كشف مصرفيون، اليوم الاثنين في القاهرة، تراجع الدولار بنحو 84 قرشًا ليستقر دون 51 جنيهًا، بعد عودة مستثمرين أجانب إلى أدوات الدين المحلية، بما زاد المعروض النقدي ودفع الجنيه إلى ارتفاع سريع ومفاجئ.

 

ويأتي هذا التحسن الهش بينما تتحمل الأسر المصرية موجات متلاحقة من الغلاء وتآكل الأجور، إذ تواصل السلطة تقديم الاقتراض مرتفع التكلفة بوصفه إنجازًا، رغم أن المواطن يدفع فوائده عبر الضرائب وخفض الدعم وتدهور الخدمات.

 

وبحسب البيانات المتداولة، تحولت استثمارات المحافظ الأجنبية من تدفقات داخلة تقارب 9 مليارات دولار خلال يونيو، إلى صافي خروج بنحو ملياري دولار خلال أسبوعين، قبل أن تبدأ العودة عقب إعلان هدنة جديدة.

 

وفي المقابل، فقد الجنيه قرابة 4.5% من قيمته خلال موجة التخارج الأخيرة، بعدما اندفع المستثمرون إلى تقليص حيازاتهم من الدين المحلي مع تصاعد الحرب واضطراب الملاحة وارتفاع مخاطر إغلاق مضيق هرمز.

 

وعليه، فإن الارتفاع الحالي لا يعكس طفرة في الإنتاج أو زيادة مستدامة بالصادرات، بل يعبر عن تحرك سريع لرؤوس أموال تبحث عن أعلى عائد، ويمكنها الانسحاب بالسرعة نفسها عند أول اضطراب.

 

كما يظهر تراجع الدولار أن سوق الصرف بات شديد الحساسية لقرارات مستثمرين لا تربطهم بالاقتصاد المصري مشروعات طويلة الأجل، وإنما أرباح قصيرة المدى تمولها موازنة تعاني أصلًا من تضخم خدمة الدين.

 

ومن ناحية أخرى، تدفع الحكومة عوائد مرتفعة لجذب الدولار إلى أذون الخزانة، ثم تستخدم الحصيلة في سد فجوات الموازنة وتمويل التزامات سابقة، بما يحول الاقتراض من أداة استثنائية إلى مسار دائم.

 

عائد مرتفع واستقرار هش

 

يرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس، أن ارتفاع عوائد الأذون وتراجع سعر الجنيه سابقًا منحا المستثمر الأجنبي فرصة دخول جذابة، فاجتمع فارق العائد مع مكاسب محتملة من تحسن العملة.

 

وبالتالي، يفسر هذا التقدير عودة التدفقات فور انحسار التوتر، لأن المستثمر لا يراهن على المصانع أو التصدير، وإنما يشتري دينًا قصير الأجل بعائد مرتفع ثم يراقب بعناية لحظة الخروج المناسبة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تتحمل الحكومة وحدها تكلفة هذا النموذج، إذ تنتقل الفوائد الضخمة إلى الموازنة العامة، وتزاحم الإنفاق على الصحة والتعليم والأجور، بينما تقدم السلطة انخفاض الدولار كدليل نجاح منفصل عن الثمن.

 

وفوق ذلك، يؤدي اعتماد وزارة المالية على الأذون إلى زيادة احتياجاتها المتكررة لإعادة التمويل، فكل استحقاق قديم يستدعي إصدارًا جديدًا، وكل ارتفاع بالعائد يضاعف التكلفة المؤجلة مباشرة على الخزانة والمواطنين.

 

لهذا، تصبح قوة الجنيه مؤقتة ما دامت مرتبطة بتدفقات قابلة للانعكاس، لأن أي صدمة عسكرية أو مالية أو تغير في أسعار الفائدة العالمية قد يعيد الضغط على الدولار خلال أيام محدودة.

 

وبالمثل، تكشف حركة العملة خلال أسابيع قليلة أن الحديث الرسمي عن استقرار راسخ يتجاهل هشاشة مصادر النقد الأجنبي، ويخلط بين تحسن لحظي في التسعير وبين إصلاح اقتصادي قادر على الصمود.

 

ديون قصيرة وكلفة طويلة

 

ويحذر مدحت نافع، أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي، من الخلط بين إجمالي حيازات الأجانب وبين الأموال الساخنة الفعلية، موضحًا أن جزءًا من الأذون قد يكون مرهونًا ضمن تعاملات تمويلية وليس استثمارًا محفظيًا مباشرًا.

