تشهد تونس موجة احتجاجات واسعة تُعد من أكبر التحركات الشعبية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بعدما خرج آلاف المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة، القلب السياسي للعاصمة، للمطالبة برحيل الرئيس قيس سعيّد وإنهاء ما تصفه قوى المعارضة بـ"الحكم الفردي"، وذلك بالتزامن مع مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس في 25 يوليو 2021، والتي غيّرت شكل النظام السياسي في البلاد.

 

ولم تقتصر الاحتجاجات على يوم واحد، بل استمرت بشكل يومي منذ السبت وحتى اليوم الثلاثاء، وسط تصاعد الغضب الشعبي نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار انقطاع الكهرباء والمياه، إلى جانب اتهامات للحكومة بالعجز عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المتفاقمة.

 

آلاف المحتجين يملأون شارع الحبيب بورقيبة


وتجمع آلاف المتظاهرين في ساحة الجمهورية قبل أن ينطلقوا في مسيرة باتجاه المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة، رافعين الأعلام التونسية ولافتات كتب عليها "كفى عبثًا"، و"لا ماء.. لا كهرباء.. لا دواء"، إلى جانب شعارات سياسية تطالب بإسقاط النظام ورحيل الرئيس.

 

وردد المحتجون هتافات أبرزها: "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"ارحل"، و"شغل.. حرية.. كرامة وطنية"، و"لا خوف.. لا رعب.. الشارع ملك الشعب"، بينما شهد محيط التظاهرة انتشارًا أمنيًا مكثفًا وتمركزًا لقوات مكافحة الشغب على المداخل الرئيسية للشارع.

 

كما أفادت تقارير بأن متظاهرين تمكنوا من تجاوز الحواجز الأمنية للوصول إلى قلب شارع الحبيب بورقيبة، في مشهد أعاد إلى الأذهان الاحتجاجات التي شهدتها تونس خلال ثورة عام 2011.

 

المعارضة توحد صفوفها


وجاءت المظاهرات استجابة لدعوة أطلقها حراك "نفس"، إلى جانب أحزاب سياسية وشخصيات معارضة ومنظمات مجتمع مدني، في محاولة لتوحيد القوى الرافضة للمسار السياسي الذي بدأ في يوليو 2021.

 

وأكد منظمو التحرك أن الاحتجاجات لا تستهدف طرفًا سياسيًا بعينه، بل تمثل رفضًا واسعًا للأوضاع الحالية، مع الدعوة إلى استعادة المسار الديمقراطي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة.

 

ويرى قادة المعارضة أن الشارع أصبح يجمع أطيافًا سياسية ومدنية مختلفة بعد سنوات من الانقسام، معتبرين أن الأزمة الحالية تجاوزت الخلافات الحزبية وأصبحت تمس جميع المواطنين.

 

اتهامات بفشل إدارة الدولة


وقال رئيس ائتلاف "نفس" حسام الحامي إن الاحتجاجات تحمل رسالة واضحة مفادها أن إدارة الدولة وصلت إلى مرحلة من "العبث"، مشددًا على أن استمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يجعل السلطة الحالية مسؤولة بصورة مباشرة عن تدهور الأوضاع.

 

 

وأضاف أن الاحتجاجات تعكس رفضًا واسعًا للحكم الفردي، وأن التفويض الشعبي الذي تحدث عنه الرئيس قيس سعيّد لم يعد قائمًا، داعيًا إلى العودة للاحتكام إلى صناديق الاقتراع من خلال انتخابات حرة وشفافة.

 

حركة النهضة: لا إنجازات بعد خمس سنوات


من جانبه، أكد الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري أن الوضع في تونس أصبح أكثر سوءًا بعد مرور خمس سنوات على إجراءات 25 يوليو، معتبرًا أن البلاد شهدت تراجعًا في الحريات واعتقال عدد من السياسيين والنشطاء والمدونين، مقابل غياب أي إنجاز اقتصادي أو اجتماعي ملموس.

 

وأضاف أن السلطة جمعت كل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية، لكنها لم تتمكن من معالجة أبسط الأزمات اليومية، مشيرًا إلى أن الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء وارتفاع الأسعار أصبحت من أبرز مظاهر الأزمة التي يعيشها المواطن التونسي.

 

كما دعا إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين، معتبرًا أن استمرار احتجاز قيادات معارضة يمثل أزمة سياسية وحقوقية تتطلب معالجة عاجلة.

 

الحزب الجمهوري: الوعود لم تتحقق


بدوره، قال الناطق باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير إن المحتجين خرجوا لتذكير السلطة بالوعود التي أطلقتها عقب إجراءات يوليو 2021، والتي تضمنت إصلاح مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات، مؤكدًا أن الواقع الحالي يعكس تراجعًا في مختلف القطاعات.

 

وأضاف أن الأحكام القضائية طالت سياسيين ونقابيين وصحفيين وحقوقيين من مختلف الاتجاهات، معتبرًا أن البلاد تعيش مرحلة تتطلب مراجعة شاملة للمسار السياسي.

 

أزمة اقتصادية تغذي الغضب الشعبي


وتأتي الاحتجاجات في وقت تشهد فيه تونس واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ سنوات، إذ يعاني المواطنون من ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، ونقص بعض المواد الأساسية، إلى جانب البطالة المرتفعة، خصوصًا بين الشباب وخريجي الجامعات.

 

كما زادت موجات الحر الشديدة من حدة الأزمة، بعدما توسعت برامج قطع الكهرباء في عدد من المحافظات بسبب ارتفاع الطلب على الطاقة، وهو ما تسبب في تعطل أنشطة اقتصادية وخدمية، وأثار موجة واسعة من الانتقادات الشعبية.

 

ويرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية لم تعد تقتصر على قطاع الكهرباء، بل أصبحت انعكاسًا لاختلالات هيكلية في الاقتصاد، تتمثل في ضعف النمو، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستثمار، واتساع العجز المالي.

 

خمس سنوات على "مسار 25 يوليو"


وكان الرئيس قيس سعيّد قد أعلن في 25 يوليو 2021 إجراءات استثنائية شملت تجميد عمل البرلمان ثم حله لاحقًا، وإقالة الحكومة، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، قبل اعتماد دستور جديد عزز صلاحيات رئيس الجمهورية.


وتعتبر المعارضة أن تلك الإجراءات مثلت تحولًا نحو تركيز السلطة في يد الرئيس وتقليص دور المؤسسات المنتخبة، بينما يؤكد سعيّد أن قراراته جاءت لإنقاذ الدولة من الانهيار، ومحاربة الفساد، وتصحيح المسار السياسي، نافيًا الاتهامات المتعلقة بالتراجع عن الحريات والديمقراطية.