أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم ليكون كتاب هداية ورحمة ونور للبشرية كلها، يقود الإنسان إلى معرفة ربه، ويهديه إلى الطريق المستقيم، ويقيم حياته على الحق والعدل والخير، وينقذه من ظلمات الجهل والضلال والأهواء إلى نور الإيمان والبصيرة والاستقامة.
وقد أثبت تاريخ الأمة أن عزتها ارتبطت بقدر تمسكها بكتاب الله، وأن قوتها الحضارية والأخلاقية نمت حين جعلت القرآن منهجًا للحياة، تحمل هدايته إلى العالم بأمانة وإخلاص، بينما كان الابتعاد عنه طريقًا إلى الضعف والتراجع وفقدان البوصلة.
القرآن يخرج الناس إلى النور
جعل الله تعالى القرآن طريقًا للهداية والخروج من ظلمات الكفر والجهل والانحراف، فقال سبحانه:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257].
وقال جل شأنه:
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1].
وقد تجلت هذه الهداية في حياة المسلمين الأوائل، حين نقلهم القرآن من التفرق والجهل والتبعية إلى وحدة العقيدة ووضوح الغاية وصناعة الحضارة، ثم حملوا رسالته إلى الشعوب من حولهم بالتضحية والأمانة والإخلاص.
وقد أثبت واقع المسلمين عبر الزمن أن تمسكهم بالقرآن كان سبيلًا للرقي والعزة، وأن ابتعادهم عن هديه كان بابًا للضعف والتراجع، كما جاء في كتاب «إعجاز القرآن الكريم» للدكتور محمد درويش، ص 46.
القرآن يهدي للطريق الأقوم
بيّن الله سبحانه أن القرآن لا يقدم مجرد مواعظ عابرة، وإنما يهدي الإنسان إلى أقوم الطرق في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات والحياة كلها، فقال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].
فالهداية القرآنية هداية ربانية لا تحدها عصور ولا تتقادم بتغير الأزمنة، لأنها صادرة عن العليم بأحوال الإنسان وما يصلح حياته في الدنيا والآخرة.
وتشريعات القرآن تحفظ للناس حقوقهم ومصالحهم، وتنظم شؤونهم المالية والاجتماعية والأسرية، وتضع أسس العدل بين الأفراد والمجتمعات والدول، ولذلك ظل الفقه الإسلامي مصدرًا غنيًا تستفيد منه الدراسات القانونية والتشريعية.
وهذا المعنى يؤكد أن المسلم لا ينظر إلى القرآن باعتباره كتابًا للتلاوة فقط، وإنما باعتباره منهجًا للهداية والعمل، يدعوه إلى ملازمته وتدبره وتحويل توجيهاته إلى واقع في نفسه وأسرته ومجتمعه.
وقد أشار الدكتور علي الصلابي إلى هذا المعنى في كتاب «الإيمان بالقرآن الكريم»، ص 45، مبينًا شمول الهداية القرآنية وصلاحيتها للإنسان في مختلف أحواله وعصوره.
حكم الله أساس العدل
حذر القرآن من الإعراض عن حكم الله واتباع الأهواء البشرية حين تخالف هديه، فقال سبحانه:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
وفي تفسير هذه الآية، بيّن الإمام ابن كثير أن الله تعالى ينكر على من يخرج عن حكمه المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، ويعدل عنه إلى الآراء والأهواء والاصطلاحات التي يضعها البشر بعيدًا عن هداية الوحي.
وقال ابن كثير في معنى الآية إن الله سبحانه هو أعدل الحاكمين، وإن المؤمن الذي عقل شرع الله وآمن به وأيقن بحكمته يعلم أن الله أرحم بخلقه، وأعلم بمصالحهم، وأقدر على إقامة العدل بينهم.
وجاء في «تفسير ابن كثير» (2/68) أن الله هو العالم بكل شيء، والقادر على كل شيء، والعادل في كل شيء، ولذلك كان حكمه سبحانه أكمل الأحكام وأقومها وأرحمها بالإنسان.
ومن هنا فإن تعلق المؤمن بحكم الله لا يقوم فقط على التكليف، وإنما يقوم كذلك على اليقين بأن خالق الإنسان هو الأعلم بما يصلح قلبه وحياته ومجتمعه.
اكتمال الدين وتمام النعمة
ومن أعظم نعم الله على هذه الأمة أنه أكمل لها دينها، فلم يتركها تتخبط بحثًا عن طريق الهداية، بل أنزل لها منهجًا كاملًا واضحًا، فقال سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3].
وهذه الآية تحمل معنى عظيمًا من معاني الاطمئنان والثبات، فالدين الذي أكمله الله لا يحتاج إلى دين غيره، والهداية التي أتمها سبحانه لا تحتاج إلى منهج يناقضها أو يستبدل بها.
وقد جاء في «إعجاز القرآن الكريم» أن من أكبر نعم الله على الأمة أن أكمل لها دينها، فلا تحتاج إلى دين غيره ولا إلى نبي بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، فقد جعله الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن.
ولهذا فلا حلال إلا ما أحله الله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل ما أخبر به سبحانه فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف.
وحين أكمل الله الدين تمت النعمة، ولذلك قال سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾.
فالإسلام هو الدين الذي رضيه الله لعباده، وبعث به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنزل به أشرف كتبه، فكان جديرًا بالمؤمن أن يرضى بما رضي الله له ويتمسك بهديه.
عظمة القرآن تدعو للتدبر
إن كمال الدين مرتبط بكمال مصدره، والقرآن الكريم كلام الله الذي لا تنقضي عجائبه، وكلما تدبر المؤمن آياته ازداد يقينًا بعظمة منزله سبحانه وحكمة شرعه ورحمته بعباده.
وقد ضرب الله للناس مثالًا يهز القلوب ويوقظها إلى عظمة هذا الكتاب، فقال سبحانه:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقرآن عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].
فإذا كان الجبل، بما فيه من قوة وصلابة، لو عقل خطاب القرآن لخشع وتصدع من خشية الله، فكيف بقلب الإنسان الذي خُلق ليعرف ربه ويعبده ويتدبر كلامه؟.
إن حاجتنا إلى القرآن ليست حاجة إلى تلاوة ألفاظه فحسب، وإنما إلى تلاوة توقظ القلب، وتدبر يصنع اليقين، وهداية تغير السلوك، وعمل يجعل القرآن حاضرًا في تفاصيل الحياة.
فالعودة الصادقة إلى القرآن هي عودة إلى النور بعد الظلمة، وإلى اليقين بعد الحيرة، وإلى ميزان العدل بعد اضطراب الأهواء، وإلى طريق الله المستقيم الذي يهدي للتي هي أقوم.