 

ومع ذلك، يظل الجزء القابل للدخول والخروج مؤثرًا بقوة في سعر الصرف، لأن تحرك مليارات الدولارات خلال فترة قصيرة يغير توازن العرض والطلب سريعًا، ويضغط على احتياطيات البنوك وسيولة السوق.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف تقديرات نافع أن تضخيم أرقام التدفقات قد يمنح صورة مضللة عن الثقة الخارجية، بينما الأهم هو تحديد طبيعة الأموال وآجالها ومدى ارتباطها بإنتاج حقيقي يخلق عملة أجنبية.

 

بناءً على ذلك، فإن تقييم تحسن الجنيه يجب ألا ينفصل عن حساب تكلفة الفائدة ومخاطر التجديد، لأن الأموال التي تدخل مقابل دين مرتفع العائد ليست منحة، بل التزامًا متزايدًا على الدولة.

 

وعلى صعيد الموازنة، تبتلع مدفوعات الفوائد جانبًا واسعًا من الإيرادات العامة، ما يدفع الحكومة إلى فرض رسوم جديدة وتقليص الدعم وتأجيل الاستثمارات الاجتماعية، بينما تستمر دورة الاقتراض لإطفاء عجز صنعته السياسات نفسها.

 

ومن ثم، تتحول أذون الخزانة إلى ما يشبه الإدمان المالي، إذ تمنح الخزانة سيولة سريعة وتؤجل الانفجار، لكنها تزيد بشدة اعتماد الدولة على المستثمر الأجنبي وتربط استقرار العملة بمزاج الأسواق.

 

كذلك، تؤدي العوائد المرتفعة إلى مزاحمة القطاع الخاص، لأن البنوك تفضل تمويل الحكومة بعائد مضمون بدل إقراض المصانع والمشروعات، فتتراجع تدريجيًا فرص التوسع والإنتاج والتوظيف، وتبقى موارد الدولار الحقيقية محدودة.

 

بدائل الإنتاج الغائبة

 

ويؤكد محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، أن تراجع الدولار الناتج من الأموال الساخنة يختلف جذريًا عن التحسن المدفوع بالصادرات أو الاستثمار المباشر، لأن الوفرة الحالية مؤقتة وقد تنقلب إلى ضغط عند خروج المستثمرين.

 

غير أن الحكومة تواصل تسويق كل ارتفاع للجنيه بوصفه شهادة ثقة، دون كشف واضح لتكلفة جذب تلك التدفقات أو حجم العائد الحقيقي الذي يحصل عليه المستثمر بعد احتساب تغير العملة.

 

على الجانب الآخر، يحتاج الاقتصاد إلى زيادة حصيلة التصدير والسياحة وتحويلات العاملين والاستثمار الصناعي، وهي موارد أكثر استدامة وقدرة على تمويل الواردات، بدل الاستدانة المتكررة لتغطية فجوات تتجدد مع كل استحقاق.

 

علاوة على ذلك، لا ينعكس انخفاض الدولار فورًا على أسعار السلع، لأن التجار يسعرون المخاطر وتكاليف التمويل والطاقة، بينما تظل دخول المواطنين ثابتة ويستمر الغلاء حتى خلال فترات التحسن المؤقت للعملة.

 

وعوضًا عن توجيه الموارد إلى قطاعات منتجة، تستنزف خدمة الدين قدرة الدولة على الاستثمار العام، فتتدهور المدارس والمستشفيات والبنية المحلية، ويطالب المواطن دائمًا بالمزيد من التضحيات لضمان أرباح حاملي الأذون.

 

وفي المحصلة، لا تمثل عودة الأموال الساخنة حلًا لأزمة النقد الأجنبي، بل تمنح السلطة وقتًا إضافيًا قبل مواجهة جذور المشكلة المتمثلة في ضعف الإنتاج واتساع العجز وتضخم الديون وغياب الشفافية.

 

وأخيرًا، يظل السؤال الحقيقي ليس مقدار تراجع الدولار اليوم، وإنما حجم الفاتورة التي ستدفعها مصر غدًا عندما تستحق الأذون أو تتغير شهية المستثمرين، فتعود الضغوط إلى الجنيه ويتحمل الفقراء الكلفة مجددًا.