كشفت تقارير اقتصادية في القاهرة أن الحكومة تدرس رفع سعر رغيف الخبز المدعم من 20 قرشًا إلى 1.5 جنيه، بالتزامن مع مراجعة أسعار الوقود مطلع أغسطس، بما ينذر بموجة غلاء تضرب ملايين الأسر.
وتأتي هذه الخطط بينما تواصل السلطة تحميل المواطنين كلفة أزمتها المالية، بعد سنوات من الاقتراض والتوسع في المشروعات غير المنتجة، تاركة الفقراء يواجهون الجوع والنقل والعلاج بأجور فقدت معظم قيمتها الحقيقية.
في المقابل، تؤكد وزارة التموين أن سعر الرغيف المدعم سيبقى عند 20 قرشًا، بينما تتحدث تقارير عن سيناريوات جديدة للدعم، ما يضاعف ارتباك المواطنين ويكشف غياب الشفافية عن قرارات تمس قوتهم اليومي.
أما الوقود، فتتجه الأنظار إلى لجنة التسعير التلقائي بعد عودتها للعمل، رغم تصريحات تستبعد الزيادة قبل أكتوبر، وسط ارتفاع النفط عالميًا وضغوط الموازنة واتفاقات تقليص الدعم المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي.
وبين النفي الرسمي والتسريبات المتلاحقة، يعيش المصريون حالة ترقب ثقيلة، لأن أي تحريك للخبز أو البنزين لا يبقى داخل المخابز والمحطات، بل ينتقل سريعًا إلى النقل والغذاء والإيجارات والخدمات الأساسية.
ولذلك، لا يبدو السؤال متعلقًا بنسبة الزيادة وحدها، وإنما بقدرة الأسر على البقاء بعد سنوات من التضخم وخفض قيمة الجنيه وارتفاع الضرائب والرسوم، فيما تظل الأجور والمعاشات عاجزة عن ملاحقة الأسعار.
الرغيف تحت التهديد
يرى الخبير الاقتصادي زهدي الشامي أن رفع سعر الخبز المدعم يمثل تحميلًا مباشرًا للفقراء نتائج سياسات اقتصادية فاشلة، لأن الرغيف ليس سلعة عادية، بل آخر شبكة أمان يومية لملايين المصريين.
ويحذر الشامي من أن مضاعفة السعر عدة مرات ستدفع الأسر الكبيرة إلى تقليل استهلاكها أو حذف احتياجات أخرى، خصوصًا البروتين والدواء والتعليم، بما يحول القرار المالي إلى أزمة تغذية وصحة عامة.
وفوق ذلك، فإن أي خفض لوزن الرغيف أو تقليص عدد الأرغفة يعادل زيادة سعرية غير معلنة، إذ يدفع المواطن الثمن نفسه مقابل كمية أقل، بينما تقدم الحكومة الإجراء باعتباره تطويرًا للمنظومة وضبطًا للتسرب.
كما أن الحديث عن تحويل الدعم إلى نقدي يثير مخاوف حقيقية، لأن قيمة المبلغ قد تتآكل سريعًا مع التضخم، بخلاف الرغيف العيني الذي يضمن حدًا أدنى ثابتًا من الغذاء مهما ارتفعت الأسعار.
وبالتالي، قد تلجأ أسر كثيرة إلى شراء خبز أقل، أو الاعتماد على وجبات أرخص وأضعف غذائيًا، بينما تتوسع الديون الصغيرة لدى البقالين، وتزداد مشاهد الاستدانة اليومية التي أصبحت جزءًا من حياة الطبقات الفقيرة.
غير أن الخطر الأكبر يتمثل في تطبيع المساس بالخبز، لأن الحكومة إذا نجحت في تمرير الزيادة دون مقاومة اجتماعية واسعة، فقد تواصل تقليص الدعم تدريجيًا تحت عناوين الاستهداف والكفاءة وإعادة هيكلة الإنفاق.
ومن ثم، يصبح موقف المصريين مرهونًا بقدرتهم على تحويل الغضب الفردي إلى ضغط جماعي سلمي، عبر النقابات والأحزاب والمجتمع المدني، بدل الاكتفاء بالشكوى داخل البيوت أو على مواقع التواصل وحدها.
