حذّر خبراء المياه المصريون من تداعيات خطيرة قد تترتب على خفض كميات المياه التي تطلقها إثيوبيا من سد النهضة، بالتزامن مع تراجع منسوب نهر النيل في السودان وتأخر هطول الأمطار في منطقة القرن الأفريقي، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الأمن المائي في مصر والسودان.

 

ونشر العربي الجديد، في تقرير أعده صالح سالم من القاهرة، أن مصر تستعد لمرحلة صعبة مع تراجع مستويات مياه النيل في السودان وانخفاض كميات المياه المتدفقة من سد النهضة الإثيوبي، وسط اتهامات مصرية لإثيوبيا بإدارة السد بصورة أحادية ومن دون تنسيق، بعد افتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025.

 

مصر تصف أمنها المائي بالقضية الوجودية

 

وصف وزير خارجية السيسي، بدر عبد العاطي، في 19 يوليو، أمن بلاده المائي بأنه «قضية وجودية»، داعيًا إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظمة لاستخدام الأنهار العابرة للحدود.

 

وقال عبد العاطي خلال لقاء مع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس في القاهرة إن بلاده ترفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، فيما صعّدت القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة لهجتها تجاه سد النهضة.

 

وفي الأول من يوليو، قال وزير الخارجية المصري إن بلاده تحتفظ بحقها في الدفاع عن مصالحها المائية، مؤكدًا أن مصر لن تسمح، تحت أي ظرف، بالمساس بحصتها التاريخية من مياه النيل.

 

تراجع مياه النيل في السودان يثير مخاوف القاهرة

 

ارتبط القلق المصري المتزايد بشأن الأمن المائي بتراجع منسوب النهر في السودان، الذي تمر عبره مياه النيل قادمة من إثيوبيا قبل وصولها إلى مصر.

 

وأشار مسؤولون وخبراء مياه سودانيون إلى انخفاض منسوب النهر منذ بداية يوليو، فيما قدرت محطات الرصد المائي السودانية كميات المياه التي يطلقها سد النهضة يوميًا بما يتراوح بين 150 و180 مليون متر مكعب، وهي كميات تقل كثيرًا عن التدفقات السابقة عبر بوابات تصريف السد.

 

وقال مهندسون سودانيون إن تراجع منسوب المياه أثر سلبًا في محطات سحب المياه بالعاصمة الخرطوم، ما يثير مخاوف بشأن التداعيات المحتملة على مصر، التي تصل إليها مياه النيل بعد تلبية احتياجات السودان.

 

وعزا خبراء مصريون تراجع منسوب النهر في السودان، إلى جانب انخفاض تدفقات سد النهضة، إلى تعديلات في عمليات التخزين داخل السد.

 

وقال خبير المياه المستقل نور أحمد عبد المنعم لـ«العربي الجديد» إن تعديلات التخزين تعني تصريف كميات أقل من المياه، متوقعًا أن ينعكس ذلك سلبًا على مصر، خاصة إذا تراجعت معدلات الأمطار في إثيوبيا خلال موسم الأمطار الحالي.

 

وأضاف أن ذلك قد يسبب مشكلات لملايين المزارعين في مصر، كما يهدد محطات توليد الطاقة الكهرومائية في البلاد.

 

ولم تؤكد إثيوبيا حدوث أي انخفاض في تصريف المياه من السد، فيما اتخذت وزارة الري المصرية موقفًا حذرًا تجاه التطورات في السودان، ووجّه الوزير هاني سويلم أجهزة الوزارة إلى متابعة معدلات الأمطار وتدفقات مياه النهر يوميًا، وتحديث التنبؤات الهيدرولوجية والمناخية، وتعديل سيناريوهات التشغيل وفقًا لتطورات الأوضاع.

 

ووصف أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين، في وقت سابق، انخفاض منسوب النهر في السودان بأنه «صادم للغاية»، متوقعًا أن يشكل العام الهيدرولوجي الحالي بداية سلسلة من السنوات الشحيحة مائيًا.

