على الرغم من أن كثيرًا من التعليقات وردود الفعل عبر منصات التواصل الاجتماعي على "خناقات" مجتمع الأثرياء في مصر بالساحل الشمالي تتعاطى معها بالسخرية اللاذعة، لكنها لا تخفي أبدًا الواقع المرير الذي بات يحياه القطاع الأكبر من المصريين.
يكفي أن تستمع إلى الشكاوى التي باتت متكررة لسكان "مراسي" من شركة إعمار" الإماراتية حتى تكتشف إلى أي مدى أصبح الواقع في مصر ممزوجًا بالمرارة والغضب مما آلت إليه الأوضاع تحت حكم الانقلاب، حيث يعاني السواد الأعظم من المصريين من واقع بائس نتيجة عجزهم عن الإيفاء بالمتطلبات والاحتياجات الأساسية.
مصر البائسة
لك أن تتخيل أب أسرة يبحث كل صباح عن قوت أولاده، والذي يكفيه بالكاد لتحقيق الضرورات المعيشية، بعد الاستغناء مُكرهًا عن متطلبات أساسية لا يستطيع توفيرها لأبنائه، في ظل موجات التضخم المتتالية التي أرهقت المصريين، وجعلت الكثير من مطتلباتهم خارج قائمتهم اليومية، وربما الشهرية تحت وطأة العجز والعوز.
فقد أدت التخفيضات المتتالية في قيمة الجنيه أمام الدولار إلى إضعاف القيمة الفعلية للمرتبات الثابتة مقابل قفزات أسعار السلع، وتقلصت قائمة الأولويات إلى حد كبير، وألغيت تمامًا بنود، مثل الفسح، والرحلات المصيفية، والذهاب للسينما، والاشتراك في الأندية الرياضية.
وعلى الرغم من تباطؤ التضخم السنوي العام إلى نحو 12.2% في يونيو 2026، فإن التراكم السعري في قطاعات الطاقة والمرافق يلتهم النسبة الأكبر من دخل الفرد.
وبطبيعة الحال، لا يمكن للمواطن الاستغناء عن الكهرباء، أو المياه، أو الغاز الطبيعي، مهما ارتفعت أسعارها، مما يجعلها اقتطاعاً إجباريًا مباشرًا من راتبه شهرياً، وأصبحت قيمة فواتير الخدمات والعدادات مسبقة الدفع خطاً أحمر يتم سداده أولاً، على حساب جودة ونوعية السلع الغذائية والاحتياجات الأخرى.
ويساهم الخفض التدريجي لدعم المحروقات والكهرباء والخدمات في تحويل الإنفاق من الرفاهية أو الادخار إلى الاحتياجات المعيشية الأساسية. وكان الادخار يمثل الأمان الحقيقي للطبقة المتوسطة لمواجهة الطوارئ (كالمرض، أو البطالة المفاجئة)، لكن مع ارتفاع فواتير الطاقة والخدمات، أصبحت الأسر مكشوفة ماليًا أمام أي أزمة طارئة.
وأدى تراجع الفائض إلى دفع العائلات لسحب مدخراتها القديمة أو تسييل أصولها (مثل الذهب والشهادات البنكية) لإنفاقها على تفاصيل الحياة اليومية وليس للاستثمار.
معاناة الطبقة الوسطى
وعلى ضوء هذا الوضع المتردي، انقسمت الطبقة المتوسطة إلى طبقة وسطى عليا (تعتمد على الدخل بالعملة الأجنبية أو الاستثمارات) وطبقة وسطى دنيا تكافح يوميًا لعدم الانزلاق تحت خط الفقر.
وتحولت شريحة واسعة من أصحاب الدخول المتوسطة (مثل الموظفين والمعلمين والمهنيين) إلى مصاف الطبقات الأكثر احتياجًا نتيجة ثبات الأجور مقابل الغلاء.
وتعمقت الهوة مع التوسع في إنشاء المدن الجديدة والمجمعات السكنية المغلقة (الكمباوندات)، ما أوجد نمطًا معيشيًا منعزلاً تمامًا للأثرياء بعيدًا عن أحيـاء الحضر المكتظة والريف.
وتظهر الفجوة بوضوح في قطاع التعليم، فبينما تلجأ الطبقات العليا إلى المدارس الدولية والخاصة لضمان فرص مستقبلية لأبنائها، تعاني المدارس الحكومية من تكدس الفصول وضعف الإمكانيات.
وفي مجال الرعاية الصحية، تتوجه الفئات القادرة نحو المستشفيات الاستثمارية الخاصة، في حين تعتمد الغالبية العظمى على المنظومة الحكومية، وما يعانيه المواطن فيه من إهمال والتعامل بازدراء من المسؤولين والأطباء.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبة الفقر تدور حول 32.4% من إجمالي السكان. ويتركز حجم كبير من السيولة والقدرة الشرائية العالية لدى شريحة محدودة جدًا من رجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب المهن الحرة الكبرى والموظفين العاملين بالشركات متعددة الجنسيات.