الوقود يشعل الأسواق
يقول الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن رفع أسعار الوقود يوفر مبالغ كبيرة للموازنة، لكنه ينقل العبء فورًا إلى المستهلك، لأن السولار والبنزين يدخلان في نقل السلع وتشغيل المصانع والزراعة والخدمات.
ويشير فؤاد إلى أن الأثر لا يتوقف عند أجرة المواصلات، إذ يعيد التجار والمصنعون حساب التكلفة، ثم يضيفون هامشًا احترازيًا لمواجهة الزيادات المقبلة، فتتحول الصدمة المحدودة إلى موجة سعرية أوسع.
إضافة إلى ذلك، يعتمد ملايين العمال على المواصلات العامة والخاصة للوصول إلى وظائفهم، وأي زيادة يومية تبدو صغيرة ستلتهم جزءًا معتبرًا من الراتب شهريًا، خصوصًا لمن يقطعون مسافات طويلة بين المحافظات.
وعلاوة على ذلك، يرفع السولار تكلفة نقل الخضروات والحبوب واللحوم من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، ما يضغط على الغذاء قبل أن يصل إلى المستهلك، ويمنح حلقات الوساطة مبررًا جديدًا لزيادة الأسعار.
ومع ذلك، تستمر الحكومة في تقديم رفع الدعم باعتباره ضرورة إصلاحية، دون مناقشة جدية لبدائل تقليص الإنفاق على المشروعات الضخمة أو مراجعة الامتيازات والإنفاق السيادي الذي لا يخضع لرقابة شعبية فعالة.
لذلك، يخشى أصحاب الدخول الثابتة أن تتحول مراجعة أغسطس إلى بداية سلسلة جديدة، خاصة إذا بقيت أسعار النفط مرتفعة وتراجع الجنيه، لأن اللجنة تربط التسعير بعوامل لا يملك المواطن أي قدرة على التحكم فيها.
وفي المحصلة، سيواجه المصريون الوقود الأغلى بتقليل التنقل والشراء، وتأجيل الزيارات والعلاج والعمل الإضافي، وهي استجابات دفاعية تحمي الميزانية مؤقتًا، لكنها تعمق الركود وتضعف جودة الحياة والنشاط الاقتصادي العام.
غضب بلا حماية
يرى الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين أن الحزم الاجتماعية المحدودة لا تستطيع امتصاص أثر الغلاء المتراكم، لأن الزيادات في الأجور والمعاشات تُستهلك سريعًا قبل وصولها، بينما ترتفع الأسعار على نطاق أوسع وأسرع.
ويؤكد شاهين أن المشكلة ليست نقص دخل فقط، بل غياب سياسة اقتصادية تحمي القوة الشرائية، إذ تلاحق الحكومة المواطن بالرسوم والضرائب ورفع الدعم، ثم تمنحه زيادات اسمية لا تعوض خسائره.
وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة الأسر على الادخار إلى مستويات شبه معدومة، ما يجعل أي مرض أو مصروف مدرسي أو إصلاح منزلي طارئ سببًا مباشرًا للاستدانة أو بيع ممتلكات بسيطة.
وبناءً على ذلك، قد يظهر الغضب في صورة مقاطعة للشراء، أو احتجاجات مطلبية صغيرة، أو امتناع عن دفع بعض الخدمات، بينما تظل احتمالات الانفجار مرتبطة بحجم الزيادة وطريقة تطبيقها واستجابة الأجهزة الأمنية.
لكن السلطة تراهن عادة على تفتيت الغضب وإشغال المواطنين بتدبير يومهم، مستفيدة من الخوف وضعف التنظيم السياسي، غير أن المساس المتزامن بالخبز والوقود قد يجمع فئات اجتماعية مختلفة حول مظلمة واحدة.
وفي المقابل، يظل السيناريو الأكثر احتمالًا هو تحمل المصريين الصدمة مؤقتًا عبر تقليل الطعام والحركة والاستهلاك، لا لأنهم راضون، بل لأن المجال العام مغلق وكلفة الاعتراض مرتفعة والبدائل السياسية محاصرة.
وأخيرًا، لن تكون زيادة أغسطس مجرد قرار تسعير، بل اختبارًا لحدود صبر مجتمع أنهكته الأزمات، فإذا واصلت الحكومة حماية خياراتها وإلقاء الفاتورة على الفقراء، فإن الغضب سيبقى قابلًا للتراكم والانفجار.

