وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال ما لا يقل عن 50 شخصًا، بينهم 9 نساء، في 3 محافظات مصرية منذ أواخر مايو، بسبب ارتباطهم بمجموعة جيل زد 002 الإلكترونية، ما انتهى بإخفاء بعضهم قسريًا والتحقيق معهم باتهامات إرهاب.
وكشفت الحملة عن سلطة تخشى نقاشات الشباب أكثر مما تخشى الانهيار الاقتصادي، فتحاصر هواتفهم وتطارد حساباتهم، بينما تترك الفقر والديون والبطالة تتسع، في مشهد يحول التعبير السلمي إلى جريمة ويجعل الصمت شرطًا للنجاة.
جيل تحت المراقبة
بدايةً، قالت المنظمة إن المقبوض عليهم ارتبطوا بمجموعة جيل زد 002 على منصة ديسكورد، التي أسسها الناشط أنس حبيب خلال أكتوبر 2025، وفتحت مساحات للنقاش السياسي والاجتماعي بعيدًا عن المجال العام الذي أغلقته الأجهزة الأمنية.
وفي السياق ذاته، لم تقتصر المجموعة على المناقشات السياسية، بل ضمت حوارات عن كرة القدم وناديًا للكتب ودورات في الإسعافات الأولية واللياقة، ما يكشف أن الأجهزة تعاملت مع مجتمع شبابي متنوع باعتباره تنظيمًا أمنيًا معاديًا.
وبحسب التحقيق الحقوقي، أخفى قطاع الأمن الوطني 6 رجال، تتراوح أعمارهم بين 19 و46 عامًا، لفترات امتدت من 6 أيام إلى 40 يومًا، قبل عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا وبدء تدويرهم داخل مسار الحبس الاحتياطي.
إلى جانب ذلك، ينتمي المحتجزون إلى فئات اجتماعية ومهنية مختلفة، بينهم طلاب مدارس وجامعات وموظفون وأصحاب مهن، وهو ما يهدم ادعاء استهداف تنظيم سياسي محدد، ويكشف توسيع دائرة الاشتباه لتشمل كل مستخدم مستقل للإنترنت.
من جانبه، وصف الباحث الإقليمي بمنظمة العفو الدولية محمود شلبي احتجاز أشخاص لمجرد عضويتهم في مجموعة إلكترونية بأنه أمر شائن، مؤكدًا أن انتقاد حكومة السيسي لا يجوز أن يتحول إلى أساس للاعتقال أو الملاحقة القضائية.
وفوق ذلك، طالب شلبي بإنهاء الحلقة المفرغة من الاحتجاز المسيء، والإفراج عن كل من عوقب بسبب حديثه عن ارتفاع الوقود والكهرباء أو نشره شكاوى معيشية، ووقف استخدام تهم الإرهاب لخنق حرية التعبير.
في المقابل، لا تقدم السلطة تفسيرًا مقنعًا لتحويل مجموعات الدردشة إلى ملفات إرهاب، بل تعتمد على عبارات أمنية مطاطة تسمح بسجن الشباب سنوات دون محاكمة، وتمنح الأجهزة حق تفسير الكلمات والمنشورات باعتبارها تهديدًا للدولة.
وبذلك، تتحول المشاركة في مساحة إلكترونية إلى قرينة اتهام، ويصبح الانضمام إلى خادم رقمي كافيًا لمداهمة المنزل ومصادرة الهاتف وإخفاء صاحبه، ضمن نموذج عقابي يهدف إلى نشر الخوف بين ملايين الشباب غير المنخرطين سياسيًا.
قمع يعبر المنصات
لاحقًا، استجوبت نيابة أمن الدولة المحتجزين بشأن توقيت انضمامهم إلى ديسكورد، وطريقة تعرفهم إلى المجموعة، ومنشوراتهم المنتقدة للحكومة، بما فيها تعليقات عن أسعار الكهرباء والوقود وإعادة نشر محتوى صادر عن حسابات معارضة.
وعلاوة على ذلك، أطلقت المجموعة خلال يناير 2026 استطلاعًا إلكترونيًا بشأن عزل السيسي، قالت تقارير مستقلة إنه تلقى أكثر من 330000 مشاركة، في مؤشر أثار غضب أجهزة تخشى أي وسيلة تسمح للمصريين بإعلان رفضهم خارج سيطرتها.
وعقب اتساع المشاركة، أفادت تقارير بحجب موقع الاستطلاع داخل مصر، في محاولة لمصادرة النتيجة ومنع الوصول إليها، غير أن الحجب منح المبادرة انتشارًا أكبر وكشف ارتباك سلطة لا تحتمل حتى اختبارًا إلكترونيًا غير ملزم.
