ربط قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي صرف علاوة شهرية للمعلمين ومديري المدارس باجتياز دورات داخل الأكاديمية العسكرية، محولًا التأهيل المهني من اختصاص تربوي مدني إلى بوابة عسكرية تمنح الامتياز وتحدد المستحقين له.

 

وكشف الاجتماع مع وزير التربية والتعليم أن توسيع هذا المسار يمضي بقرار رئاسي مباشر، بينما تتراجع المؤسسات التربوية المختصة إلى الخلف، ويصبح الانضباط العسكري معيارًا جديدًا للترقي داخل المدرسة المصرية.

 

 

الأكاديمية تنتزع اختصاص التربية

 

وبحسب المعلن، تستغرق الدورات بين 3 و6 أشهر، وتشمل معلمين ومديري مدارس، ما ينفي وصفها بإجراء عابر، ويجعلها مسارًا مؤثرًا في اختيار الكوادر وتشكيل سلوكها الوظيفي طوال مسارهم المهني اللاحق.

 

وفي المقابل، لم تعلن الوزارة تفاصيل المناهج أو أسماء المدربين أو معايير التقييم، ولم توضح لماذا تعجز أكاديمية المعلم وكليات التربية عن أداء مهمة تدخل أصلًا في صميم اختصاصها الأكاديمي.

 

وإذ تروج الدولة للخطوة باعتبارها تطويرًا للقيادة، فإن ربط العلاوة باجتيازها يحول الحافز المالي إلى أداة ضغط، خصوصًا أمام معلمين أنهكتهم الأجور المتدنية ونفقات المعيشة التي تتصاعد بلا توقف.

 

كذلك يتجاوز القرار تحسين المهارات إلى إعادة ترتيب السلطة داخل التعليم، فالمؤسسة التي تدرب وتختبر وتؤثر في الاستحقاق المالي تكتسب عمليًا دورًا في رسم صورة المعلم المقبول رسميًا ومسار ترقيه.

 

ويرى الخبير التربوي محمد رأفت أن الخطوة حلقة في عسكرة مؤسسات المجتمع، مؤكدًا أن تدريب المعلمين على أدوار بعيدة عن رسالتهم يهين وزارة التعليم وكليات التربية وأكاديمية المعلم الرسمية القائمة.

 

وبحسب رأفت، كان الأجدر إسناد الجوانب البدنية إلى متخصصين مدنيين عند الحاجة، لأن وظيفة المعلم تقوم على التربية والمعرفة وبناء الشخصية، لا على قياسات صممت أصلًا لبيئة عسكرية مختلفة تمامًا.

 

ومن ناحية أخرى، يفتح غياب الشفافية بابًا للتساؤل عن الأموال التي تدفعها الوزارة مقابل التدريب، وحجم العائد الحقيقي على الفصول، والجهة التي تراقب الجودة أو تتلقى شكاوى المستبعدين من المعلمين.

 

أما المدرسة، فهي تحتاج قيادة تسمح بالنقاش والمبادرة والتجريب، بينما يقوم النموذج العسكري على التسلسل الصارم وتنفيذ الأوامر، وهو تعارض لا تعالجه شعارات الانضباط أو صور حفلات التخرج الرسمية المتكررة.

 

 

اللياقة تتقدم على الكفاءة

 

وعلاوة على ذلك، سبق أن ارتبطت اختبارات الأكاديمية بشكاوى من استبعاد ناجحين بسبب الوزن والحمل واللياقة، رغم اجتيازهم الاختبارات القانونية والمهنية، بما جعل الشكل الجسدي حاجزًا أمام التعيين والعمل لاحقًا.

 

واستنادًا إلى توثيق حقوقي، أدت هذه الشروط إلى استبعاد آلاف المتقدمين، في وقت تعترف فيه الوزارة بعجز ضخم في أعداد المعلمين، فتفاقم البوابة العسكرية الأزمة التي يفترض حلها فعليًا اليوم.

