كشفت شركة ذا بورد للاستشارات أن مبيعات مشروعات الساحل الشمالي سجلت 520 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 643 مليارًا في 2024، رغم بلوغ سعر بعض الفيلات في رأس الحكمة 800 مليون جنيه، بما يعكس صعود سوق شديدة الثراء.

 

ويأتي هذا البذخ العقاري بينما يواجه ملايين المصريين تضخمًا قاسيًا وتراجعًا في الأجور الحقيقية والقدرة الشرائية، لتبدو الدولة وكأنها تبني شواطئ للأثرياء، وتترك غالبية المواطنين أسرى الإيجارات والديون والبحث اليومي عن غذاء وسكن وعلاج.

 

 

أسعار خارج المجتمع

 

بدايةً، تصدر مشروع أوجامي في رأس الحكمة قائمة المشروعات الأعلى سعرًا، بعدما تراوحت قيمة بعض الفيلات بين 500 و800 مليون جنيه، واقترب سعر المتر في وحدات محددة من 800 ألف جنيه، وفق بيانات السوق العقارية.

 

وفي المقابل، سجلت مشروعات أخرى مثل سيلفر ساندس وسول وهاسيندا ديزني باي مستويات تقترب من مئات الملايين، بما يؤكد أن القفزة ليست حالة منفردة، بل مسارًا تسويقيًا واسعًا يستهدف أصحاب الثروات الضخمة.

 

كما أن هذه الأسعار تجاوزت نطاق الطبقة المتوسطة وحتى قطاعات واسعة من الطبقة العليا، لتنشأ سوق مغلقة لا تخاطب الاحتياج السكني، وإنما تقدم العقار الساحلي بوصفه أصلًا لحفظ الثروة وإظهار المكانة الاجتماعية.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي، فإن فتح سوق عقارية دولية قد يجذب عملة صعبة ويدعم الاقتصاد الكلي، لكنه يرفع في الوقت نفسه أسعار العقارات التي تستطيع الطبقة المتوسطة شراءها، ويزيد التضخم العقاري.

 

ومن ناحية أخرى، تكشف مفارقة الأسعار أن العقار لم يعد مجرد سلعة مرتبطة بالتكلفة، بل أصبح وعاءً ماليًا يحتمي به أصحاب الفوائض من تراجع الجنيه، بينما يتحول السكن بالنسبة لغالبية المواطنين إلى عبء يصعب احتماله.

 

علاوة على ذلك، يؤدي توجيه الأراضي الساحلية الأجمل إلى مشروعات فائقة الرفاهية لإعادة توزيع المجال العام لصالح الأقلية الأعلى دخلًا، في وقت تتقلص فيه قدرة الأسر العادية على الوصول إلى الشواطئ والسكن الملائم.

 

وبالتالي، فإن فيلا بقيمة 800 مليون جنيه لا تمثل رقمًا عقاريًا فحسب، وإنما تختصر فجوة اجتماعية هائلة بين من يشتري منزلًا صيفيًا بهذا الثمن، ومن يعجز عن دفع مقدم شقة أو إيجار شهري متصاعد.

 

 

سوق ترفض التراجع

 

في الوقت ذاته، تراجعت مبيعات الساحل الشمالي بنسبة تقارب 20 بالمائة خلال 2025، لكنها بقيت عند 520 مليار جنيه، واستحوذت المنطقة على أكثر من ثلث مبيعات سوق المجمعات السكنية، بما يكشف استمرار جاذبية الشريحة الفاخرة.

 

ومع ذلك، لا يعني انخفاض القيمة الإجمالية اختفاء الطلب، إذ حافظت المشروعات الكبرى على حضور قوي، واستحوذ عدد محدود من المطورين على النسبة الأكبر من المبيعات، بما يعكس تركز السوق بين شركات وعملاء بقدرات استثنائية.

 

وفي السياق نفسه، ارتبطت طفرة الساحل بتراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة مواد البناء والتمويل والأراضي، وهي عوامل دفعت الشركات إلى تسعير وحداتها بمستويات متصاعدة، مع تمديد فترات السداد لتقليل أثر القفزة على المشترين.

 

ويرى الخبير العقاري فتح الله فوزي أن ارتفاع الأسعار جاء مدفوعًا بزيادة تكاليف التنفيذ والأراضي والتمويل، متوقعًا استمرار الضغوط السعرية إذا تواصلت الظروف الحالية، بما يؤكد أن موجة الصعود مرشحة للبقاء خلال الفترة المقبلة.

