أقر مجلس النواب في القاهرة يوم 14 يوليو 2026 مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة نهائيا وأحاله إلى رئاسة الجمهورية لإصداره، بعد مناقشات سريعة انتهت بمنح الجهاز تبعية مباشرة للرئاسة واستقلالا ماليا وإداريا وفنيا وصلاحيات واسعة في إدارة الأصول وإنشاء مناطق التنمية وصندوقين جديدين.

 

وكشف تمرير القانون قبل نهاية دور الانعقاد عن اتجاه سياسي يعيد تركيز القرار الاقتصادي خارج الوزارات والهيئات الخاضعة للمساءلة اليومية، بينما يتحمل المواطن نتائج إدارة الأرض والمياه والغذاء والمال العام من دون ضمانات كافية للنشر والمشاركة والطعن، وهو ما يجعل الاعتراض مرتبطا بحقوق الناس لا بخلاف إداري محدود.

 

صلاحيات تجمع التخطيط والتنفيذ والرقابة في يد جهاز واحد

 

ويمنح قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الكيان الجديد طبيعة خاصة تسمح له بالتخطيط ووضع القواعد والترخيص والتخصيص والاستثمار وإدارة الأصول والتحصيل، كما يفتح أمامه تأسيس مناطق للتنمية المستدامة بقرارات تصدر من رئيس الجمهورية، وهو ترتيب يضع سلطات تنظيمية وتنفيذية واستثمارية داخل المؤسسة نفسها.

 

وبحسب الصيغة الحكومية يضم الجهاز صندوق أهرامات النيل للثروة السيادية وصندوق مستقبل مصر الخدمي المعروف باسم داعم، وتقول الحكومة إن الصندوقين سيسرعان تنفيذ المشروعات القومية ويعززان الشراكة مع القطاع الخاص، لكن القانون لا يفصل بوضوح بين الجهة التي تضع القواعد والجهة التي تستثمر وتنافس وتراقب.

 

وحذر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد من أن الاستقلال المالي والإداري والفني يضع الجهاز بعيدا عن صور الرقابة المعتادة ويجعله جهازا فوق الحكومة، كما أشار إلى غياب البيانات التي تسمح للمتخصصين بتقييم فرص نجاح هذا الكيان أو تحديد كلفته ونتائجه الفعلية.

 

ومن جهة أخرى رأى السيد أن اختصاصات الجهاز تتقاطع مع وزارات قائمة وقد تحل محلها في ملفات محددة، وضرب مثالا بوزارتي الزراعة والري، لأن القانون يمنح الجهاز سلطة مباشرة على مشروعات الأرض والمياه والإنتاج الغذائي من دون أن يحدد بدقة حدود مسؤولية كل وزارة أمام البرلمان والمواطنين.

 

وفي السياق نفسه أشار السيد إلى أن ممثلي الوزارات يستطيعون حضور اجتماعات الجهاز من دون امتلاك حق التصويت على قراراته، رغم النص على خضوعه لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وهو وضع يحول المشاركة الحكومية إلى حضور شكلي ويمنع الوزارات المختصة من الاعتراض المؤثر على قرارات تمس اختصاصاتها الأصلية.

 

أصول عامة وفوائض مستقلة ورقابة لا توازي حجم المال

 

وتكشف الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ندى عرفات أن مشروع القانون يقنن توسعا سبق وصوله إلى البرلمان، بعدما امتد نشاط الجهاز من استصلاح الأراضي إلى استيراد القمح وإدارة البحيرات والأسمدة ومنافذ الغذاء والعقارات ومحفظة استثمارية في البورصة، ثم جاء التشريع ليمنح هذا التمدد أساسا قانونيا أكثر صلابة.

 

وبموجب المواد المنظمة للموارد يستطيع الجهاز وصندوق أهرامات النيل تلقي أصول وأموال وأسهم وحصص مملوكة للدولة أو لجهاتها وشركاتها وإدارتها واستثمارها، كما تدخل عوائد هذه الأصول ضمن موارده الذاتية، بما ينقل أجزاء من الملكية العامة إلى دائرة مالية مستقلة تحكمها لوائح يضعها مجلس إدارة الجهاز.

