في واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي واجهتها حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال السنوات الأخيرة، اضطر وزير التعليم دارمندرا برادان إلى تقديم استقالته بعد أسابيع من احتجاجات طلابية حاشدة اجتاحت أنحاء البلاد، احتجاجًا على فضائح تسريب امتحانات القبول الجامعي، في مشهد اعتبره كثيرون أول انتصار حقيقي لحركة احتجاجية شبابية نجحت في فرض أحد أبرز مطالبها على الحكومة.
ولم تكن استقالة الوزير سوى بداية لتحولات أوسع داخل المشهد السياسي الهندي، إذ سارعت الحكومة إلى الإعلان عن إصلاحات شاملة لمنظومة الامتحانات، وتشكيل لجنة متخصصة لإعادة هيكلة النظام التعليمي وتشديد العقوبات على جرائم تسريب الأسئلة، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد.
بداية الأزمة.. امتحانات بالملايين تتحول إلى قضية رأي عام
اندلعت الأزمة عقب اتهامات واسعة بتسريب أسئلة ونتائج عدد من أكبر امتحانات القبول الجامعي في الهند، وعلى رأسها امتحان القبول بكليات الطب، الذي يُعد من أكثر الاختبارات تنافسية في العالم، ويشارك فيه أكثر من 2.28 مليون طالب سنويًا.
وأدى الكشف عن شبهات التسريب إلى إلغاء الامتحان، وهو القرار الذي أصاب ملايين الطلاب وأسرهم بصدمة كبيرة بعد أشهر، بل سنوات، من الاستعداد المكثف.
وبحسب عائلات عدد من الطلاب، فإن الضغوط النفسية الناتجة عن الأزمة دفعت نحو 20 طالبًا إلى الانتحار، الأمر الذي فجر موجة غضب واسعة وتحولت القضية من أزمة تعليمية إلى قضية رأي عام هزت البلاد.
من حملة ساخرة إلى أكبر حركة احتجاجية
اللافت في الأزمة أن الاحتجاجات لم تبدأ عبر الأحزاب التقليدية، وإنما قادتها حركة شبابية أطلقت على نفسها اسم "حزب شعب الصراصير" أو "كوكروتش جاناتا بارتي"، وهي حركة انطلقت في الأصل عبر الإنترنت قبل أسابيع قليلة بروح ساخرة، قبل أن تتحول سريعًا إلى واحدة من أكثر الحركات تأثيرًا في الشارع الهندي.
ويقود الحركة خبير التواصل السياسي أبهيجيت ديبكي، البالغ من العمر 30 عامًا، وهو طالب سابق بجامعة بوسطن الأمريكية.
وقال ديبكي في تصريحات سابقة إن الفكرة بدأت كمزحة على مواقع التواصل، لكن فتح باب الانضمام للحركة عبر نموذج إلكتروني أدى إلى تدفق عشرات الآلاف من طلبات العضوية، لتتحول المبادرة خلال فترة قصيرة إلى حركة احتجاجية واسعة.
لماذا سُمّيت بـ"حزب الصراصير"؟
يرجع اسم الحركة إلى تصريحات أثارت جدلًا كبيرًا أدلى بها رئيس القضاة الهندي سوريا كانت، عندما شبّه بعض الشباب العاطلين الذين يعملون في الصحافة أو ينضمون للحركات الشبابية بـ"الصراصير والطفيليات".
ورغم أن رئيس القضاة أوضح لاحقًا أنه كان يقصد أصحاب الشهادات المزورة وليس جميع الشباب، فإن مؤسسي الحركة استغلوا الوصف، وأضافوا إليه كلمة "جاناتا" الموجودة في اسم الحزب الحاكم "بهاراتيا جاناتا"، ليولد اسم "حزب شعب الصراصير".
ولتعزيز الرسالة الاحتجاجية، ارتدى العديد من المشاركين أقنعة على شكل صراصير وملابس عمال نظافة خلال المسيرات، في مشهد تحول إلى رمز للاحتجاجات.