 

غير أن تفسير الأسعار بالتكلفة وحدها لا يشرح بلوغ الفيلا مئات الملايين، لأن التسعير يشمل كذلك ندرة المواقع البحرية والعلامة التجارية والخدمات الخاصة، إلى جانب استهداف مشترين لا تحكم قراراتهم مستويات الدخل المحلية المعتادة.

 

كذلك، ساعدت خطط التقسيط الطويلة على تضخيم الأسعار الاسمية، إذ تحمل الشركات تكلفة التمويل ومخاطر تقلب العملة إلى المشتري، فتبدو الوحدة أغلى كثيرًا من قيمتها النقدية الفورية، بينما تظل الأقساط حكرًا على أصحاب الدخول المرتفعة.

 

ومن ثم، تتحول السوق إلى دائرة مغلقة ترتفع فيها الأسعار لأن هناك فئة قادرة على الدفع، ثم تستخدم الأسعار المرتفعة نفسها لتأكيد حصرية المشروع، بما يفصل المنتج العقاري تدريجيًا عن المجتمع الذي يقام على أرضه.

 

إضافةً إلى ذلك، يثير تركز المبيعات لدى مطورين كبار تساؤلات بشأن المنافسة وتخصيص الأراضي وقواعد التسعير، خصوصًا عندما تصبح الدولة شريكًا مباشرًا أو غير مباشر في مشروعات تخاطب الأغنياء أكثر من حاجات السكن العامة.

 

 

سياسات تصنع الغلاء

 

أما على مستوى السياسات، فقد أسهمت الرسوم والقرارات التنظيمية المتعلقة بالتنازل والأراضي في زيادة مخاوف المطورين من تحمل تكاليف إضافية، وهي تكاليف تنتقل عادة إلى سعر الوحدة بدلًا من اقتطاعها من هوامش الأرباح.

 

وفي هذا الإطار، حذر الخبير العقاري طارق بهاء من أن فرض رسوم التنازل بأثر رجعي قد يصنع موجة ارتفاع جديدة في الساحل الشمالي، لأن الشركات ستسعى إلى تعويض الأعباء عبر رفع الأسعار وإبطاء حركة البيع.

 

بناءً على ذلك، تبدو السياسات الحكومية محاصرة بين الرغبة في تحصيل موارد أكبر من السوق وبين الحاجة إلى الحفاظ على جاذبية الاستثمار، لكن النتيجة المعتادة هي نقل الكلفة إلى المشتري ورفع سقف الأسعار مرة أخرى.

 

ومن جهة ثانية، تروج الحكومة للتوسع الساحلي باعتباره بوابة لجذب الاستثمار والسياحة والعملات الأجنبية، دون تقديم إجابة واضحة عن نصيب المجتمع من العائد، أو كيفية توجيه الإيرادات لتحسين السكن والخدمات بالمناطق الأكثر احتياجًا.

 

لذلك، يظل السؤال الأساسي متعلقًا بطبيعة النمو نفسه، وهل يمكن اعتبار بيع فيلات بمئات الملايين نجاحًا اقتصاديًا، بينما تتراجع قدرة الأسر على شراء مسكن، وترتفع الإيجارات، وتزداد الضغوط على التعليم والصحة والغذاء.

 

وفوق ذلك، تعكس المشروعات الفاخرة انتقال التنمية من مفهوم تحسين حياة المواطنين إلى مفهوم تعظيم القيمة العقارية للأرض، حيث تصبح الواجهة البحرية فرصة للبيع بأعلى سعر، لا موردًا عامًا ينبغي أن يظل متاحًا لمختلف الطبقات.

 

في المحصلة، تكشف أسعار الساحل عن مصر ذات وجهين، أحدهما يستهلك رفاهية شديدة الخصوصية ويحول العقار إلى مخزن للثروة، والآخر يواجه انخفاض الدخل وارتفاع الأسعار ويحسب تكلفة الخبز والمواصلات والإيجار يومًا بيوم.

 

وعليه، فإن استمرار هذا المسار دون سياسات ضريبية وإسكانية عادلة سيعمق الاستقطاب الطبقي، ويجعل الأرض والساحل والخدمات الممتازة حكرًا على الأقلية، بينما تبقى الغالبية خارج أسوار المنتجعات وخارج القدرة على امتلاك مسكن مناسب.

 

وأخيرًا، لا تكمن الأزمة في وجود أثرياء يشترون عقارات فاخرة، بل في دولة تسمح باتساع الفجوة بلا كوابح، وتحتفي بأرقام المبيعات بينما تتراجع حقوق السكن، فيتحول الساحل إلى مرآة صارخة لاختلال توزيع الثروة والفرص.