 

وفوق ذلك استبعدت الصياغات المطروحة التطبيق التلقائي للقواعد التي تلزم بعض الجهات بتحويل فوائضها إلى الخزانة العامة، بينما تركت نسبة التحويل لقرار يصدر لاحقا، ورغم تعديل البرلمان بعض المواد وإقرار حد أدنى لبعض الفوائض فإن جوهر المسار المالي المنفصل بقي قائما تحت سلطة القرار الرئاسي.

 

وعلى هذا الأساس اعتبرت عرفات أن الرقابة تظل أقل من حجم الصلاحيات لأن الجهاز يجمع إدارة الأصول العامة والرقابة والتحصيل والاستثمار داخل بنية واحدة، كما يبقى خارج عدد من القوانين المنظمة للعمل العام والتعاقدات والحد الأقصى للدخول، ويضع لوائحه الإدارية والمالية والفنية والمشتريات بنفسه.

 

وبالنتيجة لا تقف المخاطر عند الحسابات المالية لأن الجهاز يباشر قرارات مرتبطة بالأرض والمياه والطاقة والبيئة، فيما لا تلزم الصياغة النهائية بنشر دراسات الجدوى وتقييمات الأثر المائي والاجتماعي والبيئي قبل نقل الأراضي أو إنشاء مناطق جديدة، وهو نقص يمس الفلاحين والمجتمعات المحلية وأصحاب الحقوق المباشرة.

 

منافسة القطاع الخاص ومعارضة وافقت رغم بقاء الاختلالات

 

ويضع توسع الجهاز في الغذاء والزراعة والعقارات وسوق المال شركات القطاع الخاص أمام منافس يملك أصول الدولة وسلطة الترخيص والتنظيم والجزاء، وهو ما يتعارض مع خطاب الحكومة عن توسيع دور المستثمرين وتقليص هيمنة الدولة، لأن المنافسة لا تصبح متكافئة عندما يحدد أحد الأطراف القواعد ويشارك في السوق.

 

وفي هذا الإطار رأى الباحث يزيد صايغ من مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط أن جهاز مستقبل مصر توسع بسرعة لافتة مع استمرار غياب الشفافية، موضحا أن نقص البيانات يمنع التحقق المستقل من الجدوى التجارية والاستدامة البيئية والعائد الاجتماعي، ويجعل شروط الشراكة مع المستثمرين بعيدة عن الفحص العام.

 

وبينما نقلت الدولة شركات صافي ووطنية وتشيل أوت من القوات المسلحة إلى الجهاز رأى مصطفى كامل السيد أن تغيير جهة الملكية لا يغير طبيعة علاقة الدولة بهذه الشركات، لأن الكيانات تبقى تحت السيطرة العامة المباشرة، وهو ما يفرغ الحديث الرسمي عن تقليص النشاط الاقتصادي للدولة من مضمونه العملي.

 

أما رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل محمد فؤاد فقدم مذكرة تضمنت تعديلات لضبط تأسيس الجهاز وتنظيم مكاتب الاعتماد وإنشاء مجالس تنفيذية للصناديق ووضع آلية مستقلة للفصل في التظلمات والمنازعات، لكنه أعلن أن المقترحات لم تقبل كاملة رغم بقاء تعدد الكيانات الاقتصادية وتداخل الأدوار واتساع صلاحيات مناطق التنمية.

 

ومع ذلك وافق حزب العدل على مشروع القانون في صورته العامة وقال فؤاد إن هدفه تعديل الإطار لا إسقاطه، بينما تمسكت أحزاب أخرى بالرفض رغم إدخال تعديلات وسعت دور البرلمان وأكدت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، لأن النص النهائي أبقى الجهاز تابعا للرئاسة ومحتفظا باستقلاله الواسع ومساره المالي الخاص.

 

وأخيرا لا ينهي إقرار القانون الجدل حول مستقبل مصر بل ينقل السؤال من قاعة البرلمان إلى واقع إدارة أصول الدولة ومواردها، فالجهاز حصل على سلطات تتجاوز وزارات قائمة وأصبح منافسا ومنظما ومراقبا في الوقت نفسه، بينما بقيت رقابة المواطنين والبرلمان أضيق من القوة الاقتصادية التي صنعها التشريع.