واصل مئات العمال والسائقين بشركة سيراميكا الأمير في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية إضرابهم لليوم 4 على التوالي، احتجاجاً على تأخر راتب يونيو ووقف التأمين الصحي، ما أدى إلى شلل الإنتاج والنقل.

 

ويكشف الإضراب وجهاً فاضحاً لسياسات تترك العامل وحيداً أمام الغلاء والمرض، بينما تتراجع الدولة عن حماية الأجر والعلاج، وتمنح الإدارات المتعنتة مساحة لمراكمة الديون وتحميل كلفتها لمن لا يملكون سوى قوة عملهم.

 

أجور مؤجلة ورقابة غائبة

 

وبحسب شهادات عاملين، اعتادت الإدارة صرف الرواتب بعد يوم 20 من الشهر التالي، ما دفع أسر العمال إلى الاستدانة وتأجيل احتياجات أساسية، رغم مطالبتهم بموعد ثابت لا يتجاوز يوم 5 من كل شهر.

 

وخلال الإضراب، شارك سائقو حافلات الشركة مع عمال خطوط الإنتاج والورديات، فتوقفت حركة النقل وتعطلت أقسام المصنع، بينما توجه مئات المحتجين بسيارات أجرة على نفقتهم للحفاظ على وحدتهم داخل ساحة المنشأة.

 

كذلك رفض العمال محاولات إعادتهم إلى خطوط الإنتاج قبل صرف المستحقات وتقديم ضمانات مكتوبة تمنع تكرار التأخير، مؤكدين أن الوعود الشفهية السابقة لم تعد كافية بعد شهور من الضغوط والديون المنزلية المتراكمة.

 

وفي المقابل، تشير الشهادات إلى أن متوسط الأجر لا يتجاوز 6000 جنيه شهرياً، وهو أقل من الحد الأدنى المقرر للقطاع الخاص والبالغ 7000 جنيه منذ مارس 2025، ما يضع الرقابة الحكومية أمام اختبار مباشر.

 

وفي تقييم سابق للقطاع الخاص، يرى كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية أن وزارة العمل لم تفرض الحد الأدنى السابق بجدية، محذراً من أبواب خلفية تسمح بالاستثناءات وتفرغ قرارات الأجور من مضمونها الاجتماعي.

 

ووفقاً لعباس، لا تكمن المشكلة في الرقم المعلن وحده، بل في تعريف الأجر الذي يضم البدلات والاستقطاعات ويهمل الخبرة والتدرج الوظيفي، فتبدو المنشأة ملتزمة على الورق بينما يتسلم العامل دخلاً أدنى فعلياً.

 

وعلاوة على ذلك، يقول عامل أمضى 15 عاماً في الشركة إن راتبه يبلغ 6200 جنيه، بينما يتقاضى زملاء آخرون أقل، في دلالة على فجوة واسعة بين سنوات الخدمة والعائد الذي يفترض أن يحفظ حياة كريمة.

 

لذلك تبدو أزمة الأجور نتيجة رقابة غائبة أكثر من كونها خلافاً محاسبياً عابراً، إذ لا معنى لحد أدنى تعلنه الدولة إذا ظلت منشآت كبيرة قادرة على تأخيره أو تجاوزه دون جزاء معلن.

 

العلاج رهينة مديونية الشركة

 

أما الشق الأكثر قسوة في الأزمة، فيتمثل في توقف خدمات التأمين الصحي منذ شهور بسبب ديون الشركة للجهات التأمينية، رغم استمرار استقطاع الاشتراكات من رواتب العمال الذين وجدوا أنفسهم بلا علاج هم وأسرهم.

 

ومع استمرار الخصم، يتحول الأمر من تعثر مالي بين مؤسسة وجهة حكومية إلى مساس مباشر بحقوق العمال، لأن العامل أدى حصته من أجره ولم يكن طرفاً في قرار الإدارة بعدم توريد الأموال المستحقة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات أن صاحب العمل مسؤول عن سداد حصته وحصة العامل المخصومة، وأن الحقوق التأمينية لا تسقط بسبب تقاعس المنشأة ما دامت علاقة العمل قابلة للإثبات.

 

وبموجب هذا المبدأ، تتحمل جهة العمل أصل المديونية والغرامات والمبالغ الإضافية، بينما يفترض بقاء حقوق العامل محفوظة، وهو ما يجعل حرمان المضربين من الرعاية الطبية وضعاً يستوجب تدخلاً عاجلاً لا تبريراً إدارياً.