تصعيد في الشوارع.. والشرطة تتدخل بالقوة
مع تصاعد الغضب، خرج عشرات الآلاف من الطلاب والشباب إلى شوارع نيودلهي وعدد كبير من المدن الهندية.
وشهدت العاصمة أكبر مظاهرة ضد حكومة مودي منذ سنوات، حيث حاول المحتجون الوصول إلى البرلمان للمطالبة بإقالة وزير التعليم ومحاسبة المسؤولين عن فضائح الامتحانات.
لكن قوات الشرطة تدخلت لتفريق المتظاهرين باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، كما تحدثت تقارير عن إصابة عدد من الطلاب خلال عمليات الفض.
وأدى استخدام القوة إلى زيادة الغضب الشعبي، واتسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل مدنًا مثل بنغالور وغوا، حيث نُظمت وقفات احتجاجية ومسيرات تضامنية.
استقالة وزير التعليم
أمام استمرار الاحتجاجات واتساع الضغوط، أعلن وزير التعليم دارمندرا برادان استقالته عبر منشور على منصة "إكس"، مؤكدًا أنه اتخذ قراره استجابة للضغوط المتزايدة ولمنع استغلال الأزمة بما يضر بالبلاد.
وتعد هذه الاستقالة الأولى لوزير بارز في حكومة حزب "بهاراتيا جاناتا" نتيجة ضغوط الشارع منذ وصول ناريندرا مودي إلى السلطة قبل أكثر من 12 عامًا.
ورحبت حركة "حزب شعب الصراصير" بالقرار، وكتبت عبر حسابها الرسمي: "الديمقراطية تنتصر"، معتبرة أن الاستقالة تمثل انتصارًا للإرادة الشعبية بعد أسابيع من الاعتصامات والإضرابات عن الطعام والمظاهرات.
مطالب لم تتوقف عند الاستقالة
ورغم تحقيق أبرز مطالبها بإقالة الوزير، أكدت الحركة أن الاحتجاجات لن تتوقف.
ويطالب المحتجون بإصلاح شامل لمنظومة الامتحانات، ومحاسبة جميع المسؤولين عن التسريبات، وتعويض أسر الطلاب الذين فقدوا حياتهم بعد الأزمة، إضافة إلى تعزيز الشفافية ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.
كما توسعت مطالب الحركة لتشمل قضايا البطالة وغياب الفرص الاقتصادية وضرورة تعزيز المساءلة الحكومية.
حكومة مودي تتحرك
في محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي تشكيل فريق مهام برئاسة رجل الأعمال التكنولوجي ناندان نيلكاني لإصلاح نظام الامتحانات.
وأكد مودي أن الحكومة ستطرح مشروع قانون جديد أمام البرلمان يفرض عقوبات أكثر صرامة على جرائم تسريب الامتحانات والغش، مع الاعتماد بشكل أكبر على التكنولوجيا لضمان نزاهة الاختبارات.
وقال مودي إن نظام الامتحانات يجب أن يكون أكثر شفافية ومصداقية، لكنه لم يشر في بيانه إلى استقالة وزير التعليم.
دعم سياسي واسع للمحتجين
حظيت الحركة بدعم عدد من أبرز قيادات المعارضة الهندية.
وانتقد زعيم حزب المؤتمر الوطني الهندي ماليكارجون كهارجي تعامل الشرطة مع المتظاهرين، واصفًا ما جرى بأنه "هجوم على الديمقراطية".
كما انضمت النائبة ماهوا مويترا إلى صفوف المحتجين، بينما أعلن أخيليش ياداف دعمه الكامل للطلاب، مطالبًا بمعاملتهم باحترام.
بدوره، طالب زعيم المعارضة راهول غاندي رئيس الوزراء ناريندرا مودي بكسر صمته والاعتذار للطلاب بسبب التعامل الأمني مع الاحتجاجات.

