أظهر الأرشيف الحكومي الإسرائيلي، أن إسرائيل تابعت باهتمام وأمل كبيرين قيام ثورة 23 يوليو بعام 1952 في مصر. ورأت القيادة الإسرائيلية في ذلك الوقت أن الإطاحة بالملك فاروق قد تمهد الطريق لتحويل اتفاقية الهدنة لعام 1949 إلى معاهدة سلام دائمة، معتقدة أن "الضباط الأحرار" أقرب إلى الولايات المتحدة.
ونظرت إسرائيل إلى 23 يوليو 1952 على أنه بمثابة تغير تاريخ الشرق الأوسط إلى الأبد، وذلك عندما قررت مجموعة من الضباط الشباب المحبطين في الجيش المصري شن انقلاب عسكري أطاح بالنظام الملكي.
هزيمة حرب 48
وتعزو إسرائيل بشكل أساسي الانقلاب على الملك فاروق في مصر إلى هزيمة الجيش المصري في حرب 1948.
وقالت إنه بعد الهزيمة في حرب 1948، عاد الجيش المصري إلى معسكراته مُذلًا، وبدلًا من النصر السريع الذي وُعد به، أُجبر الجنود على خوض حربٍ ضارية، وانتهى بهم المطاف بالانسحاب من معظم الأراضي، باستثناء قطاع غزة.
وكان من بين هؤلاء الضباط رائد شاب يُدعى جمال عبدالناصر. كانت وحدته محاصرة لفترة طويلة في "جيب الفلوجة" (في منطقة كريات جات الحالية). هناك، أمام الخطوط الأمامية، رأى ناصر بأم عينيه عجز الحكومة والقيادة المصرية.
حمّل الضباط الملك فاروق المسؤولية مباشرةً، فقد حرم فساده المستشري وأسلوب حياته الباذخ الجيش من المعدات والأسلحة الحديثة التي كان من شأنها تغيير مسار الحملة. عاد ناصر إلى مصر عازمًا على الإطاحة بالنظام.
عانت مصر أيضًا من الإحباط تجاه بريطانيا خلال تلك السنوات. فعلى الرغم من أنها منحتها استقلالها الرسمي عام 1936، إلا أنها استمرت في الواقع في الحكم بقبضة حديدية والتدخل في شؤونها (بما في ذلك إجبارها على تغيير رئيس الوزراء عام 1942).
في يناير 1952، وقع الانفجار، حيث اندلعت معركة ضارية بين الجيش البريطاني والشرطة المصرية في مدينة الإسماعيلية انتهت بمقتل 50 شرطيًا مصريًا. اشتعلت البلاد، ونشبت أعمال شغب، ونُهبت الشركات البريطانية. عندما عجزت الحكومة عن قمع أعمال الشغب، أدرك الضباط أن الوقت قد حان للتحرك.
واستولت مجموعة الضباط، المعروفة باسم "الضباط الأحرار" بقيادة اللواء محمد نجيب، على السلطة في القاهرة، ووصلت إلى الإسكندرية، وحاصرت القصر الملكي.
في رسالة لاذعة أُرسلت إلى الملك فاروق، اتُهم بازدراء الشعب وحملته هزيمة عام 1948، وأُمر بمغادرة مصر بحلول الساعة 6:00 مساءً. تنازل فاروق عن العرش وأبحر إلى إيطاليا مع زوجته الثانية وابنه، حيث عاش حتى وفاته عام 1965.
رد فعل إسرائيل
وهنأ رئيس الحكومة الإسرائيلية ديفيد بن جوريون من على منصة الكنيست الثورة المصرية، ودعا إلى عقد محادثات سلام معها. كما سادت في وزارة الخارجية الإسرائيلية تقديرات بأن الاتفاق ممكن. وقدم كل من بن جوريون ووزير الخارجية موشيه شاريت تقارير للحكومة بهذا الشأن.
وفق حساب الأرشيف الحكومي في موقع "فيسبوك"، أبدت الحكومة الإسرائيلية في البداية تفاؤلاً كبيرًا. أرسل موشيه شاريت وزير الخارجية آنذاك برقية إلى سفير إسرائيل بواشنطن أبا إيبان، أبلغه فيها بأن سقوط الملك فاروق والطبقة السياسية القديمة يُمثل "فرصة تاريخية استثنائية ونادرة".
وأمره آنذاك بالتحرك الفوري لدى الإدارة الأمريكية، لنقل رسالة مفادها: أن إسرائيل ترى في هذا التغيير العسكري فرصة لإيجاد "آذان صاغية لمقترحات السلام"، شريطة أن تقوم واشنطن بالوساطة والضغط.
من ناحية أخرى، صاغ الدبلوماسي الإسرائيلي أفياد يافي مذكرة تحليلية دقيقة استبعدت توصل مصر لاتفاق سلام مع إسرائيل، مرجعًا ذلك إلى أولويات النظام الجديد في الجلاء البريطاني، والرغبة في قيادة العالم العربي عبر تبني القضية الفلسطينية، والحاجة لعدو خارجي لترسيخ الشرعية الداخلية.
وقد تأكدت دقة استنتاجاته لاحقًا من خلال فشل المفاوضات السرية، وصعود الناصرية كقوة إقليمية معادية، وتصاعد التوترات العسكرية التي توجت بعدوان 1956، مما أثبت واقعية تحليله مقابل رهان التفاؤل الرومانسي آنذاك.

