كشفت دراسة علمية حديثة عن نتائج لافتة قد تغيّر أساليب رعاية الفيلة اليتيمة حول العالم، بعدما أثبتت أن وجودها وسط مجموعة من أقرانها يخفف بصورة كبيرة من آثار الصدمة النفسية الناتجة عن فقدان الأم، ويمنحها فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة والاندماج مجددًا في بيئتها الطبيعية.
وتوصل الباحثون إلى أن الفيلة الصغيرة التي فقدت أمهاتها لا تعاني مستويات مرتفعة من التوتر كما كان يُعتقد سابقًا، طالما أنها تعيش وسط أفيال أخرى من العمر نفسه، وهو اكتشاف يسلط الضوء على الأهمية البالغة للعلاقات الاجتماعية داخل مجتمعات الفيلة، ويمنح المؤسسات المعنية بحماية الحياة البرية أسسًا علمية جديدة لتطوير برامج الإنقاذ وإعادة التأهيل.
روابط اجتماعية معقدة تبدأ منذ الولادة
تُعد الفيلة من أكثر الحيوانات امتلاكًا لعلاقات اجتماعية متماسكة، إذ تعتمد صغارها بصورة شبه كاملة على الأم لسنوات طويلة، ولا تنفصل عنها عادة قبل بلوغها نحو تسعة أعوام.
وخلال هذه الفترة، لا تقتصر مهمة الأم على توفير الغذاء والحماية فقط، بل تنقل لصغيرها مهارات البقاء، وطرق البحث عن الماء والطعام، وآليات التواصل مع بقية القطيع، ما يجعل فقدانها أحد أكثر الأحداث قسوة في حياة الفيل الصغير.
ولهذا السبب افترض العلماء، استنادًا إلى دراسات أجريت سابقًا على الجرذان والعصافير والخنازير الغينية، أن فقدان الأم سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع كبير في هرمونات التوتر لدى الفيلة اليتيمة، خاصة مع تسجيل معدلات نفوق أعلى بين الأفيال التي فقدت أمهاتها في بعض المناطق الإفريقية.
دراسة ميدانية في كينيا لكشف الحقيقة
انطلقت الدراسة عام 2015 داخل محمية سامبورو الوطنية في كينيا، بهدف فهم الآثار غير المباشرة للصيد الجائر على صغار الفيلة، وليس فقط الخسائر المباشرة الناتجة عن قتل الأمهات.
وركز الباحثون على سؤال رئيسي: ماذا يحدث نفسيًا للفيل الصغير بعد فقدان والدته؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تابع الفريق العلمي 37 فيلًا صغيرًا، من بينهم 25 يتيمًا، على مدار عام كامل، حيث جُمعت عينات من الروث بصورة دورية لتحليلها وقياس مستويات هرمونات التوتر داخل أجسامها.
نتائج فاجأت العلماء
جاءت النتائج مخالفة تمامًا للتوقعات. فبدلًا من تسجيل مستويات مرتفعة لهرمونات التوتر لدى الفيلة اليتيمة، أظهرت التحاليل أن هذه المستويات كانت قريبة جدًا من تلك الموجودة لدى الفيلة التي ما تزال تعيش مع أمهاتها.
وأرجع الباحثون هذا الأمر إلى الدور الكبير الذي تلعبه العلاقات الاجتماعية بين صغار الفيلة، حيث يبدو أن وجود اليتيم داخل مجموعة من الأقران يوفر له نوعًا من الدعم النفسي والاجتماعي، يساعده على تجاوز آثار الفقد والتكيف مع الحياة الجديدة.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن المجتمع بالنسبة للفيل لا يقل أهمية عن الأسرة، وأن الصداقات داخل القطيع تمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الصحة النفسية.
الصداقة تعوض جزءًا من غياب الأم
يرى العلماء أن الفيلة تمتلك قدرة استثنائية على بناء روابط اجتماعية قوية، وهو ما يجعلها تعتمد على أفراد القطيع لتجاوز الأزمات.
فالصغار الذين يعيشون مع أصدقاء في العمر نفسه يواصلون اللعب والتفاعل والتعلم معًا، وهو ما يقلل من الشعور بالعزلة ويخفف التأثيرات السلبية الناجمة عن فقدان الأم.
كما تساعد هذه الروابط في الحفاظ على السلوك الطبيعي للفيلة الصغيرة، بما يعزز قدرتها على التعلم واكتساب الخبرات اللازمة للبقاء عند عودتها إلى الحياة البرية.
انعكاسات مهمة على برامج إنقاذ الفيلة
تمثل نتائج الدراسة أهمية كبيرة للمنظمات البيئية التي تتولى إنقاذ الفيلة اليتيمة، وفي مقدمتها ملاذ ريتيتي لرعاية الفيلة في كينيا، الذي يستقبل الصغار الذين فقدوا أمهاتهم نتيجة الصيد الجائر أو الجفاف أو غيرها من الكوارث الطبيعية.
وتشير الدراسة إلى أن فرص نجاح إعادة تأهيل هذه الفيلة وعودتها إلى البرية تصبح أعلى عندما يتم إطلاقها ضمن مجموعات تضم أفيالًا من العمر نفسه، بدلاً من إطلاقها بشكل منفرد.
كما يمكن أن يسهم هذا النهج في رفع معدلات البقاء على قيد الحياة، حتى في ظل ظروف بيئية قاسية مثل موجات الجفاف أو تزايد عمليات الصيد غير المشروع.
الصيد الجائر والتغير المناخي يهددان مستقبل الفيلة
رغم النتائج الإيجابية التي توصل إليها الباحثون، فإن الفيلة الإفريقية لا تزال تواجه تحديات متزايدة تهدد وجودها، يأتي في مقدمتها الصيد الجائر للحصول على العاج، إضافة إلى التغيرات المناخية التي تؤدي إلى موجات جفاف متكررة تقلص مصادر المياه والغذاء.
كما يزداد الاحتكاك بين البشر والحياة البرية مع توسع الأنشطة الزراعية والعمرانية، الأمر الذي يرفع من معدلات نفوق الفيلة ويؤدي إلى زيادة أعداد الصغار الذين يفقدون أمهاتهم.