 

غير أن أستاذ المناهج حسن شحاتة يدافع عن التعاون، معتبرًا أن إمكانات الأكاديمية التقنية ومراكزها المتقدمة قد تطور قدرات المعلمين العلمية والبحثية، وتعيد الانضباط إلى العملية التعليمية داخل المدارس المصرية.

 

ومع ذلك، لا يجيب هذا الدفاع عن سبب تجاوز أكاديمية المعلم وكليات التربية بدل تمويلهما وتطويرهما، ولا يثبت أن الانضباط العسكري قادر على تحسين التدريس أو فهم احتياجات تلاميذ المدارس.

 

لذلك يصبح معيار اللياقة مثيرًا للتمييز حين يتقدم على الكفاءة، لأن زيادة الوزن أو الحمل لا تمنع المعلمة من شرح الدرس، لكنها قد تحرم المدرسة من تخصص تحتاجه بشدة فعليًا.

 

وفوق ذلك، يحمل كشف الهيئة بطبيعته مساحة واسعة للتقدير غير المعلن، وهو ما يصعب الطعن عليه أو مراجعته، ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص في وظيفة عامة ممولة من المواطنين في النهاية.

 

وفي السياق نفسه، يرى أستاذ التقويم التربوي عاصم حجازي أن الأكاديمية تستطيع تنمية المهارات الشخصية وجعل المعلم قدوة، وأن تعاونها مع الوزارة لا يعني بالضرورة عسكرة التعليم داخل المدارس المصرية.

 

لكن هذا الرأي يفترض تكاملًا مؤسسيًا لم تكشف الحكومة حدوده، بينما تظهر القرارات أن الاجتياز يرتبط بالتعيين والحافز المالي، أي إن الأكاديمية لا تقدم تدريبًا اختياريًا بل بوابة إلزامية دائمة.

 

 

حافز مالي يفرض الطاعة

 

وبينما يحتاج المعلم إلى علم النفس التربوي وإدارة الفصل والتقنيات الحديثة وطرق التقويم، لا تكشف البيانات الرسمية مقدار ما تمنحه الدورات لهذه المهارات مقارنة بالتدريبات البدنية والانضباطية داخل الأكاديمية العسكرية.

 

ومن ثم، تبدو الأولوية مقلوبة، إذ تبحث الدولة عن جسد منضبط وسلوك مطيع، فيما تترك كثافات الفصول ونقص المعلمين وضعف التجهيزات والدروس الخصوصية تستنزف المدرسة والأسرة معًا يوميًا بلا حلول.

 

وفي المحصلة، لا تقاس جودة التدريب بطول مدته أو صرامة نظامه، بل بقدرته على تحسين تعلم الطلاب، وتقليل التسرب، ومساعدة المعلم على إدارة فصل مزدحم دون إذلال أو خوف دائم.

 

لهذا يثير تخصيص علاوة للمجتازين سؤال العدالة بين العاملين، لأن معلمًا كفؤًا قد يحرم منها لأسباب بدنية، بينما يحصل عليها آخر دون دليل منشور على تحسن أدائه الحقيقي داخل الفصل.

 

وبالتوازي، يعكس التوسع في تدريب المدنيين داخل المؤسسات العسكرية انكماش ثقة الدولة بأجهزتها الأصلية، ويحول الوزارات والجامعات إلى واجهات تنفيذية تنتظر شهادة صلاحية من خارج اختصاصها المهني والتربوي الأصيل تمامًا.

 

بناءً على ذلك، تصبح القضية أبعد من دورة أو علاوة، فهي تتصل بمن يضع معايير المعلم، ومن يملك حق إقصائه، وأي نموذج إنساني تريد الدولة فرضه داخل المدارس المصرية مستقبلًا.

 

وأخيرًا، إذا أرادت السلطة تطوير التعليم حقًا، فعليها نشر محتوى الدورات ونتائجها وكلفتها، وإخضاعها لتقييم مستقل، وإعادة التأهيل إلى مؤسساته المدنية بدل مكافأة الخضوع لمسار عسكري مغلق يهيمن على التعليم المدني.