 

أزمة سد النهضة تعمّق التوترات الدبلوماسية

 

جعلت مصر قضية سد النهضة محورًا رئيسيًا في تحركاتها الدبلوماسية الدولية منذ بدء بناء السد الكهرومائي الضخم عام 2011، وسط مخاوف مصرية عميقة من تأثيره على إمدادات البلاد من مياه النيل، التي تمثل المصدر الرئيسي للمياه العذبة.

 

وزادت هذه المخاوف بعد فشل المفاوضات المصرية الإثيوبية في ديسمبر 2023، فيما تطالب القاهرة باتفاق ملزم ينظم تشغيل سد النهضة ويأخذ احتياجاتها المائية في الاعتبار.

 

وقالت وزارة الري المصرية، في 19 يوليو، إن استمرار تشغيل السد بصورة «أحادية» أدى إلى تقلبات في معدلات تصريف المياه، في ظل غياب قواعد متفق عليها للتشغيل أو آلية منتظمة لتبادل البيانات.

 

وسبق أن أدى تصريف كميات كبيرة من المياه من السد خلال العام الماضي إلى حدوث فيضانات في السودان وأجزاء من مصر، ما زاد من حدة المخاوف بشأن تأثير عمليات تشغيل السد على دولتي المصب.

 

وتعقد القاهرة آمالًا على نجاح وساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تسوية النزاع، بعدما أخفقت محاولات سابقة قادتها منظمات دولية وقارية، بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

 

وفي ظل تصاعد التنافس المصري الإثيوبي على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، يعود سد النهضة إلى صدارة هذه المواجهة، وسط تحذيرات من أن الخلاف قد يتجاوز حدود الأزمة الدبلوماسية إذا استمرت التوترات بين البلدين.

https://www.newarab.com/news/egypt-sudan-brace-crisis-ethiopia-tightens-gerd-flows?amp

 

مصر تقترب من خط الفقر المائي

 

تدافع إثيوبيا عن حقها في استخدام مواردها المائية وتشغيل سد النهضة وفق رؤيتها، مؤكدة أن المشروع ضروري لدعم التنمية في البلاد، حيث يعيش نحو 40% من السكان تحت خط الفقر، كما تصفه بأنه مشروع سيادي لا يلحق أضرارًا بدولتي المصب.

 

في المقابل، تؤكد مصر أنها لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية، لكنها تشدد على ضرورة ألا تأتي هذه التنمية على حساب أمنها المائي.

 

وتقول القاهرة إن حصتها السنوية من مياه النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، ظلت ثابتة رغم الزيادة المستمرة في عدد السكان، الذي تجاوز 110 ملايين نسمة.

 

وقال وزير الري المصري هاني سويلم، قبل أيام، إن نصيب الفرد من المياه في مصر انخفض إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، بعدما كان يبلغ نحو 2000 متر مكعب في ستينيات القرن الماضي، ما يضع البلاد تحت خط الفقر المائي العالمي.

 

وحذّر خبراء محليون من أن استمرار إثيوبيا في تشغيل سد النهضة دون تنسيق مع مصر قد يزيد حدة الأزمة، مؤكدين أن التنسيق ضروري للحد من الآثار السلبية على دول المصب، خصوصًا خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.

 

وقال أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة عباس شراقي إن التنسيق بشأن تشغيل السد يمثل عنصرًا حاسمًا لتقليل الأضرار على دول المصب، محذرًا من أن الإجراءات الإثيوبية الأحادية في إدارة السد ستؤدي إلى تفاقم الأزمات في هذه الدول.

 

وتضع التطورات الجديدة أزمة سد النهضة والأمن المائي في مصر والسودان أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تراجع تدفقات المياه ومخاوف الجفاف، بينما تواجه مصر تحديًا مائيًا متزايدًا نتيجة ثبات حصتها من مياه النيل مقابل نمو سكاني متسارع، وهو ما يجعل أي انخفاض إضافي في التدفقات تهديدًا مباشرًا للزراعة ومياه الشرب والطاقة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

 

https://www.newarab.com/news/egypt-sudan-brace-crisis-ethiopia-tightens-gerd-flows?amp