تتصاعد أزمة مرضى الهيموفيليا في مصر مع استمرار احتجاز شحنة أدوية مجانية مقدمة من الاتحاد العالمي للهيموفيليا داخل ميناء الإسكندرية لأكثر من شهر، رغم صدور موافقات رسمية على دخولها، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة تهدد حياة آلاف المرضى الذين يعتمدون على هذه الأدوية بشكل أساسي، واستغاثات متكررة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بسرعة الإفراج عنها قبل وقوع المزيد من الضحايا.

 

وتحولت القضية خلال الأيام الأخيرة إلى ملف إنساني أثار حالة واسعة من القلق، بعدما أكد متخصصون وممثلو منظمات معنية بحقوق المرضى أن استمرار تأخر الإفراج عن الشحنة يضع مئات الأطفال والشباب في مواجهة خطر النزيف الحاد الذي قد ينتهي بالوفاة في أي لحظة.

 

مرضى "من زجاج"


ويصف الأطباء مرضى الهيموفيليا بأنهم "مرضى من زجاج"، في إشارة إلى هشاشة حالتهم الصحية، إذ يؤدي المرض الوراثي النادر إلى اضطراب شديد في عملية تجلط الدم، ما يجعل أي إصابة بسيطة أو جرح أو تدخل طبي محدود سببًا في نزيف قد يستمر لساعات طويلة ويهدد الحياة.

 

ويحتاج هؤلاء المرضى بصورة مستمرة إلى أدوية عوامل التجلط، وعلى رأسها عقار "فاكتور"، الذي يمثل العلاج الأساسي لوقف النزيف ومنع المضاعفات الخطيرة التي قد تصيب المفاصل أو الأعضاء الداخلية، وقد تنتهي بالوفاة إذا لم يتم توفير العلاج في الوقت المناسب.

 

شحنة مجانية متوقفة رغم الحاجة الملحة


وبحسب المركز المصري للحق في الدواء "ابن سينا"، فإن المنحة العلاجية التي يقدمها الاتحاد العالمي للهيموفيليا لمصر بصورة سنوية لا تزال متوقفة داخل جمارك ميناء الإسكندرية منذ أكثر من شهر، وهو ما حرم المرضى من الحصول على العلاج رغم الاحتياج الشديد إليه.

 

وأوضح المدير التنفيذي للمركز محمود فؤاد أن الشحنة تضم حقن "فاكتور" النادرة التي يعتمد عليها آلاف المرضى، مشيرًا إلى أن أكثر من 30% من مرضى الهيموفيليا في مصر يعتمدون بشكل مباشر على هذه المنحة المجانية لاستمرار العلاج.

 

وأكد أن احتجاز الشحنة تكرر خلال السنوات الماضية، إذ تبقى المنح العلاجية داخل الجمارك لفترات تتراوح بين شهر وشهرين وربما أكثر، رغم مخاطبة الجهات المعنية بشكل متكرر للمطالبة بسرعة الإفراج عنها.

 

ارتفاع الوفيات بسبب نقص العلاج


وحذر فؤاد من أن استمرار نقص الأدوية أدى بالفعل إلى وقوع وفيات بين المرضى، مؤكدًا أن عدد الوفيات المرتبطة بعدم توافر العلاج ارتفع إلى ثماني حالات منذ بداية عام 2026، بينما لا يزال عدد كبير من الأطفال والبالغين يعانون من نزيف مستمر وآلام شديدة في انتظار وصول العلاج.

 

وأشار إلى أن المركز تلقى العديد من الاستغاثات من أسر المرضى، الذين يواجهون خطرًا يوميًا بسبب عدم توافر حقن عوامل التجلط، مطالبًا بفتح تحقيق في أسباب استمرار احتجاز الشحنة رغم الاحتياج العاجل إليها.

