات الرقمية.
وبالتالي، لا يمكن فصل هذه الجرائم عن أزمة اقتصادية خانقة رفعت الضغوط داخل الأسر، وأضعفت قدرة النساء على الاستقلال أو مغادرة البيئات العنيفة، بينما تواصل الحكومة تحميل المواطنين كلفة سياساتها دون شبكات حماية فعالة.
ومن ثم، يتحول الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف السكن إلى عوامل تضاعف التوتر الأسري، لكنها لا تبرر الجريمة، بل تكشف مسؤولية دولة أخفقت في الوقاية، وفي توفير مراكز إيواء كافية، ودعم قانوني ونفسي سريع.
غير أن الخطاب الرسمي يفضل تقديم العنف بوصفه حوادث فردية أو انحرافات أخلاقية، متجاهلاً كونه نمطاً متكرراً تغذيه بنية قانونية واجتماعية تسمح بالإفلات من العقاب، وتضغط على الضحية كي تصمت أو تتراجع.
تصاعد بلا حماية
تقول نجوى إبراهيم، المديرة التنفيذية لمؤسسة إدراك، إن الاتجاه التصاعدي لجرائم القتل والعنف الأسري يكشف أزمة في إجراءات الحماية والتشريعات، وهو تقدير يضع المسؤولية مباشرة أمام مؤسسات الدولة لا أمام الضحايا.
وعلاوة على ذلك، سجل مرصد إدراك 1219 جريمة عنف ضد النساء والفتيات خلال عام 2025، بينها 312 جريمة قتل، وهي أرقام تمنح رصد 2026 سياقاً أشد خطورة وتؤكد أن التحذيرات السابقة لم تنتج استجابة كافية.
وبناءً على ذلك، يصبح غياب قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء ثغرة مركزية، لأن النصوص المتفرقة لا توفر تعريفات شاملة، ولا مسارات حماية واضحة، ولا أوامر إبعاد عاجلة تمنع المعتدي من الوصول إلى الضحية.
كذلك، تظل مراكز الإيواء محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، فيما تواجه نساء كثيرات صعوبة في الحصول على دعم مالي مستقل، أو مكان آمن، أو محام متخصص، وهو ما يدفع بعضهن للعودة إلى البيئة نفسها.
إلى جانب ذلك، يفاقم بطء التحقيق والمحاكمة شعور الضحايا بانعدام الجدوى، خصوصاً حين تتحول إجراءات الإبلاغ إلى استجواب لسلوك المرأة وملابسها وعلاقاتها، بدلاً من التركيز على الجاني والأدلة وحماية المبلّغة.
وعليه، فإن إنفاذ القانون لا يقاس بعدد البيانات الرسمية، بل بسرعة الاستجابة، وجودة جمع الأدلة، وحماية الشهود، وضمان سرية المعلومات، ومحاسبة الموظفين الذين يسيئون معاملة النساء داخل أقسام الشرطة أو جهات التحقيق.
عنف رقمي متسع
تحذر المحامية عزيزة الطويل من أن ضحايا الابتزاز الإلكتروني قد يتعرضن لانتهاكات إضافية أثناء تحرير المحاضر أو أمام جهات التحقيق، بسبب نظرة معادية للنساء، وهو ما يحول بوابة العدالة أحياناً إلى مصدر خوف جديد.
وفي السياق نفسه، يعتمد المبتزون على الخوف من الأسرة والفضيحة الاجتماعية، فيهددون بنشر الصور أو المحادثات للحصول على المال أو فرض علاقات قسرية، بينما يؤدي تأخر الإبلاغ إلى توسيع سيطرة الجاني ومضاعفة الخسائر.
فضلاً عن ذلك، لا تملك كثير من الفتيات معرفة كافية بكيفية حفظ الأدلة الرقمية، أو تأمين الحسابات، أو تقديم البلاغات، ما يجعل برامج التوعية المدرسية والجامعية ضرورة عاجلة لا حملة موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة.
ومن ناحية أخرى، حذرت نهاد أبو القمصان من صفحات منظمة تحرض على العنف ضد النساء وتقدم الكراهية باعتبارها رأياً، مؤكدة أن هذا الخطاب قد يتحول إلى جريمة عندما يدفع إلى التهديد أو الإكراه أو الاعتداء.
لهذا، تحتاج المواجهة إلى وحدات متخصصة ومدربة على الجرائم الرقمية، قادرة على تتبع الحسابات المزيفة بسرعة، ومنع تداول المحتوى، وتقديم دعم نفسي وقانوني للضحية، بدلاً من نصحها بإغلاق هاتفها أو الانسحاب من المجال العام.
ومع ذلك، تواصل منصات رقمية السماح بانتشار التشهير والتحريض والمحتوى المنتهك، بينما تغيب آلية وطنية شفافة تلزم الشركات بسرعة الاستجابة، وتحفظ الأدلة، وتمنع إعادة نشر المواد التي تستخدم لإذلال النساء وابتزازهن.
مؤسسات بلا تنسيق
ترى عزة سليمان، المحامية والمدافعة عن حقوق النساء، أن التطبيع مع العنف ودعم المعتدين على حساب الضحايا يرسخان الأزمة، مطالبة بتشريعات ذات منظور يراعي واقع النساء، لا نصوص محايدة تتجاهل اختلال القوة.
وفي ضوء ذلك، يكشف ضعف التنسيق بين الشرطة والنيابة ووزارات التضامن والصحة والتعليم ومنظمات المجتمع المدني عن منظومة مجزأة، تترك الضحية تتنقل بين جهات متعددة دون ملف موحد أو مسؤول واضح يتابع سلامتها.
إضافة إلى ذلك، يؤدي غياب قاعدة بيانات معلنة ومحدثة إلى تضارب الأرقام وصعوبة قياس الاتجاهات، بينما تعتمد منظمات مستقلة على ما ينشر رسمياً أو إعلامياً، وهو ما يعني أن الأرقام المرصودة أقل من الواقع.
أما على المستوى الإنساني، فإن كل واقعة لا تمثل رقماً مجرداً، بل حياة مهددة وأسرة ممزقة وطفلة قد تفقد تعليمها ومستقبلها، فيما تتحول استجابة الدولة البطيئة إلى شريك صامت في استمرار الخوف.
وفي النهاية، تكشف الأرقام المتصاعدة أن مواجهة العنف ضد النساء تحتاج إرادة حقيقية تبدأ بقانون شامل، وتمويل مراكز الحماية، وتدريب جهات إنفاذ القانون، وإتاحة الإبلاغ الآمن، ومحاسبة كل من يتستر على المعتدين.
وبذلك، فإن استمرار السلطة في الاكتفاء بالمؤتمرات والشعارات يمثل فشلاً أخلاقياً ومؤسسياً، لأن حماية النساء ليست ملفاً تجميلياً، بل اختبار لعدالة الدولة وقدرتها على صون الحياة والكرامة داخل الأسرة والشارع والفضاء الرقمي.