أما الخبير في الحقوق الرقمية رامي رؤوف حليم، فاعتبر أن الاعتقالات تعكس نمطًا أوسع تتعامل فيه السلطات مع المساحات التي تسمح بالنقاش السياسي وتبادل الانتقادات والتنظيم الجماعي باعتبارها تهديدًا أمنيًا يستوجب المطاردة.
كذلك، أوضح حليم أن الأدوات التي استخدمت تاريخيًا ضد الجماعات السياسية المنظمة باتت تطبق على جيل جديد من مستخدمي الإنترنت، ما يعني انتقال القمع من ملاحقة المعارض المعروف إلى استهداف الجمهور الرقمي الأوسع.
ومن ثم، لم تعد الأجهزة تنتظر مظاهرة أو بيانًا حزبيًا أو دعوة معلنة للاحتجاج، بل تراقب المحادثات والمشاركات وإعادة النشر، وتعتبر تشكل أي مجتمع مستقل خارج الرواية الرسمية نواة محتملة للتمرد السياسي.
وبالتوازي، يعكس الانتقال إلى منصات مثل ديسكورد محاولة شبابية طبيعية للهروب من الرقابة المفروضة على المنصات التقليدية، بعدما أصبحت حسابات فيسبوك وتيليجرام وتيك توك أدلة جاهزة تستخدمها التحريات لتلفيق قضايا أمن الدولة.
نتيجةً لذلك، تتطور أدوات الشباب بقدر ما تتوسع الملاحقة، فكلما أغلقت السلطة مساحة ظهرت أخرى أكثر مرونة، لأن الحاجة إلى التعبير لا تختفي بالقمع، بل تنتقل إلى مسارات جديدة تتجاوز فهم الأجهزة وقدرتها على السيطرة.
التعذيب يحرس الصمت
الأخطر أن طالبًا يبلغ 19 عامًا أبلغ النيابة بتعرضه للصعق الكهربائي والتعليق في أوضاع مؤلمة أثناء إخفائه داخل مقر للأمن الوطني، بينما تجاهل المحققون شهادته ولم يحيلوه إلى الطب الشرعي لإثبات آثار التعذيب.
وبدلًا من التحقيق مع المتهمين بالتعذيب، استمر حبس الطالب وتجديد احتجازه، في تكرار لنمط يجعل النيابة شريكًا في حماية الانتهاك، عندما تتجاهل الشكاوى وتمنح محاضر الأمن سلطة أعلى من جسد الضحية وشهادته.
لهذا، شدد محمود شلبي على ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف في ادعاءات الإخفاء القسري والتعذيب، مؤكدًا أن تجاهلها لا يمحوها، بل يضاعف مسؤولية مؤسسات الدولة التي علمت بالجرائم وامتنعت عن التحرك.
وبصورة أوسع، ترى الحقوقية لبنى درويش، مديرة برنامج حقوق المرأة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تعامل السلطة مع النقاش العام بوصفه خطرًا أمنيًا يعكس أزمة سياسية تجعل أصحاب الشهادات والآراء متهمين بدلًا من الاستماع إليهم.
كما أن استخدام اتهامات نشر الأخبار الكاذبة وإساءة استعمال وسائل التواصل والانضمام إلى جماعة إرهابية يمنح النظام ترسانة فضفاضة، يمكن توجيهها لأي مواطن، دون الحاجة إلى إثبات عنف أو تنظيم أو ارتكاب جريمة حقيقية.
وبناءً على ذلك، لم يعد الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائيًا، بل أصبح عقوبة بلا حكم، تستخدم لاستنزاف الشباب نفسيًا وتعليميًا ومهنيًا، بينما تتكرر جلسات التجديد بصورة آلية لا تمنح الدفاع فرصة حقيقية لمناقشة الأدلة.
في غضون ذلك، يواصل النظام إغلاق الأحزاب والنقابات والجامعات والإعلام، ثم يطارد الشباب عندما ينتقلون إلى الإنترنت، وكأنه يريد مجتمعًا بلا سياسة ولا أسئلة، ومواطنين يستهلكون الدعاية الرسمية دون حق الاعتراض أو المناقشة.
وعليه، فإن استهداف جيل زد ليس حملة أمنية عابرة، بل معركة سلطة عجوز ضد جيل لا يعترف بحدود إعلامها، ولا ينتظر إذنها للكلام، ويستطيع بناء دوائر للنقاش تتجاوز الجغرافيا والحجب والتخويف.
ختامًا، لن تمنع الاعتقالات المصريين من الحديث عن الغلاء والديون والفساد، ولن تجعل الإخفاءات حكم السيسي مقبولًا، لكنها ستعمق غضب جيل يدرك أن سجنه سببه كلمة، وأن مستقبله يُصادر لحماية سلطة تخشى الحقيقة.

