كشفت حملة أمنية مدعومة بمعدات هندسية في حي الميناء بمدينة العريش بمحافظة شمال سيناء استمرار تنفيذ المرحلتين الرابعة والخامسة من الإزالات لليوم الثاني على التوالي داخل نطاق يضم 1105 مبان سكنية وأكثر من 2 مليون متر مربع من الأراضي وانتهت العمليات بإخراج أثاث أسر إلى الشوارع وهدم منازل جديدة وسط غضب واسع.
تضع عودة إزالات حي الميناء حكومة عبد الفتاح السيسي أمام اتهام مباشر بإدارة مشروع الميناء على حساب حق السكان في السكن والأمان بعدما استخدمت قرارات المنفعة العامة لتوسيع نطاق الإخلاء بينما بقيت نتائج التفاوض والتعويض وإعادة التوطين بعيدة عن الرقابة العلنية رغم مرور أعوام على بدء الأزمة.
عودة الجرافات وخرق الوعود
بدأ التصعيد الحالي بعد أشهر من التوقف حين دخلت المعدات الهندسية شوارع الحي بمرافقة قوات أمنية وشرعت في إزالة منازل واقعة داخل حرم ميناء العريش بينما فوجئت الأسر بعودة التنفيذ من دون إعلان واضح يحدد عدد البيوت المستهدفة يوميا أو المدة المقررة أو ترتيبات نقل السكان قبل الهدم.
وفي المقابل وثق مقطع مصور احتجاج سيدة من سكان الحي قالت إن الجهات المنفذة تخرج أثاث المنازل إلى الشارع قبل هدمها وهو ما كشف أن الأسر لا تواجه قرارا إداريا مجردا بل فقدانا فوريا للمأوى والممتلكات وغيابا لمكان بديل يحفظ حياتها بعد مغادرة البيوت.
ثم أعادت هذه المشاهد إلى الواجهة اجتماع 22 يونيو 2023 الذي جمع وفدا من سكان الحي بوزير النقل كامل الوزير بعد موجة اعتراضات سابقة حيث فهم الأهالي أن الإزالات ستتوقف إلى حين الوصول إلى تسوية تضمن بديلا مكافئا وتعويضا مقبولا قبل استكمال المراحل المتبقية.
وبعد ذلك تشكلت لجنة للتفاوض مع الأهالي وأنهت أعمالها خلال يوليو 2023 لكن الجهات الرسمية لم تنشر محاضر اجتماعاتها أو نتائجها أو الأسس التي اعتمدتها لتقييم المنازل والأراضي كما لم توضح أسباب استئناف الهدم قبل إعلان اتفاق نهائي يمكن للسكان مراجعته أو الاعتراض عليه.
ومن جهته قال أحمد سالم مدير مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إن الحكومة مطالبة بوقف مخططات تفريغ منطقة الميناء لأن سكان شمال سيناء سبق أن تحملوا موجات واسعة من التهجير من دون حوار مجتمعي حقيقي وتخدم شهادته توثيق نمط متكرر يسبق الإخلاء فيه القرار الأمني أي تفاوض علني.
قرارات المنفعة العامة والتوسع العسكري
استندت السلطات إلى القرار الجمهوري رقم 330 لسنة 2019 الذي اعتبر ميناء العريش والمنطقة المحيطة به من أعمال المنفعة العامة ثم جاء القرار رقم 465 لسنة 2021 لينقل تبعية الميناء والأراضي اللازمة لتطويره إلى القوات المسلحة ويوسع الإطار القانوني لنزع الملكيات المحيطة بالمشروع.
وبموجب هذا المسار تحولت منطقة سكنية قديمة إلى نطاق مخصص لأنشطة الميناء رغم إقامة عائلات فيها منذ عقود ولم تقدم الحكومة خريطة منشورة تبين بدقة حدود كل مرحلة أو تشرح لماذا تعذر دمج المساكن القائمة في التخطيط الجديد أو تقليل عدد العقارات المطلوب إزالتها.