 

مأساة أبانوب.. خلع سن انتهى بالوفاة


ومن أكثر الوقائع التي سلطت الضوء على خطورة الأزمة، وفاة الشاب أبانوب ألفونس بعد تعرضه لنزيف حاد إثر خلع أحد أسنانه، في ظل عدم توافر دواء "فاكتور".

 

وأوضح محمود فؤاد أن الشاب ظل ينزف لأكثر من ست ساعات، بينما بذل الأطباء وعدد من المرضى جهودًا كبيرة للعثور على جرعة من العلاج، إلا أن الدواء وصل بعد فوات الأوان، حيث توفي بعد ساعات قليلة من وضعه على أجهزة الرعاية.

 

وأكد أن مثل هذه الحالات كان يمكن تجنبها إذا توافرت الأدوية بصورة طبيعية، مشددًا على أن الشحنة المحتجزة قد تنقذ حياة عشرات المرضى الذين ينتظرون العلاج يوميًا.

 

مطالبات متكررة بالإفراج عن المنحة


وأوضح المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء أن المركز لم يكتف بمخاطبة الجهات التنفيذية، بل تواصل أيضًا مع لجان الصحة في مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب لجنة أمراض الدم بوزارة الصحة، كما جرى تقديم شكاوى عبر منظومة الشكاوى الحكومية للمطالبة بسرعة الإفراج عن الشحنة.

 

وأضاف أن رئيس الاتحاد العالمي للهيموفيليا سبق أن أبدى استياءه قبل سنوات من تكرار احتجاز المنح العلاجية داخل الجمارك المصرية، وهو ما يتكرر هذا العام بصورة تهدد حياة المرضى.

 

7 آلاف مريض في مصر


من جانبه، أوضح استشاري أمراض الدم وعلاج الهيموفيليا الدكتور أحمد عاصم أن عدد مرضى الهيموفيليا في مصر يبلغ نحو سبعة آلاف مريض وفق أحدث بيانات الاتحاد العالمي للهيموفيليا، مع وجود حالات أخرى لم تُشخص بعد.

 

وأشار إلى أن الجمعية المصرية للهيموفيليا نجحت في الوصول إلى نحو 60% من الحالات المتوقعة من خلال برامج التشخيص المبكر، مؤكدًا أن الزيادة في أعداد الحالات المكتشفة تعود إلى تطور وسائل التشخيص وليس إلى انتشار المرض بصورة أكبر.

 

أمل جديد بعلاج جيني


وفي الوقت الذي يواجه فيه المرضى أزمة نقص العلاج التقليدي، كشف أحمد عاصم عن تطورات علمية واعدة في مجال علاج الهيموفيليا، تتمثل في علاج جيني جديد تطوره فرق بحثية بريطانية، يعتمد على حقنة واحدة فقط قد توفر علاجًا طويل الأمد للمرض.

 

وأوضح أن العلاج لا يزال في مرحلة التجارب السريرية بعد نجاح التجارب على الحيوانات، حيث يجري حاليًا تقييم الجرعات المناسبة ومدى سلامته وفاعليته قبل اعتماده رسميًا، لكنه يمثل بارقة أمل كبيرة لملايين المرضى حول العالم.

 

استغاثات واسعة وتحذيرات من ضحايا جدد


وتزامنًا مع استمرار احتجاز الشحنة، تداول مرضى وأسرهم مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي يطالبون فيها بسرعة الإفراج عن الأدوية، مؤكدين أن استمرار الأزمة يهدد حياتهم بصورة مباشرة، خاصة الأطفال الذين قد يتعرضون لنزيف قاتل نتيجة إصابات بسيطة أو سقوط عارض.

 

ويؤكد متخصصون أن سرعة الإفراج عن الشحنة تمثل ضرورة إنسانية عاجلة، في ظل اعتماد آلاف المرضى عليها كوسيلة وحيدة للحصول على العلاج، محذرين من أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى تسجيل مزيد من الوفيات والمضاعفات الخطيرة بين مرضى الهيموفيليا في مختلف المحافظات.