 

ومن زاوية تأمينية عامة لا تخص الواقعة مباشرة، حذر كامل السيد خبير التأمينات الاجتماعية من معاقبة العامل بسبب عدم سداد صاحب العمل للاشتراكات المستقطعة، مؤكداً أن مسؤولية التوريد تقع على المنشأة ولا يجوز نقل تبعاتها إلى المؤمن عليه.

 

ومن ثم، فإن استمرار وقف العلاج لا يمثل مجرد خلل خدمي، بل عقاباً جماعياً يطال عمالاً دفعوا اشتراكاتهم وأسرهم، ويضع أجساد المرضى تحت ضغط نزاع مالي لم يصنعوه ولا يملكون أدوات حسمه.

 

وبالتوازي مع أزمة العلاج، تحدث عمال عن وقف حافز الإنتاج بعد وضع مستهدفات وصفوها بالتعجيزية، بما يخفض الدخل الفعلي أكثر ويجمع بين راتب متأخر وحافز بعيد المنال وخدمة صحية محجوبة.

 

وبناء على ذلك، يطالب المضربون بسداد المديونيات فوراً وإعادة العلاج دون شروط، مع كشف حساب واضح للاشتراكات المستقطعة والموردة، حتى لا تبقى أموال العمال محاطة بالغموض بينما يدفع المرضى ثمن التأخير.

 

احتجاجات تعود بلا حلول

 

وتاريخياً، تأسست مجموعة مصانع الأمير عام 1994 وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1996، ثم توسعت اعتماداً على خامات محلية وأسواق داخلية وتصديرية، حتى تجاوز عدد العاملين بها 3500 بين عامل ومهندس وسائق.

 

وفي فبراير 2025، دخل نحو 3500 عامل في إضراب للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، بعدما كانت رواتب عديدة تدور حول 3000 جنيه، وهو ما يكشف أن الاحتجاج الحالي امتداد لأزمة لم تعالج جذرياً.

 

وحينها ألقت الشرطة القبض على 10 عمال وأحالتهم إلى النيابة على خلفية بلاغ من الإدارة اتهمهم بالتخريب والتحريض على الإضراب، قبل إخلاء سبيلهم عقب اتفاق أنهى التحرك مقابل التنازل عن البلاغات.

 

وعلى الرغم من إنهاء الإضراب السابق، عادت الأسباب نفسها في صورة أجور متدنية ومتأخرة وحقوق تأمينية متوقفة، ما يشير إلى أن التسويات المؤقتة أخمدت الاحتجاج دون معالجة الاختلال الذي يعيد إنتاج الغضب.

 

وفي قراءة أوسع، ترى الحقوقية العمالية فاطمة رمضان أن الإضراب يمثل السلاح الأخير للعمال عندما تغلق أبواب التفاوض، وأن تقييده يتركهم بلا وسيلة جماعية فعالة للدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

 

وفضلاً عن ذلك، تكشف مشاركة السائقين ثم تضامن عمال الإنتاج والورديات أن التحرك لم يكن قرار مجموعة محدودة، بل تعبيراً عن مظلمة مشتركة جمعت أقسام المصنع حول الأجر والعلاج وضمان انتظام الحقوق.

 

وإزاء شلل الإنتاج، تتحمل الإدارة والجهات الرقابية مسؤولية فتح تفاوض جاد يضمن صرف راتب يونيو فوراً، وتحديد يوم 5 موعداً أقصى للأجور، وإعادة التأمين الصحي مع تعهدات قابلة للمراقبة والمساءلة.

 

ولهذا يتطلب الحل تحقيقاً مستقلاً في مصير الاشتراكات المستقطعة وأسباب تراكم المديونية، ومراجعة أجور جميع العاملين وفق الحد الأدنى، وضمان عدم ملاحقة المشاركين أو فصلهم أو الانتقام منهم بسبب الإضراب.

 

وأخيراً، يضع تحرك سيراميكا الأمير الدولة أمام سؤال لا تحتمله البيانات الدعائية، فإما حماية حق العامل في أجر منتظم وعلاج مصان واحتجاج آمن، وإما ترك رأس المال يفرض قانونه على آلاف الأسر.