كذلك أظهرت التقديرات الرسمية أن نطاق الإخلاء يشمل 1105 مبان سكنية ومساحة تتجاوز 2 مليون متر مربع وهي أرقام تنقل القضية من خلاف محدود حول عقارات منفردة إلى عملية إعادة تشكيل عمراني تمس مجتمعا كاملا وتفرض على الدولة التزامات أكبر من مجرد صرف مبالغ مالية متفرقة.
وعلى المستوى القانوني يرى المحامي الحقوقي شريف هلالي أن نزع الملكية يجب ألا ينفصل عن احترام الحق في السكن الآمن وأن الإخلاء القسري يتعارض مع الضمانات الدستورية والدولية عندما يجري رغم إرادة السكان ومن دون حماية كافية وتخدم رؤيته تقييم شرعية الإجراءات لا جدوى المشروع الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه تروج وزارة النقل لميناء العريش باعتباره جزءا من ممر لوجستي يربط العريش بطابا ويخدم التجارة والمناطق الصناعية غير أن الحكومة لم تشرح علنا لماذا يستلزم هذا الهدف إخراج الأسر قبل استكمال مساكن بديلة أو لماذا بقي السكان خارج عملية التخطيط التي تحدد مستقبل أراضيهم.
تعويضات غامضة ومصير معلق
تركز الأزمة الحالية على التعويضات وإعادة التوطين لأن الأهالي لم يتلقوا حتى الآن كشفا شاملا يوضح قيمة التعويض لكل منزل وأرض ومواعيد الصرف ومعايير التقييم كما لم تعلن المحافظة جدولا ملزما لتسليم وحدات بديلة قبل إزالة البيوت بما يمنع انتقال الأسر إلى الشوارع أو مساكن مؤقتة.
ورغم إعلان محافظ شمال سيناء خلال يونيو 2025 زيادة تعويضات المنازل بنسبة تصل إلى 60 بالمئة فإن هذا الإعلان لم يحسم النزاع لأن النسبة وحدها لا تكشف سعر المتر الأساسي ولا تقارن بين قيمة التعويض وتكلفة شراء مسكن مماثل داخل العريش بعد ارتفاع أسعار العقارات والمواد الإنشائية.
وبحسب الباحث العمراني يحيى شوكت يجب أن يحصل المتضررون على التعويض الكامل والمناسب قبل نزع الوحدة السكنية وأن تمنحهم خطط المشروعات وقتا كافيا لممارسة حقوقهم وتخدم ملاحظته اختبار كفاية التعويض وتوقيته لا مجرد وجود قرار بالصرف أو زيادة نسبية تعلنها المحافظة.
إضافة إلى ذلك لم تعلن السلطات موقع الحي البديل الذي سبق أن ناقشته جهات هندسية مع السكان ولم توضح هل تراجعت عن فكرته أم ما زالت تبحث عن أرض لتنفيذه وبذلك استأنفت الإزالات بينما بقي البديل الذي علق عليه الأهالي قبولهم بالتفاوض مجرد وعد بلا موعد أو ضمان تنفيذي.
ومن ثم تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة عن كل أسرة خرج أثاثها إلى الطريق قبل حصولها على مسكن آمن لأن قرار المنفعة العامة لا يمنح الجهة المنفذة حق تعليق الحماية الاجتماعية ولا يعفيها من نشر نتائج اللجان وتمكين المتضررين من الطعن على التقييم والإخلاء قبل وقوع الضرر.
وأخيرا تكشف إزالات حي الميناء أن مشروع تطوير ميناء العريش تقدم بخطوات تنفيذية سريعة بينما تأخرت ضمانات السكان لسنوات ولذلك يطالب الأهالي بوقف الهدم فورا ونشر نتائج التفاوض وتسليم بدائل مكافئة وصرف تعويضات بالقيمة الحالية قبل أي إخلاء حتى لا تتحول التنمية الحكومية إلى تشريد موثق بالقوة.

